شكَّل اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد انعطافة في التاريخ البشري، عبَّر عنها المؤرخ الفرنسي غيلوم توماس فرانسوا رينال (1713-1796) في كتابه “التاريخ الفلسفي والسياسي لمستوطنات الأوروبيين وتجارتهم في الهند الشرقية والهند الغربية” (الترجمة الإنكليزية، لندن تي كاديل، 1776) بقوله إن اكتشاف العالم الجديد وممر رأس الرجاء الصالح كان حدثًا فائق الأهمية للعالم وللأوروبيين بشكل خاص، لأنه “أحدث ثورة كبيرة في التجارة وقوة الأمم، والصناعة، وفي حكم العالم بأكمله” (المقدمة، ص 2-3). هذا تحديدًا ما تحدث عنه المؤرخ الأميركي إيرل جيفرسون هاميلتون (1899-1989) في كتابه “الكنز الأميركي والثورة السعرية في إسبانيا 1501-1650” (مطبعة جامعة هارفارد، 1934)، في إشارته إلى ما أحدثه تدفق الذهب والفضة من أميركا إلى السوق الإسبانية من ثورة كبيرة في الأسعار في أوروبا بين عامي 1500 و1700، وهو ما تسبب بحالة من التضخم أوجدت فارقًا قياسيًا بين كلفة الأجور والأرباح من جهة، وتراكم رأس المال من جهة أخرى؛ الأمر الذي ساهم في نشوء الرأسمالية الحديثة ومن ثم تطورها لاحقًا مع تحول الاقتصاد إلى المكننة والإنتاج الكمي.
انطلاقًا من المقولة الشائعة بأن التاريخ هو قراءة الماضي من منظور الحاضر، يتفق معظم المؤرخين الباحثين على أن العشرينيات من القرن التاسع عشر هي الحقبة الأهم في البناء الفكري للأمة الأميركية. في تلك الفترة بدأ التركيز على التمايز الأميركي يأخذ مسارًا فارقًا عن سابقاته في الفترة الثورية الخجولة. في فصل خاص تحت عنوان “القومية الثقافية وأصول التفوق الأميركي” ضمن كتابه “التفوق الأميركي: تاريخ جديد لفكرة قديمة” (جامعة شيكاغو، 2021)، يوضح المؤرخ الأميركي إيان تايريل ما مفاده أنه في هذه الفترة التأسيسية لفكرة الدولة، كان الساسة الأميركيون يرون أنفسهم “جزءًا من ثقافة عصر التنوير الذي كانت تشكِّل فيه الولايات المتحدة مثالًا أنموذجيًا للتطبيق العملي للأفكار الأوروبية” (ص 47). ما يقصده تايريل هو أن وجود المستوطنات “الأنغلوساكسونية” على وجه التحديد كان – حسب تعبير الكاتب- “ترياقًا” مضادًا للخضوع لأوروبا، وفي الوقت ذاته الرحم الذي يؤوي جنينًا لثقافة قومية – بل ودين قومي جديد- يكون فيها هذا الجنين الجذر الأساسي لوعد مستقبلي لا مثيل له. من هذا المنظور يتناول العديد من المؤرخين – ومنهم تايريل- الفترة ما بعد عام 1815 بوصفها مرحلة وضعت الدولة الناشئة كيانًا متميزًا ثقافيًا وسياسيًا خارج النظام العالمي المألوف للدول، وهوية متفردة ترى في أوروبا تراثًا ماضويًا في حين تمثل الولايات المتحدة كل ما هو استثنائي وجديد.
