ملخص
بعبارته “لا سند لنا سوى الجبال،” كشف الرجل الثاني في “الحزب الديمقراطي الكردستاني- إيران” حسن شرفي خلال حديثه إلينا، عن مرارة متراكمة في نفوس الأكراد حيال خذلان المجتمع الدولي لهم طويلاً. وأكد أن نضال حزبه ضد النظام الإيراني سابق لهذه الحرب ومستمر بعدها. ويرفض أن يكون الأكراد جنوداً لأية قوة خارجية، لكنه يعترف بأن الحرب أضعفت النظام وفتحت “مجالاً”. ويطالب بدعم سياسي لا سلاح، ويرى أن بقاء النظام أخطر من قنبلته النووية، ويرفض التحالف مع رضا بهلوي لأن إسقاط ديكتاتور لا يعني القبول بديكتاتور آخر.
عندما اندلعت ثورة 1979 في إيران، أيدت غالبية الأكراد- الإيرانيين الحكومة الثورية لما وعدت به بمنح حقوق للأقليات العرقية، ورأوا فيها فرصة لتحقيق مستويات أعلى من الحكم الذاتي مقارنة بالنظام الملكي. لكن سرعان ما انقلب النظام الإسلامي الجديد بقيادة آية الله الخميني ضد مؤيديه وضد الثوار من الفصائل العلمانية والأقليات الذين أوصلوه إلى السلطة، وسرعان ما اندلعت انتفاضة كردية واسعة النطاق، رد عليها النظام بحملة قمع وحشية اتسمت بالمجازر والاعتقالات والإعدامات.
منذ ذلك الحين، تحولت العلاقة بين الطرفين إلى سلسلة من المواجهات والاغتيالات السياسية التي طاولت القيادات الكردية حتى في عواصم أوروبا، فترسخت قناعة لدى كثرٍ بأن الحوار مع النظام طريق مسدود. واليوم، في ظل ضربات خارجية موجعة أضعفت النظام الذي طال جثومه على صدور الإيرانيين، يُصفي معارضيه بلا حساب ويحكم قبضته على النساء بلا رادع، يعود الأكراد للواجهة من جديد. وأشعلت التصريحات الأميركية عن دور رئيس لهم في إسقاط النظام آمالاً سرعان ما تبخرت، حين نحت المفاوضات إلى تسويات تُقر ببقائه على رغم آلاف القتلى الذين سقطوا في يناير (كانون الثاني) الماضي، برصاص قواته.
وبينما يترقب الإيرانيون، وفي مقدمتهم الأكراد، مشهداً ملتبساً، ماذا يعني أن تكون مستعداً للتصعيد العسكري، لكنك لا تملك القدرة على الحسم؟ وأن ترحب بالدعم الخارجي، لكنك ترفض أن تكون أداة لقوى خارجية؟ ففي هذه المساحة الرمادية، تتحرك المعارضة الكردية- الإيرانية اليوم بين الطموح السياسي والقيود الواقعية، وهو ما يكشف عنه لقاؤنا مع المتحدث باسم “الحزب الديمقراطي الكردستاني- إيران” وعضو اللجنة التنفيذية، حسن شرفي الذي قاد وحدات “بيشاوا” العسكرية للحزب خلال ثمانينيات القرن الماضي.
