ملخص
الكل يعرف براعة الإيرانيين في التفاوض والمماطلة وكسب الوقت. والبعض في أميركا لا يزال يراهن على ظروف وحسابات لمعاودة الحرب.
أخطر ما في التفاوض بين طرفين في حرب طاحنة هو أن يتصرف كل منهما كأنه لا يزال كما كان قبل الحرب. والأخطر هو إعلان الانتصار من جانب الطرفين الأميركي – والإيراني: الرئيس دونالد ترمب يكرر القول إن قواته “دمرت كل شيء” في إيران. والمرشد مجتبى خامنئي يتحدث في رسالة عن “هزيمة أميركا المخزية”، لكن التفاوض على “مفكرة تفاهم” بوساطة باكستان، أوحى أن كلاً منهما وصل إلى الواقعية في تقديم التنازلات. فلا انتصار كاملاً ولا هزيمة كاملة لأحد. ترمب اصطدم بعقبات كان يتصور أنه قادر على تخطيها بسهولة، وأدرك مساعدوه الحاجة إلى مصارحته بأن “الحروب ليست عن إزالة الأخطار، بل عن إدارة الأخطار”، بحسب المتخصص الاستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان. والمرشد الجديد وجد بلاده في حاجة إلى اتفاق مع “الشيطان الأكبر” الباقي في الخليج، بعد قوله “إن الخليج يشهد بزوغ فصل جديد في تاريخه ومستقبله، سيكون خالياً من الوجود الأميركي”.
والمفارقة هي أن التفاوض ثنائي في حرب متعددة الأطراف. أميركا وإسرائيل شاركتا في الحرب على إيران التي ركزت ردها على قصف دول الخليج إلى جانب إسرائيل والقواعد الأميركية. أما التفاوض، فإنه بين واشنطن وطهران بوساطة إسلام آباد. فلا شريك لترمب في إدارة سياسته الداخلية وسياسته الخارجية. ولا موقف نهائياً في إيران، حيث تتعدد المواقف وتختلف الآراء بين الحرس الثوري ومجالس السلطة المتعددة، إلا إذا حسم المرشد الموقف. أما إسرائيل، فإنها خارج التفاوض أو أقله خارج قاعة المفاوضات. وأما دول الخليج التي أدخلتها الجمهورية الإيرانية في الحرب رغماً عنها، فلا موقع لها إلى طاولة المفاوضات.
صحيح أن دول الخليج، ومعها مصر والأردن، تؤثر في الموقف الأميركي وتسهم في جهود الوساطة التي تتولاها الباكستان، لكن الصحيح أيضاً أن دول الخليج خرجت من تجربة الحرب لتواجه مراجعة شاملة لعلاقتها مع إيران التي تتحدث عن الأخوة والجيرة وتمارس الاعتداء، وعلاقتها مع أميركا وضماناتها الأمنية وقواعدها العسكرية، فضلاً عن منظومتها الأمنية الإقليمية.
ذلك أن تراجع ترمب عن إكمال الحرب جاء تحت ضغوط عوامل عدة. من إصرار قادة الخليج على رفض معاودة الحرب، حيث الضرر الأكبر في الرد الإيراني سيقع على الخليج إلى حسابات ترمب الداخلية، وتأثر شعبيته بارتفاع أسعار النفط وانعكاس ذلك على الانتخابات النصفية في الخريف. ومن الحرص على تمرير المونديال في أميركا بهدوء إلى التأثر بمواقف الصين وروسيا والهند. وحدها إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو أرادت ولا تزال استمرار الحرب. وتخوفت من إمكان أن يتخلى ترمب عن الجزء المتعلق بالملف الصاروخي والأذرع الإيرانية في الأهداف المتفق عليها قبل الحرب. وإذا كان الانطباع الشائع هو أن نتنياهو جر ترمب إلى الحرب على إیران، فإن الواقع يوحي أن ترمب استخدم نتنياهو في حرب مرتبطة بالمصالح الحيوية الأميركية، ثم تركه من دون أن يكمل المصالح الإسرائيلية. والتجربة كشفت عن أن القرار الاستراتيجي في إسرائيل في يد أميركا، والدولة العبرية “محمية أميركية”.
لكن التوصل إلى “مفكرة تفاهم” على يد الوسيط الباكستاني الذي بدا أنه، خلافاً لبقية الوسطاء، نافذ في واشنطن وطهران، ولا سيما عبر دور قائد الجيش المشير عاصم منير، ليس ضماناً للوصول إلى اتفاق نهائي على التفاصيل في بنود المفكرة. فلا من السهل على ترمب أن يقبل التسليم بالإنهاء الدائم للحرب، بدل تمديد وقف النار، قبل التوصل إلى الاتفاق النهائي. ولا أحد في طهران يعرف إمكان أن يتخلى المرشد عن بعض الثوابت تحت ضغط المتغيرات. لا ترمب قليل الخوف من أن يلاحقه المعارضون بشبح اتفاق أوباما الذي وصفه بأنه “الأسوأ في تاريخ الاتفاقات” وأخرج أميركا منه. ولا طهران المحشورة على رغم حديثها عن النصر تستطيع أن تغطي اتفاقاً يقدم لأميركا ما يتجاوز بكثير اتفاق أوباما.
وما حدث حتى اليوم هو الاقتراب من حلول لقضايا لم تكن موجودة قبل الحرب، وفي طليعتها مضيق هرمز والحصار البحري الأميركي لموانئ إيران. والعقدة الكبيرة هي إيجاد تسويات صعبة للقضايا والملفات التي من أجلها كانت الحرب. والسؤال الذي لا مهرب منه في واشنطن وطهران وعواصم المنطقة والعالم هو: ماذا لو عجز المفاوضون عن الاتفاق على تفاصيل المواضيع الأساسية خلال شهر أو شهرين أو أكثر؟ هل ما تقدمه “مفكرة التفاهم” هو هدنة يحتاج إليها ترمب لخفض الأسعار وتمرير مواعيده الانتخابية المهمة، وتحتاج إليها إیران لإعادة تسليح نفسها عسكرياً وتكنولوجياً وفك شيء من الضيق في الوضع المالي والاقتصادي، أم اتفاق ملزم بقوة الأشياء والشهود والحلفاء بالمضي قدماً في إنهاء الحرب وبدء الإعمار؟
الكل يعرف براعة الإيرانيين في التفاوض والمماطلة وكسب الوقت. والبعض في أميركا لا يزال يراهن على ظروف وحسابات لمعاودة الحرب. ويرى آخرون أن فشل المفاوضات ليس بالضرورة إجازة لإكمال الحرب، وأن البديل من التفاوض هو المزيد منه حتى تجاوز الفشل بنوع من النجاح مهما يكن حجمه. والمهم ليس فقط التوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني، بل أيضاً تحديد موقع الاتفاق في “الهندسة” الجيوسياسية والإقليمية للمنطقة من المحيط إلى الخليج. ففي رأي الخبير ولي نصر “إن استراتيجية إيران لم تعد قابلة للحفاظ عليها”. وفي رأي كريم سادجادبور أن التطلع هو إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث انتهى التساؤل إن كان من يأتي هو “غورباتشوف أم بوتين إيراني لأن مجتبى خامنئي صار المرشد بصرف النظر عن قول الإمام الخميني إن التوريث ليس إسلامياً”.