بالعودة إلى تاريخ الاستيطان الإنكليزي في أميركا، كان الحجاج أو “الآباء الحجاج” (Pilgrim Fathers) من أتباع المذهب الكالفيني البروتستانتي من أوائل الوافدين الذين أسسوا مستوطنة بلايموث في ماساتشوستس عام 1620.
| الحجاج أو “الآباء الحجاج” (Pilgrim Fathers) من أتباع المذهب الكالفيني البروتستانتي من أوائل الوافدين للقارة الأميركية (Getty) |
يُعدُّ هؤلاء الحجاج – الذين كانوا يطمحون إلى الاستقرار في الأرض الموعودة- جزءًا من الطائفة البيوريتانية “الأطهار” لكنهم كانوا أشد تطرفًا؛ حتى إن الدراسات التي تناولت تاريخهم دأبت على تسميتهم بـ”الانفصاليين” استنادًا إلى تأييدهم للانفصال عن الكنيسة الأنغليكانية كليًا، خلافًا للأطهار الذين كانوا يطالبون بإصلاح الكنيسة، مع اتفاق الاثنين على أن المجتمع الإنكليزي مجتمع مضطرب ومشوش دينيًا، ولا يقوم على أسس عقائدية سليمة. وفي عام 1630 تأسست مستوطنة خليج ماساتشوستس لتكون أول مستوطنة بيوريتانية تقودها حكومة ثيوقراطية برئاسة جون وينثروب، الذي اقتبس من الإنجيل العبارة التي أطلقت الاستثناء والتميّز الأميركي عندما وصف مستوطنة خليج ماساتشوستس بأنها “مدينة تشع فوق جبل” اقتداءً بعظة الجبل للسيد المسيح: “… أنتم نور العالم. لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعة على جبل…” (متى 5: 14). وكرر الرئيس رونالد ريغان العبارة نفسها في خطابه الوداعي بمناسبة انتهاء ولايته الرئاسية الثانية عام 1989 في إشارته إلى أميركا مثالًا استثنائيًا لا نظير له في العالم. ما كان يقصده وينثروب في خطابه أن المستوطنة البيوريتانية هي النموذج التقي الفريد لمدينة تخص المؤمنين الأخيار.
إن استعدنا قراءة خطاب وينثروب بنظرة فاحصة، لوجدنا فيه خطابًا انتقائيًا يوظف قدسية النص الديني الإنجيلي ويقدم هيكلية سياسية بعينها ضمن معايير أيديولوجية تقسم العالم إلى شعب مختار يضطلع بمهمة إلهية، وآخر يقف في الطرف المنبوذ من دائرة القدسية. وهذا تحديدًا ما يطرحه المؤرخ الأميركي إدموند مورغان في كتابه “المعضلة البيوريتانية: قصة جون وينثروب” (بوسطن، ليتل، براون، 1958) بقوله إن البيوريتانيين – الذين فروا من بريطانيا بسبب الاضطهاد والظلم- أسسوا مستوطنتهم الأولى في أميركا لتكون اللبنة الأولى “تطبيقًا لقوانين الله طمعًا للفوز بالعناية الإلهية… وإقامة مجتمع يفرضه الله على عباده، لكن لم يسبق لأحد أن قدمّه له” (ص 46). بعبارة أخرى؛ إنه المجتمع الطوباوي النقي الذي لا تكون فيه المستوطنة الجنينية مجرد مؤسسة تجارية ولا ملاذًا آمنًا وحسب، بل “حصن الشعب الذي اصطفاه الله، ورأس حربة البروتستانتية” (ص 47). بيد أن هذه العقلية – كما يقول مورغان- هي التي أنشأت عقلية شيطنة الآخر وتكفيره وإبادته كما حدث مع السكان الأصليين، وأسست الفكر التوسعي، ونشوء فكرة الإمبراطورية.