مواجهة مستمرة
بين “الفرصة أو الخطر”، يؤكد شرفي أن الحزب لم يكُن طرفاً في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والنظام الإيراني، قائلا “نحن بطبيعة الحال، كحزب كردي ومعارضة للنظام الإيراني، في هذه الظروف نواجه وضعاً مختلفاً عنهما. أريد أن أقول إنه صحيح أن الحرب جارية، لكن نحن كأكراد إيران وكحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لم يكن لنا دور في بداية هذه الحرب ولا في استمرارها، والآن أيضاً مع وقف إطلاق النار ليس لدينا أي تدخل فيها”. لكنه في الوقت ذاته يقول إن هذه الحرب أضعفت النظام، وأن هذا الضعف “فتح مجالاً” لم يكُن متاحاً من قبل. ويذكّر بأن نضال الحزب ضد طهران يمتد منذ اليوم الأول لوصول النظام الإسلامي إلى السلطة، حين قاطع الأكراد استفتاء تأسيسها لأنهم أدركوا مبكراً أن “نظاماً أيديولوجياً كهذا لن يلبي مطالبهم”. وحين سألته عن الاستعداد للعمل المسلح، رد بالقول: “نضالنا ضد النظام الإيراني كان قائماً قبل الحرب، واستمر خلال 47 عاماً، وسيتواصل بعدها، وفي الظروف الحالية هذه التحركات ستستمر بالتأكيد في وقتها المناسب”.
بعد حرب استمرت أكثر من شهر، أكد خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن قواته قضت على نحو ثلثي ترسانة الصواريخ والبحرية الإيرانية، لا يزال النظام متماسكاً ويواصل شن هجماته العدائية ضد دول الخليج، وفي الداخل واصل عمليات اعتقال وإعدام المعارضين، مما يطرح سؤالاً منطقياً حول قدرة الأكراد وغيرهم من الإيرانيين على مواجهة النظام وإسقاطه. في هذا الصدد يتحدث شرفي عن قوة شعبية يصفها بالساحقة، مشيرا إلى أن أكثر من 80 في المئة من الأكراد- الإيرانيين إما أعضاء في “الحزب الديمقراطي الكردستاني- إيران” أو مؤيدون له، وأن نداءاته لإغلاق المحال والنزول إلى الشوارع لم تُقابل يوماً إلا بالاستجابة الكاملة من المدن والقرى على حد سواء. لكنه أقر بأن “الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يستطيع بمفرده إسقاط النظام الإيراني، كما أنه لا يستطيع إدارة البلد وحده. لذلك سيستمر نضالنا إلى أن نتمكن مع أبناء وطننا في إيران من إسقاط النظام”.
وإدراكا لهذا بنى الحزب عدد من التحالفات، ائتلاف يضم ستة أحزاب كردية- إيرانية أُعلن في فبراير (شباط) الماضي، ومؤتمر شعوب إيران الفيدرالية المنعقد في لندن منذ أكثر من 20 عاماً الذي يجمع أحزاباً كردية وتركية وعربية وبلوشية، فضلاً عن ائتلاف “همبستگى” (التضامن) الذي يمتد ليشمل بعض الأحزاب الإيرانية العامة مثل “اتحاد الفدائيين”، غير أن شرفي لا يخفي إحباطه من شتات المعارضة الإيرانية، إذ يرى أن أحزاباً كـ”مجاهدي خلق” و”الملكيين” باتت تصرف طاقتها في التنافس الداخلي بدلاً من مواجهة النظام. ومع ذلك يبقى الباب مفتوحاً “أيدينا ممدودة لكل القوى من دون استثناء”، لكن مع شرط لا يساوم عليه، وهو الإيمان بالديمقراطية وحقوق قوميات إيران.
فجوة بين ترمب والشارع الإيراني
عندما انتفض الشعب الإيراني ضد النظام مطلع العام، وعد ترمب بمساندة المحتجين بينما كان يقتل المتظاهرون بأعداد غير مسبوقة على يد النظام. وبدا أن الرئيس الأميركي وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كانا يراهنان على نزول الشعب إلى الشارع لإسقاط النظام بعدما نفذا ضربات موجعة أسقطت رؤوسه، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، لكن بعد مرور أربعة أسابيع على الحرب واستمرار الضربات الأميركية التي أضعفت النظام وحرمته من كبار قادته، بدا رهان ترمب خاسراً.
ويرى شرفي أن ثمة فجوة عميقة بين الشارع الإيراني وحسابات واشنطن، وأن الرهان الأميركي على انتفاضة شعبية تسقط النظام بعد تصفية قياداته كان قراءة مغلوطة للواقع. فالمعادلة التي تشكلت على الأرض كانت معكوسة، حين ينزل الناس إلى الشوارع لا تتحرك واشنطن على رغم وعودها، وحين يطالب ترمب الشعب بالنزول لا يصدقه أحد بعدما خذلتهم واشنطن مراراً.
