منذ اتفاق 10 مارس/ آذار 2025، بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، تتالت القرارات والأحداث والإجراءات المُتّبَعة بطريقة تبدو كأنّها مرسومة وفق خطّة محكمة وافق عليها الطرفان لتجنّب اشتعال الحرب مجدّداً، ولتوحيد البلاد تحت سلطة مركزية. وواقع الحال أنّ هناك سياسات وتوافقات إقليمية ودولية هي ما يأخذ المسار باتجاه الإدماج. وجاء إعلان عبدي حلّ قوات سوريا الديمقراطية في أغسطس/ آب 2026 تتويجاً لمسار تسارع مطلع العام، بعدما فقدت “قسد” جانباً مهماً من دورها ومواقعها، واعتبرت واشنطن أنّ وظيفتها الأصلية بوصفها القوّة البرية الرئيسية في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) انتهت إلى حدّ كبير. إذ تبنّت المقاربة الأميركية الجديدة، لسورية ما بعد الأسد، دعم حكم هيئة تحرير الشام ممثّلةً بالشرع، واعتمادها سلطة دمشق المركزية شريكاً في محاربة التنظيم، وانضمت سورية إلى التحالف الدولي ضدّ “داعش” في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
كذلك، يأتي حلّ “قسد” انعكاساً لمقاربة تركية جديدة تجاه حزب العمّال الكردستاني في تركيا، بدأت بعد مضيّ أقلّ من ثلاثة أشهر على سقوط نظام الأسد، مع دعوة الزعيم التاريخي للحزب، عبد الله أوجلان، من سجنه، مقاتلي الحزب إلى إلقاء السلاح عبر مسار سياسي شارك فيه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الداعم للحقوق الكردية في تركيا. ولم تتخلّ أنقرة عن مقاربتها الأمنية للحزب بوصفه تنظيماً إرهابياً، لكن أُضيف إليها مسار سياسي تفاوضي على وقع تغيّرات كبيرة في المنطقة، افتتحتها الحرب الإسرائيلية على غزّة ردّاً على “طوفان الأقصى”، وحرب الإسناد التي أطلقها حزب الله في لبنان، وبات تمكين سلطة مركزية في دمشق بقيادة جماعة اختُبر التعامل معها في تجربة إدلب حلّاً لضمان عدم عودة النفوذ الإيراني إلى سورية، وقطع طرق الإمداد عن حزب الله. وفي السياق نفسه، تنظر أنقرة إلى وحدات حماية الشعب ومكوّنات رئيسة في “قسد” بوصفها امتداداً سورياً لحزب العمّال الكردستاني، ولذلك يصعب فصل ما يجري في شمال شرقي سورية عن مسار معالجة الملفّ الكردي في تركيا. وهذا يفسّر أيضاً الدور الذي لعبه مسعود بارزاني في تسهيل التواصل والوساطة بين “قسد” والأطراف المعنية بالمسار السوري، ويستفيد بارزاني في هذا الدور من علاقاته الوثيقة بأنقرة، ومن موقعه السياسي المختلف والمنافس تاريخياً لقيادة حزب العمّال الكردستاني في جبال قنديل.
وفق هذا، عُيّن عبدي مستشاراً للرئيس الشرع، واتفقت دمشق وقيادة الإدارة الذاتية على تعيين إلهام أحمد عضواً في مجلس الشعب مع احتمال مشاركتها في لجنتَي العلاقات الخارجية والدستور، وكانت قد طالبت بالاعتراف الدستوري باللغة الكردية وباعتمادها لغة رسمية للتعليم وفي المناطق ذات الوجود الكردي، بينما اعترف المرسوم 13 لعام 2026، الذي أصدره الشرع، بحقوق الأكراد الثقافية وحقّهم في التعلّم بلغتهم، إضافة إلى منحهم الجنسية. ولا يزال الاندماج، في جانب منه، شكلياً أو انتقالياً. فقد انتقل جزء من القيادات والعناصر إلى هياكل الدولة العسكرية والأمنية، في حين بقي وضع بعض التشكيلات، ومن بينها وحدات حماية المرأة، موضوع تفاوض وترتيبات لم تُحسم جميع تفاصيلها. كما بقي السؤال مطروحاً بشأن أماكن خدمة المقاتلين، وآليات توزيعهم، والجهة التي ستدفع مرتّباتهم.
