وزير التربية والتعليم السوري محمّد عبد الرحمن تركو
همبرفان كوسه- صحافي كردي سوري..
موقع درج
تعلّم الكرد لغتهم من أمّهاتهم، ومن منازلهم وشوارعهم التي تتحدّث بها، وقاوموا كل الأنظمة التي حاولت إنهاء وجود اللغة، وبالتالي إنهاء وجودهم، وفشلت كل هذه المحاولات. يعرف الكرد لغتهم جيداً، يتحدّثون بها ويتقنونها، وليس بينهم من كان يبحث عن تعلّمها؛ الكل كان يريد أن تكون لغة مؤسّسات مدنهم ومدارسها، كما هي لغة أرضهم وبلادهم.
أصدر وزير التربية والتعليم السوري محمّد عبد الرحمن تركو، قراراً رسمياً يقضي بإتاحة دراسة اللغة الكردية باعتبارها “لغة وطنية” لا رسمية في المدارس الحكومية والخاصّة في سوريا، ويدخل هذا القرار حيّز التنفيذ الفعلي مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، تطبيقاً للمرسوم التشريعي رقم 13 للعام 2026 الصادر عن الرئاسة السورية، وينصّ القرار على اعتماد المادّة لغة اختيارية في المناطق التي تشهد وجوداً للمواطنين الكرد، بواقع ثلاث حصص أسبوعياً، تدخل درجتها ضمن المجموع النهائي للطالب.
أما السؤال: هل تحقّق ما يريده الكرد من مكانة للغتهم؟ وهل هذا فعلاً قرار يعبّر عن حقوقهم وينهي عقوداً من محاولات سحق هويّتهم؟
في لحظة واحدة من التاريخ السوري الحديث، كانت اللغة الكردية جزءاً من جغرافيتها الحديثة، تلك اللحظة التي لم تكن المركزية القومية في دمشق تستطيع منعها، ولا تملك القوّة لفعل ذلك، كان ذلك في منطقة جرابلس في عشرينيات القرن الماضي، عندما اعتُبرت اللغة الكردية لغة رسمية في ذلك القضاء فقط، وأصبحت لغة رسمية في التعليم، وكان التحدّث بها شرطاً وظيفياً إلى جانب اللغة العربية.
قبل هذا الإقرار وبعده، كان ممثّلو الهياكل السياسية الكردية، أي منذ اللحظة الأولى لتشكّل سوريا كبلد حديث، يطالبون بجعل اللغة الكردية لغة رسمية في كردستان سوريا، وكان هذا هدفاً كردياً لم يتمّ التنازل عنه لحظة، ولم يكن يوماً مطلباً يتعلّق بتعلّم اللغة وفهم قواعدها، بل كان مطلب لغة تعليم ودولة، لغة رسمية دستورية تمثّل جزءاً من هذه الأرض وسكّانها.
مثّلت اللغة الكردية في الذاكرة السياسية للكرد في سوريا درّة تاج قضيّتهم؛ فاللغة تحوّلت تدريجياً لدى الكرد إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل تمايز سياسي وجغرافي وثقافي وقومي يطالب به الكرد، وهو جوهر خطابهم السياسي، لذلك كان من الواضح وجود اهتمام كبير باللغة داخل المجتمع والعائلة الكردية، وفي نشاطات الكرد السياسية والثقافية، فظلّت الكردية هي اللغة الوحيدة التي يتعامل بها الكرد في حياتهم ومحيطهم ونشاطهم اليومي، ولم تكن العربية إلا لغة احتكاك بمؤسّسات الدولة والتعليم، والنماذج الوحيدة التي تدخّلت في شكل المكان وهويّته بالنسبة إليهم، والتعبير الوحيد عن وجود الدولة.
وطالما أن الكردية لم تكن رسمية، لا في المدرسة ولا في الدولة، بقيت هذه الدولة كياناً غريباً عنهم، لا يمثّلهم ولا يعبّر عنهم، ويلفظونه خارجاً عنهم كعدو.
أولى مشكلات هذا الخطاب الذي يحدّد نهاية حقّ اللغة داخل الدولة السورية، وفي اللحظة التي أبرزه فيها، هو أن الإجراءات الاستثنائية، الانتقالية المؤقّتة بطبيعة الحال، في إعادة تموضع الكرد في سوريا، هي في مكان محاولة إعادة تعريف وجودهم في البلاد، وفرض ذمّية سياسية بحقّهم تحت لافتة “المواطنة”، تلك التي وجدت الكرد مواطنين عرباً سوريين حينما أعادت لهم الجنسية التي سُلبت منهم بالإكراه واعتبرت ذلك “منحة”، وهي ذاتها التي تستخفّ بمكانة اللغة في الذاكرة السياسية للكرد بوصفها وعاء مشروعهم السياسي، وتؤطّرها، في أحسن أحوالها، في مشتقّ ثقافي بمسار هويّة أوسع هي العربية؛ فاللغة الكردية التي تعترف بها دمشق هي لغة الجماعة الغائبة عن صناعة الشأن العامّ وهويّة سوريا وتعريفها، التي لا تتكوّن إلا من هويّة واحدة ولغة واحدة، وما تبقّى يشتقّ منها إلى أفرع؛ شيء يشبه الكلام الإنشائي: جيش واحد وبلد واحد وعلم واحد. أمّا من يكون صاحب هذا الاتّحاد، فليسوا الكرد، على أقلّ تقدير، ولا آخرين مثلهم. هذا بالضبط معنى أن تحمل إرثاً مهترئاً من زمن نظام بائد، تعيد تعريفه وإنتاجه بقوالب أخرى هي ذاتها، وبهدف واحد: كيف تحقّق غاية أن يكون كل السوريين عرباً ولغتهم العربية.
