
جاك أوكونول في دور لاري لامب (ملف الفيلم)
ملخص
انطلق أمس مهرجان البندقية السينمائي في نسخته الـ83 التي تستمر إلى الـ12 من الشهر الجاري، بفيلم “حبر” الذي يتناول قطب الإعلام روبرت مردوخ. وإذا اعتمدنا الآراء التي ترددت من حولنا، فيمكن القول إن الفيلم لاقى استحسان النقاد.
من الصعب على الصحافة أن تنبذ هذا الفيلم، لما يتضمن من رد اعتبار لها، ولهذا السبب تحديداً بدا اختياراً موفقاً من المهرجان يحمل قدراً من الحنكة. كل واحد منا يعمل في هذه المهنة لا بد أنه حلم بها يوماً، وأحبها وتعلق بها مثلما فعل لاري لامب، الشغوف والعبقري الذي سنتعرف عليه في الفيلم
تبدأ الأحداث في عام 1969، إثر شراء مردوخ، آنذاك في أواخر الثلاثينيات من عمره، صحيفة “ذا صن” التي كانت تعاني الهبوط المستمر في إيراداتها، ليسلم رئاسة تحريرها إلى لاري لامب الذي سرعان ما أحدث ثورة في الصحافة البريطانية التقليدية.
نتابع خطوة بخطوة كيف صعدت “ذا صن” لتصبح الصحيفة الأكثر مبيعاً في بريطانيا (وربما في العالم)، وكيف غيرت صحيفة التابلويد مفهوم الصحافة التقليدية، مخاطبة شرائح واسعة من المجتمع، لا النخبة فحسب. مع “ذا صن” تحول الخبر إلى… قصة! طبعاً، لم يحدث هذا من دون مجاذبات كثيرة ومناكفة بين تيارين، واحد يريد المحافظة على أصول المهنة والثاني “ينتهك” ويخالف كل معاييرها. فصحافة التابلويد لا ترى في الخبر إلا ما يفيد في رفع المبيعات، مما يوجب دائماً مزيداً من الإثارة، ولو جاء ذلك على حساب ما يضع أخلاقيات المهنة على المحك.
يصعب فصل الفيلم عن أجواء الستينيات التي شهدت ثورات على المستويات كافة، وكان لا بد أن تطاول الصحافة أيضاً. صحيح أن السياسة ببعدها المباشر، خارج حسابات الفيلم، إذ يركز أساساً على صناعة القصة داخل مكاتب الصحيفة ونشرها على أوسع نطاق. لكن هذا كله، يتسع تدريجاً ليصبح تأملاً في الطريقة التي تغيرت بها صناعة الأخبار وتغير معها العالم، وفي إرث ذلك الانقلاب الصحافي الذي وصل إلى الأجيال التالية في صور أخرى، لا سيما في زمن وسائل التواصل.
داني بويل لا يحاكم مردوخ بأثر رجعي، لا يلومه على تطويره صحافة توصم اليوم باليمين الشعبوي والمحافظ، ولا يقدمه في صورة الشرير أو الانتهازي. في المؤتمر الصحافي الذي يلي العرض، قال إن مردوخ كان يمثل يومها دماً جديداً في مجتمع شديد المحافظة والجمود. مع لاري لامب، دخل إلى الصحافة من باب مختلف: صحيفة أكثر سرعة، أكثر شعبوية، وأكثر استعداداً لمخاطبة غرائز القارئ وفضوله. ولذلك أراد بويل أن يشعر المتفرج بأنه جزء من هذه العملية، فيكتشف بنفسه كيف يمكن لأمر يبدو في البداية طريفاً ومتحرراً، أن يتحول إلى قوة هائلة.
