
من معرض الفنان السنغالي اللبناني هادي سي (خدمة المعرض)
ملخص
في زمن لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الآلة ستفكر، بل كيف سيعيد الإنسان تعريف إنسانيته في حضورها، يقدم هادي سي معرضه “شراكة إنسانية: أرواح صاعدة”، بوصفه تأملاً بصرياً في الحدود المتحركة بين الوعي العضوي والذكاء الاصطناعي.
تأتي أعمال هادي سي احتفاءً بالتكنولوجيا ولا إعلاناً للحرب عليها، بل محاولة لاستكشاف تلك المنطقة الرمادية التي يتقاطع فيها العقل مع الحساب، والحدس مع الخوارزمية، والذاكرة الإنسانية مع الشبكات الرقمية. وهي لا تُعارض هذه العوالم، بل تدعو إلى أفق من التعايش، تحترم فيه التكنولوجيا الكرامة الإنسانية، ويظل فيه البشر مهندسي مصيرهم.
هادي سي (من مواليد بيروت 1964- سنغالي فرنسي الجنسية) من الفنانين القلائل الذين تنطلق أعمالهم من قلق المعاصرة، وروح الصراع الذي تعيشه مجتمعاتنا من جراء الانخراط المتسارع في التكنولوجيا الرقمية التي باتت تهيمن على حياتنا اليومية وثقافتنا ومداركنا، بل وتؤثر في مصائرنا بما يهدد بتراجع التفكير النقدي.
ولا يأتي معرضه الحالي “شراكة إنسانية: أرواح صاعدة” المقام في غاليري صالح بركات، احتفاءً بالذكاء الاصطناعي أو إدانة له، بل هو، كما جاء في تقديم المعرض: “دعوة إلى الحوار بين السيليكون واللحم، والتأمل والحدس، وبين مرآة الآلة ولغز الروح البشرية”.
يواصل المعرض، المستمر حتى الـ14 من أغسطس (آب) 2026، المسار الفكري الذي بدأه الفنان في معارضه السابقة، متأملاً العلاقة المركبة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في لحظة لم تعد فيها التكنولوجيا مجرد أداة، بل شريك في الحوار والإبداع، يعيد مساءلة مفاهيم المعرفة والذات والمسؤولية. وانطلاقاً من هذه الرؤية، كتب هادي سي النص التقديمي للمعرض بالمشاركة مع روبوت يحمل اسم “كايسا”، ونشر الحوار الذي دار بينهما في كتيب المعرض، في تجربة لا تقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً عن الإنسان، بل شريكاً يفتح باب التأمل في الحدود الفاصلة بين الإبداع البشري والإنتاج الخوارزمي، ويذكّر بأن كل تقدم تكنولوجي هو أيضاً قرار أخلاقي.
في عمله الإنشائي المبتكر، تتموضع المنحوتات لتشغل فضاء العرض بكامله وفق مستويات بصرية عدة. ويختار الفنان الكورتن والستانلس ستيل، وهما مادتان تنتميان إلى عالم الصناعة، لا بوصفهما خامتين فحسب، بل كوسيط فكري يعيد مساءلة العلاقة بين المادة والإدراك.
فالحديد، المرتبط تاريخياً بالآلة والقوة والصلابة، يفقد هنا كثافته المألوفة، ويتحول إلى خطوط مرسومة في الفراغ، أشبه بإشارات غرافيكية غامضة، فيما تصبح الظلال جزءاً لا ينفصل عن التكوين، كأن العمل لا يكتمل إلا بظلاله التي يرسمها الضوء المنبعث من داخله على الجدار، فتغدو جزءاً من بنيته الجمالية، في انزياح من الحضور إلى الأثر.