ليس ثمّة فرق شاسع بين ما “حقّقته” سوريا الجديدة مع اللغة الكردية وما كان معمولاً به في نهاية زمن النظام البعثي السابق. ففي اللحظة التي شعر فيها أن محاولات نفي وجود اللغة الكردية قد أوصلته إلى طريق مسدود، وليس أمامه حلّ إلا بإقرار وجودها، استحدث نمطاً متخيّلاً من التعريف يوافق رأيه في الوجود الكردي وينقذه من هذا المأزق. عمد النظام وقتئذ إلى خلق “المساحة الثقافية” التي يمكن فيها تداول اللغة الكردية، بوصفها لغة أجنبية: حصص تعليمية في معاهد لغات، وكتب مترجمة إلى الكردية والعربية تحت بند “ترجمات عالمية”، وموسيقى ومسارح وأصوات كردية. وفي تلك اللحظة أيضاً، كانت المعارضة تستفيد من الخطّة بممارسات مماثلة. أمّا إذا كانت الكردية تعني هويّة الكرد السياسية، فكان المسار هو المعمول به منذ عقود: منع وقمع واستبداد ولغة تعيش تحت وطأة استبداد أنظمة متعاقبة وتكميم للأفواه واعتقال، كل هذا مردّه إلى هدف واحد: أن تكون اللغة الكردية أجنبية عن البلاد.
والحال أن ما أصدرته وزارة التربية والتعليم السورية خطوة لا تزيد عن الهدف ذاته، وإن كانت ثمّة محاولات لتجميل هذا المشهد. فاللغة الكردية هي ذاتها اللغة الأجنبية عن سوريا، كمادّة صالحة للتعلّم، وغير صالحة للتعليم. لغة تستطيع اللغة العربية استيعابها في أبجديتها، وتبقى هي اللغة الوحيدة التي تمثّل هويّة السكّان وذاكرتهم وتعريفهم الدستوري. فالعربية ظلّت هي لغة الكرد الرسمية ولغتهم الأمّ أمام الدولة ومعاملاتها، واللغة التي تحدّد انتماءهم الهويّاتي والسياسي والاجتماعي، وبقيت الكردية حصّة تعليمية أجنبية مُنحت لمواطنين حديثي الانضمام إلى هذا الكيان السوري، محقّقة هدفاً كان مستمرّاً منذ نشوء هذه البلاد: أن تكون الكردية أجنبية عنها.
تتعامل قيادات في سوريا الجديدة مع اللغة بوصفها أداة إخضاع الكرد للهويّة العربية، وإعادة تعريفهم كأقلّية ثقافية ولغوية ضمن شعب واحد. هذا المسار ليس حديثاً لدى الكرد. ثمّة مثال حيّ عمره مئة عام اسمه تركيا؛ الدولة التي تعرّف جهاراً الكرد بوصفهم مواطنين أتراكاً، ولا تريد سوريا إلا أن تسير باتّجاه التجربة التركية في التعامل معهم، وهو لا يقتصر على اللغة فحسب، فمفهوم الأمّة التركية قائم على أساس سحق الآخرين وإرثهم، وتحويله إلى جزء من هذه “الأمّة”، وهو خطّ إنتاجي واضح: محاولة إبادة، تتريك/تعريب، محاولات دمج، اعتراف بالكرد كمكوّن ينتمي إلى القومية الأعمّ، ووضع خصائص ثقافية تجدها الدولة لا تتعارض مع أمنها القومي. ثمة صناعة حلّ، والحلّ: “الأمّة السورية”، أمّة كانت تعتقد أن الكرد هم من العرب، ويدرّسون نظريات عن ذلك، لكنّها اكتشفت أنهم عرب، لكنّهم عرب مختلفون!
من نافل القول إن العربية بقيت لغة يتعلّمها الكرد بالإكراه لا بالرغبة، هذه اللغة التي يتعرّفون عليها في المدرسة ويُعاقبون لأنهم لا يتقنونها، ويتعرّضون للضرب لأنهم أقلّ قدرة على فهمها، ولا يتحدّثون بها إلا تحت وطأة السيف، ويُسجنون إذا اعترفوا بغيرها لغة لهم في الدولة، لغة جامعة لهم على الضرب والتعذيب والإهانة. أمّا من لا يجيدها، ولم يملك حظّ التعلّم في المدارس، فبقي أجنبياً كاملاً، وفي أفضل الأحوال تستخدمه سوريا للسخرية حين يحاول التحدّث بلغة يكون عدم التحدّث بها بديلاً عن الموت.
تعلّم الكرد لغتهم من أمّهاتهم، ومن منازلهم وشوارعهم التي تتحدّث بها، وقاوموا كل الأنظمة التي حاولت إنهاء وجود اللغة، وبالتالي إنهاء وجودهم، وفشلت كل هذه المحاولات. يعرف الكرد لغتهم جيداً، يتحدّثون بها ويتقنونها، وليس بينهم من كان يبحث عن تعلّمها؛ الكل كان يريد أن تكون لغة مؤسّسات مدنهم ومدارسها، كما هي لغة أرضهم وبلادهم. وفي نهاية المطاف، لا تحلّ حصص اللغة الكردية في مدرسة قضيّة شعب له حصّة واحدة من الأرض هي كردستان.