مهَّدت معاهدة أوترخت 1713 – التي أنهت حرب الخلافة على العرش الإسباني- لربع قرن من الاستقرار والازدهار الاقتصادي للإمبراطورية البريطانية التي كسبت العديد من المستعمرات الإسبانية في أميركا الشمالية، وتحديدًا منطقة خليج هدسون ونوفا سكوشيا ونيوفاوندلاند. استغلت الأوليغارشية البريطانية المحافظة التي تنادي بشعار التفوق البروتستانتي، هذا الاستقرار للاستفادة من المستعمرات البريطانية لتعزيز مكاسبها المالية بالترويج للعمالة في العالم الجديد، وثانيًا بتوسيع رقعة المستعمرات لأهداف تجارية داخل أميركا الشمالية. في هذه الفترة – كما يوضح المؤرخ البريطاني جون إليوت في كتابه “العالم القديم والجديد 1492-1650” (ص 73-74)- انتشرت في بريطانيا إعلانات ترويجية تشجع على الهجرة والعمل في المستعمرات البريطانية مع التركيز على ما كانت تسميه الفرصة المتاحة للفوز بـ”استقلالية المِلكية الخاصة عن التبعية لأي سيد”، والاستفادة من الحصول على الأراضي مجانًا؛ أي التركيز على الفردانية والتخلص من القيود التي تفرضها قوانين الإمبراطورية البريطانية، وهي تحديدًا النقاط التي كان يسعى إليها المذهب الكالفيني الذي يركز على حرية الفرد في العمل بوصفه أحد جوانب العبادة في الحياة اليومية. وللمفارقة، كانت هذه الجزئية واحدة من الأسباب التي أطلقت شرارة حرب الاستقلال الأميركية عن التاج البريطاني (1775-1783) كما سيتبين لاحقًا.
بيد أن السؤال الأهم يبقى مطروحًا حول كيفية تطبيق هذه الدعاية على أرض الواقع، لأنه يكشف الممارسة العملية لمفهوم التميّز والاستثناء الأميركي. في كتابه “ملحمة أميركا” (1931) الذي أعلن فيه مصطلح “الحلم الأميركي”، يجيب المؤرخ الأميركي جيمس تراسلو أدامز (1878-1949) على هذا السؤال بقوله إن “الاستعلاء العرقي الإنكليزي منع أي اندماج بين المستوطنين والسكان الأصليين… وأصبح العبيد الأفارقة حيوانات مدجنة يُعاملون في بعض الأحيان معاملة سيئة وغالبًا برفق… أما الهنود الحمر فقد كانوا بنظر الرجل الأبيض وحش الغابة المفترس الذي يجب ترويضه أو إبادته” (ص 180). ويضيف أنه في هذه الأثناء كان مصطلح “القدر المحتوم” يعني للمستوطنين الأوروبيين شيئًا واحدًا لا غير، وهو التوسع غربًا باتجاه سواحل المحيط الهادئ مهما كلف الثمن. تجدر الإشارة هنا إلى أن بريطانيا كانت تخوض حينئذ حرب السنوات السبع التي جرت بين عامي 1756 و1763. وحاربت بريطانيا فرنسا من أجل السيطرة على البحار والأراضي الواقعة في أميركا الشمالية، واستعانت فرنسا بعدد من قبائل السكان الأصليين في مستعمراتها، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى إصدار قانون يمنع توسيع المستعمرات غربًا كي تستميل السكان الأصليين إلى جانبها. حسمت معاهدة باريس النزاع بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا عام 1763، وخسرت فرنسا معظم مستعمراتها في أميركا الشمالية لصالح بريطانيا.
أثار القانون البريطاني بتقييد توسيع المستوطنات غربًا تململًا واستياءً كبيرين بين أصحاب المصالح التجارية والراديكاليين الفقراء على حد سواء، ودفع إلى نشوء حالة تمرد ضد التاج البريطاني وصولًا إلى حرب الاستقلال. يوضح المؤرخ جيمس تراسلو أدامز في كتابه نفسه هذه الحالة بقوله: “كل ما كان يريده التجار الإنكليز ومعهم الأثرياء في المستوطنات الأميركية هو استمرار العلاقات التجارية بأقل قدر ممكن من الاحتكاك السياسي” (ص 79). صحيح أن تأثير أصحاب المصالح التجارية على البرلمان البريطاني نجح في إلغاء القانون، إلا أن حالة التململ وصلت حدًا خارج التأثير المصلحي لتصبح توظيفًا سياسيًا وأيديولوجيًا لدى العديد من الراديكاليين أصحاب الفكر البيوريتاني في بعض حكومات المستوطنات من أمثال صامويل أدامز (1722-1803) أحد قادة الاستقلال الأميركي والحاكم الرابع لمستوطنة ماساتشوستس. كانت بريطانيا بالنسبة إلى هؤلاء الراديكاليين –كما يقول المؤرخ أدامز- “هي أصل الشر في حياة شعب الله التي يجب قتالها بكل ما يتوفر من سلاح… حتى الاستقلال الكامل عنها” (المصدر السابق).
