ثمة سؤال يطرحه المؤرخون حين يدرسون الجيوش التي هُزمت من الداخل قبل أن تُهزم في الميدان: كيف يصل جيش إلى حد إذلال جنوده وتجويعهم وإرسالهم إلى الموت بدون تدريب، ثم يتوقع منهم أن يقاتلوا؟ الجيش الروسي في أوكرانيا لا يطرح هذا السؤال، بل يجسّده يوميًا.
تتكشف في السنوات الأخيرة روايات متواترة عن أساليب تأديب تمارسها القيادة الروسية بحق جنودها الرافضين للقتال أو المتذمرين من الأوضاع. يُجرَّد الجنود من ملابسهم، يُربطون بالأشجار، يُدفنون في حفر لأيام من دون ماء أو طعام. هذه ليست تجاوزات فردية، بل أنماط موثقة تكشف عن منطق عنف مؤسسي متجذر في تاريخ الجيش الروسي.
ماتياس أول/ Matthias Uhl، المؤرخ المتخصص في الشأن العسكري الروسي، يرى أن هذا الواقع ليس وليد اللحظة، بل يمتد بجذوره إلى الحقبة القيصرية. في تلك الحقبة، كانت الثروة تعني الإعفاء من الخدمة العسكرية، إذ كان بإمكان الميسورين دفع الفدية والتملص من الجيش، فيما كانت ثكنات الجيش تملأ بفلاحي الأرياف ممن لا حيلة لهم ولا تعليم. لم تكن تلك المؤسسة العسكرية تعكس “مدرسة الأمة” بالمفهوم البروسي، بل كانت مكانًا للإذلال والسيطرة عبر الضرب والقمع.
في الحرب العالمية الثانية، بلغ هذا الإرث ذروته مع ما بات يُعرف بظاهرة “الديدوفشينا”، وهي سلطة العريق على الجديد، حيث يمارس الجنود القدامى نفوذهم على المجندين الجدد بأساليب قسرية وإذلال منهجي. غذّى هذا الفراغ الهيكلي الناجم عن ضعف ضباط الصف، الذين يشكّلون في الجيوش الحديثة الحلقة الأساسية بين الجندي وقيادته ويتولون التدريب والتأطير. في الجيش السوفياتي، ظل هذا الدور ضامرًا أو غائبًا، فتركت السلطة لمن يملكون الأقدمية ولو كانوا مجندي أمس.
في معسكرات ستالين، التقى رجال من أصقاع الاتحاد السوفياتي، كثير منهم لا يفهمون لغة الأوامر الصادرة إليهم ولا يستوعبون ما يُطلب منهم. وحين كان الجندي يتأخر في الاستجابة، كانت القبضة والعصا هي اللغة المشتركة. ثم جاء الأمر رقم 227 الشهير، “لا خطوة إلى الوراء”، ليختزل هذا المنطق في سياسة رسمية: الجنود الفارّون يُعدمون على يد وحدات الإغلاق التي تسير خلف الصفوف الأمامية. كان الحساب بسيطًا وبرودًا: اجعل الجندي يخاف من رصاصة من الخلف أكثر من رصاصة العدو.
اليوم تعيد الحرب في أوكرانيا إنتاج شيء من هذا المنطق، مع فارق قانوني جوهري: الكرملين أصرّ على تسمية ما يجري “عملية عسكرية خاصة” لا حربًا، ما يعني تقنيًا أن قانون الحرب لا يسري، وأن المحاكم العسكرية الاستثنائية المعتمدة في الحرب الفعلية لا وجود لها. لا يوجد ما يعادل “سميرش”، جهاز المخابرات العسكري السوفياتي الرهيب الذي كان يتولى تصفية المتذمرين. ولهذا، لجأت القيادة الروسية إلى عقوبات غير رسمية يصعب توثيقها قضائيًا لكن آثارها لا تخطئها العين.
من أبشع ما رصده “أول” في بحثه ظاهرة تُعرف في الأوساط الروسية بـ”الأوبنوليني”، من الفعل الروسي الذي يعني “يُعيد إلى الصفر”. وتتمثل هذه الظاهرة في إرسال الجنود الذين باتوا يُشكّلون مصدر إزعاج لقادتهم في مهمات انتحارية تحت غطاء واهٍ من الشرعية العملياتية. يُرسلون إلى الجبهة حيث الموت شبه مؤكد، ويُسجَّلون لاحقًا ضمن قوائم الشهداء. القضية التي تناولها “أول” بالتفصيل في كتابه تخص ضابطَين برتبة مقدم عُرفا باسمين مستعارين هما “إرنست” و”غودوين”، إذ تجرآ في خريف عام 2024 على الإبلاغ عن قائدهما بتهم تهريب المساعدات الإنسانية وتنظيم تجارة المخدرات داخل الكتيبة. كانت النتيجة فورية: نُقلا إلى سلاح المشاة الاقتحامي، وسقطا قتيلَين بضربة طائرة مسيّرة أوكرانية في اليوم التالي. أعلن وزير الدفاع الروسي أندريه بيلووسوف عن تحقيق شامل في الحادثة، ثم لم يحدث شيء. وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته، صدر بحق أرملة “غودوين”، وهي زميلته في الفوج نفسه، أمر بالبحث والتوقيف. وبحلول نهاية آب/ أغسطس 2025، كانت وزارة الداخلية الروسية تلاحق أيضًا صديقة “إرنست” السابقة بتهمة جنائية.
لكن ما يصفه “أول” بالأكثر إدهاشًا هو أن مستوى التدريب لم يتحسن كثيرًا منذ أيام ستالين. عثر على حالة موثقة لمجند جرى استدعاؤه في 9 كانون الثاني/ يناير 2026 وسقط في المعركة في 18 من الشهر نفسه، أي أنه لم يتلقَّ سوى أيام قليلة من التدريب قبل إرساله إلى الخطوط الأمامية. هذا النمط ليس استثنائيًا، بل يعكس منطق الاستهلاك البشري الذي يحكم إدارة الجيش الروسي في هذه الحرب.
والمفارقة الصارخة أن من يُقبلون على التطوع لا يُقبلون عادةً على ما يعرفونه جيدًا. ما يرونه في الشاشات الروسية هو جنود نظيفو الزي، مكللون بالأوسمة، يظهرون في مقاطع منتقاة من “عمليات ناجحة”. الواقع الموازي لهذه الصور هو جنود ينامون في خنادق موحلة لأسابيع، من دون إمدادات كافية، في ظروف توصف بأنها تشبه الحرب العالمية الأولى أكثر من أي حرب معاصرة. يعود بعضهم ليرووا هذه الحقيقة. لكن كثيرين لا يعودون!