ويُضاف إلى ذلك وفق شرفي، ثقل “مجزرة يناير الماضي التي راح ضحيتها عشرات الآلاف، وما خلفته من رعب حقيقي من الجرائم التي يرتكبها النظام الإيراني”، مما يقيّد حركة الناس ويجعل الخروج مجازفة بالموت من دون ضمان أي سند خارجي. والأخطر في نظر شرفي أن تصريحات ترمب نفسها أرسلت في أحيان كثيرة إشارات متضاربة توحي بأن إسقاط النظام ليس ضمن أولوياته أصلاً، فبات الشارع يحسب، إن نزلنا قُتلنا، وهو سيعقد صفقته ويغادر.
لسنا عشاقاً للبنادق
قبل أسابيع قليلة، خرج ترمب بتصريح مثير للجدل، قائلاً إن واشنطن أرسلت أسلحة إلى المعارضة الإيرانية عبر مجموعات كردية، لكنها لم تصل. وعندما سألت القيادي الكردي المخضرم مباشرة إن كان حزبه تلقى الأسلحة التي أعلن الرئيس الأميركي عنها، ففي حين أكد أن حزبه لم يتلقَّ سلاحاً من الأميركيين، فإنه امتنع عن النفي المطلق، وألمح إلى روايات تتحدث عن أكراد غير إيرانيين تسلموا الأسلحة وتعهدوا بإيصالها إلى المعارضين ثم أخلفوا وعدهم، قائلاً “نحن لم نتسلم سلاحاً ولم نكُن جزءاً من هذا الموضوع، لكننا لا ننفي أيضاً، لأنه ربما جرى إعطاؤه إلى آخرين، وهناك حديث أن بعض الأكراد غير الإيرانيين تسلموه وتعهدوا بإيصاله إلى المعارضين ولم يفعلوا ذلك. هناك كثير من النقاش حول هذا الموضوع”.
وعما إذا كان “الحزب الديمقراطي الكردستاني” فتح تحقيقاً في ما قاله ترمب، يرد شرفي بالقول “إن من أعطى السلاح يعرف لمن أعطاه، فليقلها بصراحة.”
وفي حين نفى تلقي أي من الأحزاب الكردية- الإيرانية أسلحة أو مساعدات من الولايات المتحدة، فإنه استدرك بالقول “طبعاً نحن نقبل أي دعم خارجي، بخاصة الدعم السياسي، بل نعتبر الدعم السياسي أفضل من الدعم المادي أو السلاح. نحن نتوقع من جميع الدول الديمقراطية أن تدعمنا سياسياً، ولا نتوقع منها أن تقدم لنا دعماً بالسلاح”.
أما عن مصادر تسليح الحزب، فيعود شرفي لبدايات المواجهة مع النظام الإيراني، حين سقطت ثكنات المنطقة الكردستانية بكاملها في أيدي المقاتلين الأكراد فور اندلاع الثورة، ثم تواصل تدفق السلاح لاحقاً مما يُؤخذ من أسرى الحرس الثوري و”الباسيج” وقوات القمع قبل الإفراج عنهم. وشدد بالقول: “في الحقيقة نقول إننا لا نحب السلاح، ولسنا عشاق البنادق ولا نتمنى أن يُقتل أحد ولا نتمنى أن نُقتل، لكن نحن نواجه نظاماً لا يستجيب للمطالب الديمقراطية بأي طريق ديمقراطي، بل يقتل فقط، ولذلك نحن مضطرون للدفاع عن أنفسنا.”