هذا يفتح الأنظار باتجاه السويداء وإمكانية اندماجها، وقد أتى تصريح توم برّاك أخيراً حول هذه النقطة ليتحدّث عن “عصابات تحاول ملء الفراغ الناجم عن غياب الحوكمة في السويداء”. إلّا أنّ التدخّل الإسرائيلي حاضر بقوّة هناك، ويحول دون تحقيق اندماجها، ويتجدّد الحديث عمّا يسمّى “ممرّ داوود”، بالتزامن مع تصاعد التوغّلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وباتجاه درعا، وهو ما يثير مخاوف من سعي إسرائيل إلى توسيع نطاق نفوذها في الجنوب، والاستفادة من علاقاتها ببعض القوى المحلية، في إطار تنافس أوسع مع تركيا على النفوذ في سورية، عدا عن أنّ إقناع إسرائيل بترك السويداء لدمشق بات معضلة، فإنّ تداعيات مجزرة يوليو/ تمّوز 2025 في المحافظة تضيف تعقيدات، مع تقاعس الحكومة السورية عن تحمّل مسؤولياتها التي أشار إليها تقرير لجنة التحقيق الدولية، والمباشرة في تحقيق شفّاف ومحاسبة عادلة.
ولا يزال مسار نزع سلاح حزب العمّال الكردستاني في تركيا مفتوحاً على عقبات سياسية وقانونية، رغم الخطوات التي بدأت منذ 2025، إلّا أنّها لو حصلت فسيتحوّل جزء من نشاط الحزب إلى العمل السياسي، وفق ما تتيحه الحالة الديمقراطية في تركيا. الأمر مختلف في سورية، إذ لا يزال مركز القرار في سورية شديد التمركز في دائرة ضيّقة من قادة السلطة المنحدرين في معظمهم من تجربة هيئة تحرير الشام، وتعمل بقية القوى ضمن موازين النفوذ التي نشأت بعد سقوط النظام. وكلّ القوى الفاعلة التي تتحالف في الحكم، بما فيها “قسد”، ليست ديمقراطية، وإن حملت اسماؤها دلالات أخرى. هي قوى نشأت وفق أدوار وظيفية خلال سنوات الحرب. وتتعلّق الحلول التي يقودها برّاك باحتوائها وتفكيكها واستعادة دولة مركزية بسلطة موحَّدة يمكن التعاطي معها ضمن إطار المصالح الأميركية، وضمن ترتيبات المنطقة المتغيّرة باطّراد نتيجة الحرب المستمرّة على إيران.
وعلى أيّ حال، هذا الترتيب أفضل للسوريين من الاقتتال والحروب، لكنّه لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرّة، فقوى عديدة مستفيدة من التسويات الراهنة خرجت من الحرب، وبين قياداتها من تحيط بهم اتهامات بانتهاكات وجرائم ارتُكبت خلال سنوات الصراع. كما أنّ هشاشة الترتيب لا تتعلّق فقط بهُويّة هذه القوى، بل أيضاً بغياب السوريين أنفسهم من صياغة قراراتٍ كثيرة ترسم مستقبلهم. فالوضع المعيشي يزداد سوءاً، والمجتمع خارج لعبة المصالح هذه، ولا دور ولا مشاركة للسوريين في القرار. وهذا ينذر باحتمال انفجارات اجتماعية، وبعضها يحدث بالفعل في المنطقة الشرقية، الأكثر تهميشاً، ومنها احتجاجات في الحسكة والقامشلي على الغلاء وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، استمر بعضها قبل إعلان الاندماج وبعده.