| لوحة تاريخية لسفينة “مايفلاور” (Mayflower): لحظة وصول “الآباء الحجاج” إلى شواطئ ماساتشوستس عام 1620 (Getty) |
بعد الاستقلال عن التاج البريطاني، راجت خلال السنوات الأولى لقيام الولايات المتحدة مصطلحات فرادة أميركا وتميزها لأنها مُكلفةٌ من الله لأداء المهمة المقدسة. ومن هذه المصطلحات برز تعبير “إسرائيل الرب الجديدة” في تلميح إلى المصاعب التي واجهها جنود جورج واشنطن إبان حرب الاستقلال بتلك التي قاساها أطفال إسرائيل في البراري. بعد ذلك، جاء مصطلح “الأمة المُخَّلِصة”. وفي خطابٍ ألقاه عام 1900 بعنوان “تأييدًا لإمبراطوريةٍ أميركية”، قال السيناتور آلبيرت جيه. بيفريدج: “ميَّزَ العلي القدير الشعب الأميركي بأن جعله أمته المختارة التي تقود في نهاية المطاف خلاص العالم”. وكرر الرئيس وودرو ويلسون العبارة نفسها عام 1919 عندما قال إن الولايات المتحدة “ستقود خلاص العالم” إن أيدت قيام عصبة الأمم. وانسجامًا مع هذه المفردات الجديدة، لم يكن غريبًا أن يشدّد الساسة الأميركيون على توصيف أميركا بأنها “شعب الله المختار”. ومن هذا الزخم الأيديولوجي مقرونًا ببروز الولايات المتحدة قوة اقتصادية وعسكرية، ولدت فكرة الإمبراطورية الأميركية استنادًا إلى المهمة الإلهية لتصدير النسخة الأميركية من الحرية والديمقراطية أولًا عبر التوسع غربًا ومن ثم جنوبًا وتاليًا خارج حدود القارة، كما يقول أنتوني جيرالد هوبكينز في كتابه “الإمبراطورية الأميركية: تاريخ عولمي” (نيوجيرسي، جامعة برنستون، 2018).
بقيت فكرة التميّز الأميركي ركنًا أساسيًا عند الساسة الأميركيين منذ جورج واشنطن وإن اختلفت تفسيراتها من عهد إلى آخر حسب مقتضيات الظروف التاريخية والصراع الجيوسياسي، بل وفي أدبيات الصراع الداخلي بين الجمهوريين والديموقراطيين كما يوضح إيان تايريل في كتابه “التميّز الأميركي: تاريخ جديد لفكرة قديمة”. هذا التفسير الوظيفي لفكرة التميّز، وإن قام تأسيسًا على سردية النقاء الأخلاقي و”المدينة التي تشع فوق جبل”، اتخذ أشكالًا تبدو للوهلة الأولى متناقضة أو تشكل افتراقًا عن جذرها الجنيني الذي يعود إلى فترة سابقة على نشأة الولايات المتحدة دولة مستقلة. وهنا تأتي النسخة الترامبية التي سارع كثيرون إلى تفسيرها قراءةً تتناقض مع السردية التأسيسية للهوية الأميركية، ومنهم الباحثة النرويجية د. هيلدا إيلياسين ريستاد في دراستها “إلى أين تسير مدينة تشع فوق جبل؟” (مجلة الأمن القومي، جامعة تكساس، المجلد 3، العدد 1، شتاء 2019/2020) التي قدمت فيها قراءة لشعار “أميركا أولًا” تقول فيها: “افترق ترامب عن جميع رؤساء الولايات المتحدة في العصر الحديث لأنه يرفض السردية التأسيسية وهي ’التميّز الأميركي‘، وليس لأنه يعارض النظام الدولي الليبرالي ما بعد الحرب العالمية الثانية وحسب. يقوم شعار ’أميركا أولًا‘ على سردية القومية الجاكسونية التي ترى أن ما يجعل أميركا عظيمة ليس أمة متنوعة موحدة بفضل التزامها مُثلًا ليبرالية محددة، بل هو التجانس الإثني الثقافي، والوفرة المادية، والقوة العسكرية” (ص 62).