تغير الموقف الأميركي
من إعلان دعمه للأكراد في بداية الحرب وإبداء استعداده لتسليحهم للانتفاضة ضد النظام الإيراني، تغير موقف الرئيس الأميركي تدريجاً وسط تقارير تحدثت عن ضغوط تركية على واشنطن لعدم المضي قدماً في الخطة، وصولاً إلى انتقاده علناً للأكراد حول مسألة إرسال أسلحة لم تصل إلى المعارضة الإيرانية وتنحي مسألة إسقاط النظام عن الأهداف الأميركية، إذ تدور المفاوضات الحالية بين واشنطن وطهران في شأن وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، لا يخفي شرفي مرارته حين يتحدث عن العلاقة مع واشنطن، لكنه يضعها في سياق أوسع “الأكراد في الشرق الأوسط اعتادوا منذ أمد بعيد أن لا سند لهم سوى الجبال، والدول التي يعيشون فيها لم تنظر إليهم يوماً على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، بل تعاملت معهم بعداء”، ويضيف أن “هذه الجهات المعادية لديها أصدقاء أيضاً لا ينظرون إلينا بعين إيجابية. لذلك لم يبقَ إلا إرادتنا وحقوقنا، وهي التي تدفعنا للدفاع عن أنفسنا والحصول على حقوقنا.”
لن نصبح جنوداً لأحد
يشدد القيادي الكردي الرفيع أن الأكراد لن يكونوا جنوداً لأية قوة لا يعرف برنامجها ولا يثق بمستقبلها ولا ترى لهم موضعاً في رؤيتها، قائلاً “نحن لا نتبع أية جهة في هذه الحرب، ولن نصبح جنوداً لأية قوة لنذهب ونحارب من أجلها ونحن لا نعلم ماذا تفعل”. ومن هذه الخلفية يقرأ شرفي ما صدر عن ترمب، فيقارنه بأساليب التخويف التي يمارسها النظام الإيراني نفسه.
أما عن طبيعة العلاقة مع القوى الخارجية بما في ذلك إسرائيل حيث تتحدث مصادر عن دعم إسرائيلي للأكراد، فيشير شرفي إلى أن للحزب مكاتب تمثيلية في واشنطن وباريس وعواصم أوروبية، وعلاقات مع أميركا وفرنسا ودول غربية عدة، لكن لا علاقة له مع إسرائيل. والدعم الذي يطلبه ليس سلاحاً ولا أموالاً، بل إنه شيء أبسط وأعمق في آنٍ واحد، “أقول إن أهم دعم لنضالنا الديمقراطي ألا تُعين هذه الدول على بقاء النظام الإيراني، فذلك وحده يكفي”.
المقاومة المسلحة استجابة حتمية
المقاومة المسلحة في نظر القيادي الكردي المخضرم ليست خياراً أيديولوجياً، بل استجابة حتمية لنظام لا يعرف غير منطق القوة ولا يترك لشعبه طريقاً آخر. ويقول “النظام الإيراني متخلف لا يؤمن بالحوار، لا معنا ولا مع أية دولة في العالم، ولا يعرف لغة الحوار، بل يعرف فقط منطق القوة، ومنطقه ليس قوياً، لذلك يستخدم الوسائل العسكرية للقمع. وفي مثل هذه الظروف تُجبر على الدفاع عن نفسك”.
ويقول: “نتمنى أن يكون بلدنا كفرنسا وإنجلترا، حيث تتحقق المطالب بالطرق الديمقراطية”. ويقول “نحن لا نحب الحرب ولا نريد قتل أحد ولا نريد أن نُقتل، لذلك نتمنى أن يكون بلدنا أيضاً بلداً يمكن فيه حل القضايا بصورة سلمية وديمقراطية”.
وحين أشرت إلى تصريحات المعارضة الإيرانية الحائزة على “جائزة نوبل للسلام” شيرين عبادي خلال مقابلة سابقة مع “اندبندنت عربية”، إذ أعربت عن رفضها الانتفاضة المسلحة ضد النظام، لاحقني حسن شرفي بالرد أن “هذه الحروب المسلحة توجد فقط في الدول الديكتاتورية، والسبب أنهم لا يتركون لشعوبهم طريقاً لتحقيق مطالبهم. وإلا كنا نتمنى أن يكون بلدنا كذلك، وألا نُجبر على استخدام السلاح للدفاع عن وجودنا، بل نحل الأمور بالكلام والفكر”. وأشار إلى خصوصية ما مر به الأكراد قائلاً “شيرين عبادي ليست كردية لكي تعرف معاناة الأكراد، يجب أن يكون الإنسان كردياً ليعرف ما يعانونه”.