جماليات الفراغ
قد تنبع الحيرة أحياناً من القوة، حين يُرجئ العقل قراءة الشكل الفني ليصغي إلى الفكرة، فيما اعتدنا، عند تأمل العمل النحتي، أن نقرأ العلاقة الجمالية بين الشكل والتكوين والحركة في الفضاء، بعيداً من أي تفسير يقيّدها. ومن هنا يبرز السؤال: كيف تبدو هندسة الأشكال في منحوتات هادي سي إذا رفعنا عن كاهلها محمولاتها النظرية وأطرها المفهومية؟
تتحرر منحوتات هادي سي من مفاهيم النحت التقليدي، متخذة أشكالاً مغايرة على المستويين البصري والتقني. وفي هذا السياق، لا تبدو الأفكار مجرد خلفية للعمل بل عنصراً فاعلاً في بنيته الفيزيائية والإدراكية. ولئن كانت الأرض هي نقطة الارتكاز الأساسية في النحت التقليدي، فإن سي يراهن أكثر على الفراغ، بوصفه عنصراً فاعلاً في التكوين، فتتدلى منحوتاته من الأعلى في تكوينات يغلب عليها الامتداد الأفقي، موحية بالهشاشة والتأرجح.
وتتعانق الأشكال بخفة في حركات لولبية وصاعدة، تستحضر الأزهار والنباتات والأشجار والجذور والنساء والطيور. ومن هنا يكتسب عنوان المعرض “أرواح صاعدة” بعداً يتجاوز الإحالة الروحية المباشرة، ليغدو استعارة لتحولات الوعي ذاته.
“من الجذور إلى البذرة، ومن الحمض النووي إلى نشأة الكون، ومن أشجار الأرز والصبار وحبات الفطر، تظهر الحياة كعملية مستمرة من الظهور والتحول. يذكرنا العالم العضوي بأن الذكاء وُجد قبل الآلات بوقت طويل: في الأشجار، في الماء، في عمل النمل الصبور، وفي الهندسة غير المرئية للأنظمة الحية”. يحيل هذا النص لهادي سي إلى عالم “القوى والأشكال” عند رينيه هويغ، حيث تتكشف العلاقة العميقة بين نظام الطبيعة وكائناتها الحية، ومنها انبثقت مغامرة العقل الأولى في استنباط هندسة الجمال.
ومن بين أعمال المعرض تبرز صورة شبحية للرجل الفيتروفي، يعيد الفنان صياغتها بالستانلس ستيل، مستحضراً الرسم الشهير لليوناردو دافنشي الذي جعل من الجسد الإنساني معياراً للتناسب والكمال، وجسراً بين الهندسة والعمارة والكون. إلا أن هذا الجسد لا يظهر هنا بوصفه مركزاً ثابتاً للعالم، بل طيفاً معدنياً معلقاً بين الحضور والغياب، كأن المثال الإنساني الذي بشّرت به النهضة يواجه اختباراً جديداً في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ لم تعد الأسئلة تتعلق بنسبة الجسد، بل بحدود العقل، وبمن يمتلك سلطة تشكيله وتوجيهه.
قصائد مرئية
وكأن الطبيعة تعترف بهندستها العميقة، وتنطوي الحياة على طاقة في تمدد دائم. هكذا تتشكل في أعمال هادي سي هياكل شفافة ونوافذ من صفائح مخرمة كالدانتيل، وأمواج معلقة، وأجهزة حواسيب مغلقة تبث إشارات مشفرة من الضوء والظل، ومراكب معلّقة في الفضاء، على متنها عشّاق تائهون، وبشر يصعدون سلالم لا تفضي إلى مكان، وقلوب متعانقة وطيور جارحة، وكتب رقمية مفتوحة على لغات مشفرة من أساطير الزمن المقبل.