صحيح أن ترامب لم يستخدم عبارة التميّز ولا تعبير “مدينة تشع فوق جبل” للدلالة على الولايات المتحدة بوصفها أنموذجًا فريدًا للعالم، مثلما درج عليه العديد من أسلافه الرؤساء سواء أكانوا جمهوريين أو ديمقراطيين، لكن تعبير “أميركا أولًا” يخفي في طياته من الدلالات ما يتلاقى لغويًا وثقافيًا مع مفهوم التميّز الأميركي، شأنه شأن تعبيرات أخرى تضمنها الخطاب السياسي الأميركي على مدى عقود طويلة. في هذا السياق يلفت تايريل الانتباه إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن شعار “أميركا أولًا” يعود بجذوره اللغوية إلى مرادفات مماثلة عند الفاشيين والنازيين في ثلاثينيات القرن الماضي. من هذه المرادفات ما يذكره المؤرخ الألماني جورج موسي في كتابه “أزمة الأيديولوجيا النازية: الأسس الفكرية للرايخ الثالث” (الطبعة التاسعة، جامعة ويسكنسن، 2021) ألا وهو شعار “ألمانيا فوق الجميع” (Deutschland über alles) الذي كان من أحد الركائز الأساسية للأيديولوجيا النازية لجهة أولوية نهوض الأمة والنقاء العرقي والقومية المتشددة التي استعملها أدولف هتلر للتنصل من معاهدة فرساي والتخلص من أعدائه الداخليين، والسعي إلى تكريس هيمنة العرق الآري. وصحيحٌ أيضًا القول إن شعار “أميركا أولًا” لا يطرح مفاهيم عنصرية بشكل واضح، لكنه في نسخته الترامبية يتصل بمفهوم العظمة (Make America Great Again) على أساس استعادة نهوض الأمة وسطوتها من خلال التعاطي مع العلاقات الدولية على أساس محصلة صفرية في الصراع الجيوسياسي.
من يراجع خطابات الرئيس ترامب يتبين له أن مقياس العظمة عنده هو التفوق الكمي والمادي لا الأخلاقي والحضاري، فهو لا يكف عن التكرار: “أقوى جيش في العالم، أفضل نفط، وأغنى دولة”، ليكون شعار “ماغا” مرادفًا لفكرة التميّز الأميركي، أو يتقاطع في جذوره الدلالية – كما يقول إيان تايريل- مع مفردات مثل “الحلم الأميركي” و”العقيدة الأميركية” التي تعبر عن المحتوى الأيديولوجي والسياسي لمفاهيم وقيم ليبرالية تشكل في مجموعها قومية ثقافية ذات هوية متميزة لا نظير لها. وجد هذا الترادف الدلالي المستولَد من رحم فكرة التميّز والمدينة التي تشع فوق جبل حضوره الطاغي في الخطاب الشعبوي الترامبي الذي يقسم الداخل والخارج إلى فئة صالحة خيِّرة وأخرى نخبوية فاسدة. عندما أشعل ترامب حرب الرسوم الجمركية، لم يوفر الحلفاء قبل الخصوم في اتهامهم بأنهم لصوص يسرقون الولايات المتحدة، بل وصل إلى حد تسمية وباء كورونا بـ”الفيروس الصيني”، وفي الماضي القريب وصف الإيرانيين بـ”الحيوانات”، وطاول هجومه البابا فرنسيس نفسه.
وينظر ترامب إلى “أميركا أولًا” على أنها تملك الحق في نيل ما تريد لأنها أمة متميزة، ولذلك كانت مطالبته بغرينلاند وكندا والتنمر على شركائه في الحلف الأطلسي. أي إن ترادف مصطلح “أميركا أولًا” مع “التميّز الأميركي” ابتداءً من جذوره البيوريتانية وحتى ترامب هو استنساخ متجدد لمفهوم التميّز الأميركي بما يخدم المصالح الجيوسياسية للنظام الرأسمالي الساعي وراء الربح ولا شيء آخر سواه.