وحين سألته عن الأرقام الحقيقية لقواته، إذ أفادت مصادر لـ”اندبندنت عربية” خلال لقاءات سابقة بأن عدد قوات “البيشمركة” يبلغ ملايين، فرّق شرفي بين مجموعتين، فمن أصل 10 ملايين كردي في كردستان الإيرانية يرى أن نحو 8 ملايين يدعمون حزبه أو ينتمون إليه. أما عدد مقاتلي “البيشمركة” فيرفض الإفصاح عنه، إذ لا حكمة في الكشف عن الأرقام العسكرية أمام “عدو كالنظام الإيراني”. ويختم بتذكير يحمل مرارة مكتومة، انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” انطلقت شرارتها من كردستان، من دم الشابة الكردية مهسا أميني التي قُتلت بسبب شعرها، لكن “العالم بمن فيه منظمات حقوق الإنسان لم يُعِر عمليات القتل والإعدامات هذه الاهتمام الذي تستحقه”.
بقاء النظام أخطر من سلاحه النووي
حين سألت القيادي الكردي عن استعداد حزبه لتحمل ثمن التصعيد من دماء المدنيين، أجاب بشعار يختصر فلسفته، “الحرية لها ثمن باهظ، ونحن مستعدون لدفع هذا الثمن، ومستعدون للتضحية بحياتنا من أجلها”. لكن السؤال الأهم ليس ثمن المواجهة، بل ثمن الاستسلام لبقاء النظام، وهو ثمن يدفعه ليس الأكراد وحدهم، بل كل الشعب الإيراني. ويذهب شرفي إلى القول إن “وجود النظام نفسه أخطر من سلاحه النووي” لأنه “قتل شعبه بالآلاف في يناير الماضي ولا يُحاسَب، لا يمكن أن يكون أقل خطراً من قنبلة”.
ويردف “ما دام هذا النظام موجوداً، ستبقى العمليات الإرهابية والتخريبية والتوتر”، مضيفاً “أنا أتعجب لماذا ترمب قلق إلى هذا الحد من البرنامج النووي للنظام الإيراني. صحيح أن السلاح النووي خطر، لكن وجود النظام نفسه أخطر من السلاح النووي”.
وحين أشرت إلى مسار التفاوض، رد شرفي مستدلا بالتاريخ الدامي للحزب مع هذا الخيار، فاثنين من الأمناء العامين لـ”الحزب الديمقراطي الكردستاني- إيران”، اغتيلا على طاولة المفاوضات، وهما الدكتور عبدالرحمن قاسملو في فيينا والدكتور صادق شرفكندي في برلين، و”كلاهما على يد إرهابيي النظام خلال لحظات التفاوض ذاتها”.
وأصدر الحزب كتابين وثّق ضمنهما مساعيه للتفاهم، لكن “النتيجة كانت دماً في كل مرة”. ويلفت شرفي إلى ملاحظة دالة اسم “الحرس الثوري” ليس “حرس إيران”، بل “حرس الثورة الإسلامية”، أي إنه لم يُنشأ لحماية الشعب، بل لحماية النظام من شعبه. ويقول “انظروا الآن، يقولون إن هذه الحرب لم يخسر فيها النظام، لكن بالنسبة إليه لا يهم إن قُتل الناس في كل إيران، هدفه الوحيد هو البقاء… في أميركا إذا قُتل 100 شخص يُحاسَب الرئيس، وكذلك في إسرائيل… أما في إيران فالنظام نفسه قتل عدداً أكبر من ذلك من شعبه في يناير”.