يشيّد الفنان هذه العوالم من أبسط وحدات اللغة الرقمية: 0 و1، اللذين يشكلان أساس العالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي. غير أنه لا يقدمهما بوصفهما شيفرة تقنية جامدة، بل يحولهما إلى “وحدة بصرية متصلة” تتكاثر وتتلاحم لتكوين كائنات وأشكال. وكأن الإنسان والطبيعة نفسيهما أصبحا بنيات قابلة لإعادة التركيب. والمفارقة أن هذه الكائنات، على رغم طابعها المستقبلي، تنبثق من نظام تجريدي تحول إلى لغة تشكيلية خاصة تعبر عن أسلوب الفنان.
هذا “الكود” الثنائي يشبه نوتة موسيقية تتكرر وتتحول، حتى يغدو إمضاءً بصرياً لهادي سي، يتكاثر ويتسلق وينمو ليأخذ أشكالاً لا حصر لها. وتقوم منحوتاته على التراكم والتثقيب واللحم والتوصيل، في تكوينات رشيقة تبدو كخطوط مرسومة في الفضاء، حيث يرسم الفنان الشكل بقدر ما ينحته. وحين يخترق الصفائح المعدنية، يسمح للضوء بأن يصبح مادة إضافية تشارك في بناء العمل، فيكتب لغة غرافيكية في الهواء من حروف متلاشية، أشبه بقصائد مرئية.
تتمحور أعمال هادي سي حول المخاوف من هيمنة الذكاء الاصطناعي على الروح البشرية، بعدما غدا أداة في الحروب تغذي العنف والاقتلاع والنزوح، فيصور العالم مقلوباً غارقاً في الفوضى والتشظي. غير أن هذا الانقلاب لا يبدو سياسياً أو جغرافياً فحسب، بل معرفياً أيضاً. في المقابل، يستحضر “مثلث الضوء” المثلث بوصفه رمزاً للاستقرار والارتقاء، لكنه يبنيه من فراغات وأسلاك دقيقة يعبرها الضوء، في استعارة للصعود الروحي.
ويفتح هادي سي “الكتاب الجديد” على شيفرات رقمية تغدو طلاسم لمخطوطات الزمن المقبل، حيث تنبثق من رمزي الصفر والواحد أبجدية غامضة تبدو بدائية، وتذكّر بطلاسم الحروف المسمارية، فيغدو الكتاب استعارة للمعرفة العابرة للزمن.
أما “رقعة الشطرنج”، فتحمل في خطابها المفهومي نقداً مبطناً لمصائر الشعوب في عالم تحكمه القوة التكنولوجية، حيث لا يعود الإنسان لاعباً، بل قطعة على رقعة يديرها الآخرون فتتراءى أشجار ذبلت جذورها بفعل شظايا الخريف.
وفي إحدى المنحوتات تتمثل حركة الناس في فضاء متشابك تتدفق الخطوط المعدنية كخرائط لطرقات لا تقود إلى وجهة نهائية، كأنها تسير داخل شبكة من الخوارزميات أكثر مما تسير فوق الأرض، فالكون يتقلص في سرعة زائدة والزمن يطوي المسافات وتصبح السرعة بيئة جديدة. وفي صورة أكثر اختزالاً يبدو “مسار الإنسانية”، موجة بلا بداية ولا نهاية، تتلوى في حركة عضوية تذكّر بدودة الأرض، التي تسير على إيقاع الريح.
ومع ذلك، يرفض الفنان اختزال الإنسان في بيانات، إذ يقول: “نحن ذاكرة، وخيال، وحب، وشك، وتضحية، وجمال، وتناقض. نحن قصص قبل أن نكون إحصاءات” لذا تحتفي أعماله، بالحب والقبلة والحرية وبتلك الأبعاد التي تعجز الآلة عن قياسها: المودة، والتعاطف، والصداقة، والروحانية، والروابط الخفية التي تصل البشر بعضهم ببعض.
“الأرواح الصاعدة” في رؤيتها المركزية تقترح أن المرحلة التالية من التطور ليست تكنولوجية فحسب، بل هي أخلاقية. والتحدي الحقيقي ليس في خلق آلات أكثر قوة، بل بشر أكثر حكمة.