عالمنا الإعلامي
بعض من أهمية الفيلم في كونه لا يستعيد الستينيات لمجرد الحنين إلى زمن مضى، وإنما يبحث فيها عن جذور عالمنا الإعلامي الحالي. الصحافة التي تعلمت آنذاك كيف تجعل الخبر قصة، وكيف تلتقط ما يريد الجمهور معرفته، مهدت بطريقة ما للطريق أمام اقتصاد النقرات، والعناوين الجاذبة، والمنصات التي تتنافس على انتباهنا كل ثانية. لكن بويل يعود أيضاً إلى الصحافة كصناعة، إلى الورق والمطابع والعمل اليومي المضني، وإلى صحافيين كانوا يعيشون تحت ضغط الموعد النهائي لإخراج عدد جديد. لذلك، استعان بأشخاص عملوا فعلاً في “ذا صن” كي يستعيدوا أمام فريق الفيلم تلك الطاقة التي كانت تحكم غرف الأخبار.
في البندقية، لم يخف بويل صاحب أفلام بارزة مثل “تراينسبوتينغ” و”المليونير المتشرد” قلقه من السؤال الأكبر: ماذا سيبقى من الصحافة إذا سيطرت عليها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيطرة كاملة فدخلت إلى صلب صناعتها؟ رد على هذا الهاجس بالقول: “يمكن الآلة أن تكون أسرع وأرخص وأكثر كفاءة، ولكن هل تستطيع أن تقول الحقيقة للسلطة التي صنعتها؟ في نظر بويل، هنا تكمن قيمة الصحافة الحقيقية، وهنا أيضاً يكمن الخطر الأكبر الذي يواجهها اليوم”. لكن “حبر” أكثر من فيلم عن مردوخ وإمبراطوريته الإعلامية. فالرجل، بكل ما يثيره من انقسام، كان في الأصل، في نظر بويل، “رجل مطبوعات”، ينتمي إلى عالم الورق، إلى الصحيفة التي تُمسك باليد وتُقرأ في المواصلات العامة. وربما هو نفسه يشعر باليأس أمام تراجع صناعة الصحافة المطبوعة، واختفاء ذلك العالم الملموس.
لم يكن إنجاز الفيلم سهلاً حتى لمخرج ذائع الصيت. بدا فريق الإنتاج مهموماً بسؤال: من سيهتم اليوم بفيلم عن بريطانيا وشارع فليت، معقل الإعلام البريطاني تاريخياً؟ فحتى اسم “فليت ستريت” نفسه لم يعد يعني كثيراً لجمهور واسع. يروي بويل أنه عندما كان يخبر الناس بأنه يحضر فيلماً بعنوان “حبر”، كان السؤال الذي يسمعه غالباً: “هل هو فيلم عن الوشم؟”. هذا كله جعل بويل يتمسك بالحديث عن الصحافة، وعن واحدة من وظائفها الأساس: قول الحقيقة في وجه السلطة. بالنسبة إليه، هذه الوظيفة واحدة من “الدعامات الكبرى لأي حضارة”.
يبدو أن مردوخ نفسه كان سعيداً باختيار غاي برس لأداء شخصيته، فقد كشف الممثل أن إليزابيث مردوخ، ابنة الملياردير، تواصلت معه وأبلغته أن والدها “سعيد جداً” بتجسيده شخصيته. أما المسرحية التي كتبها جون غراهام ومنها اقتبس الفيلم، فمردوخ حضر العرض مرتين، ولكن لم يكشف عن رأيه. وهو أمر ينسجم، بحسب غراهام، مع إحدى أبرز خصاله: قدرته الكبيرة على ألا يكشف شيئاً من رأيه.
خلاصة القول: “حبر” فيلم يشاهد بمتعة، يحملنا إلى الباحة الخلفية التي وُلد فيها جزء من السلطة الرابعة، وأسهم في صناعة عالمنا بكل مبالغاته وتناقضاته وعيوبه. بويل لا يبكي على الأطلال، ولا ينوي تصحيح أي خلل، وهنا جمال فيلمه المسلي والظريف والذي يحض على التفكير، ذلك أنه يرينا كيف يمكن للخبر والمعلومة والفرجة والتلاعب أن تتداخل، وكيف يستطيع بعض الحالمين أن يصنعوا العالم من حولهم، أحياناً من دون أن يدركوا تماماً ما يفعلون.