ويمضي شرفي مؤكداً أن “هذا النظام ليس مهيّأً للحوار، ولا يعرف إلا لغة القوة، ويجب التعامل معه باللغة نفسها”، كذلك لا يعتقد بأن النظام الإيراني يمكنه حل مشكلاته حتى مع أميركا أو إسرائيل.
أطماع قديمة
منذ بدء الحرب في الـ28 من فبراير الماضي، استهدفت إيران سبع دول عربية معظمها خليجية، بأكثر من 6 آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة. وتشير إحصاءات سابقة لوكالات أنباء ومراكز أبحاث إلى أن دول الخليج تلقت نحو 80 في المئة من الهجمات الإيرانية مقابل 20 في المئة فقط وجهت نحو إسرائيل التي تشارك في الحرب جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة. ويزعم قادة النظام أن هذه الهجمات تستهدف قواعد ومصالح أميركية، في حين أنهم يستهدفون منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين في دول الخليج.
ويرى شرفي أن استهداف النظام الإيراني للدول العربية في الخليج لم يكُن رداً عسكرياً محسوباً بقدر ما كان كشفاً عن أطماع قديمة، قائلا “هذه الدول غنية، وإيران كانت تطمع في هذه الثروات، وكانت تبحث عن ذريعة لتتدخل في شؤونهم، فاتخذت هذا الأمر ذريعة، وهو أن أميركا لديها قواعد هناك.” وطرح سؤالاً يكشف عن تناقض النظام الإيراني قائلا: “أذربيجان أيضاً لديها قواعد، فهل يهاجمها؟ هناك قواعد في دول مختلفة، فلماذا لم يهاجمها؟ لماذا يهاجم فقط الدول العربية في الخليج؟”.
لا نريد استبدال ديكتاتور بآخر
وفي حين ينظر كثرٌ إلى الحرب على أنها فرصة ذهبية للشعب الإيراني الذي عانى طويلاً تحت حكم قمعي قاسٍ، لا تزال المعارضة الإيرانية مفتتة ولم ينشأ كيان واحد يجمعها، حتى إنه بعد أيام من إعلان “تحالف القوى السياسية الكردستانية” في نهاية فبراير الماضي، هاجم نجل الشاه الأخير لإيران رضا بهلوي الذي يقود المعارضة الداعية إلى إعادة النظام الملكي، الأحزاب الكردية، كما يرفض الأكراد التعاون معه.
وفي رده على سؤالي في هذا الصدد، حرص شرفي على نفي أية عداوة شخصية، وسرد ثلاثة اعتراضات، أولها أن الملكية الإيرانية تاريخياً مرادفة للديكتاتورية والحكم الفردي، وثانيها أن بهلوي يصف الأقليات والمعارضة بالانفصاليين، وثالثها أن الميثاق الذي أصدره يجعل منه صاحب القرار المطلق في السلطات الثلاث، مما لا يختلف في جوهره عن بنية أي نظام ديكتاتوري أو قانون النظام الإيراني. ويقول “هو يجعل نفسه صاحب القرار المطلق، فهو من يعين رئيس السلطة القضائية، وهو من يعين رئيس السلطة التنفيذية، وهو القائد الأعلى لكل القوات المسلحة. فكيف يمكن لمثل هذا النظام أن يكون ديمقراطياً؟”.
وأكد شرفي “نحن لا نريد أن يرحل نظام ديكتاتوري ديني ليحل محله نظام ديكتاتوري آخر، بل نريد نظاماً يخص جميع الإيرانيين. ولهذا لا يمكننا التعاون معه، فبرنامجه ليس ديمقراطياً، وتاريخ والده ليس إيجابياً، وهو نفسه لا يمتلك الفهم والكفاءة اللذين يجب أن يمتلكهما قائد سياسي”. وخلص إلى أن “كل هذه الأعوام التي قضاها في أميركا لم يستطِع حتى أن يحصل على تعليم أكاديمي مناسب، ولا حتى أن يدير عملاً تجارياً”.