بدأت مساعدات الشيخ الذهبي بالظهور في سوريا بعد الزلزال التركي الذي أثَّر في مناطق من شمالها وغربها في شباط (فبراير) 2023. وتجلّت، في ذلك الوقت، في استجابة طارئة بتأمين بعض الخيام لمن فقدوا منازلهم أو أصبح السكن فيها خطراً، وتقديم بعض مواد التدفئة والمساعدات الغذائية. لم يكن ذلك التدخل كبيراً، وكان يتم عبر وكيل محلي يتلقى حوالات أبي عبد الرحمن، المُقيم في الخارج، ويعمل على تنفيذ رغبات المُتبرعين الذين يقفون وراءه بإنفاقها في هذا النوع أو ذاك من «مصارف الزكاة» أو الصدقات في الشمال السوري المُحرّر، خاصة في المناطق التي كانت تُسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» في إدلب.

بعد انقشاع التداعيات المباشرة للزلزال، وأُلفَةِ الذهبي مع تلقي هذه المعونات المحدودة، وتزايد خبرة فريقه الصغير في ترتيب السلال الإغاثية؛ انتقل النشاط من توزيعها على «المنكوبين» إلى استهداف سواهم الذين انحصروا، بالتدريج، في «المجاهدين» الذين كانوا يرابطون على ثغور قتال نظام بشار الأسد، مع ارتفاع متزايد لنسبة «المهاجرين» منهم. وتحول الأمر من سلال تأتي عندما يتيسّر إلى التزام شهري تكفّل الذهبي به تجاه مئات المقاتلين، من دون أن ترتفع التكلفة عن بضعة آلاف من الدولارات كان يجهد لتأمينها من متبرعيه الذين بدا أنهم كثيرون، لكنهم في الغالب ليسوا أغنياء ولا منتظمين.

بعد سقوط النظام السابق، في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، حاول الذهبي أن يحافظ على هذه الكفالة طالما أن الوضع المادي لأصحابها لم يتحسّن، لكن مجتمع داعميه المتناثر هذا، الذين يقول إن أكثر من نصفهم مصريون في داخل بلادهم وخارجها، مالَ إلى أن تُوجَّه تبرعاته إلى غزّة، حيث كان للذهبي حضور لم يبدأ مع توفير ماء صالح للشرب وانتهى إلى الدعم العسكري لمجموعات محدودة وصغيرة. وعلى الرغم من أنه يوافق على أن الأولوية لغزّة، إلا أنه أصرّ على أن هناك معركة أخرى في الشام لا يفقهها إلا من فهم «عمق الصراع». ممّا قاده إلى مشروع سيملأ عليه كيانه وسيدعمه حتى لو اضطر إلى تمويله بمفرده، هو «حملة الذهبي للحجاب الشرعي»، التي أعلن عنها قبل اكتمال أسبوع على سقوط النظام وبدأت عملها بعد أسبوع آخر.

صورة الفعالية أمام محطة الحجاز

الفكرة طموحة. تهدف إلى توزيع مليون «حجاب شرعي» في سوريا، ولا سيما في المناطق المُحرّرة حديثاً منها، أي التي كانت تحت سيطرة النظام. يُكلّف الواحد منها 10 دولارات، حسب ما اتفق الذهبي مع معمل ألبسة في أطمة. يتألف طقم الحجاب، بعد استقراره الآن، من خمس قطع؛ عباءة وخمار ونقاب وقفازات وجوارب. وقد بدأ أسودَ موحداً ثم تطور إلى ألوان زاهية جداً بناء على طلب الفتيات، ومعظمهنَّ من الشابات واليافعات، وحتى طفلات.

تُسمّي الحملة حجابها بأنه «شرعي»، تمييزاً له عن أنماط مُتعدِّدة من الحجاب مُعتادة في المجتمع السوري. ورغم أنها تقول إنها لا تهدف إلى توزيع الحجاب على من كنّ يرتدينه سابقاً إلا أن الأكثرية الساحقة من أنشطتها تتوجّه نحو المحجبات سابقاً اللواتي ينتقلنَ من أنواع الحجاب الشعبي أو الموروث الذي يرتدينه أصلاً إلى هذا الحجاب المُمنهج الذي ترى الحملة أنه الشكل الشرعي المُكتمل المطلوب.

لفهم ذلك لا بد من العودة إلى الفئة المستهدفة. وهي «نساء المسلمين» (السُّنّة) اللواتي لم يستطعن سابقاً ارتداء الحجاب (هذا النمط منه بالتحديد) بسبب تضييق نظام الأسد من جهة، ونتيجة معايشة «أطياف من المجتمع تحت عهد النظام البائد لا يعرفون حجاباً ولا إسلاماً» – لا يُكثر الذهبي من تحديد أنهم «النصيرية» أساساً – من جهة أخرى.

تهدف الحملة، إذاً، إلى «استعادة» هوية سوريا بعودة نسائها إلى «الزيّ الأصلي» في بلاد الشام وسواها من ديار المسلمين. وتنشط في الجامعات، وفي مراكز أخرى، بعد الحصول على الموافقات المطلوبة من المسؤولين المحليين، الذين لا تفتأ توجّه الشكر لهم، وتُقدّم الثناء المستمر لرجال «الأمن العام» الذين يحمون الأنشطة. فالذهبي، الذي كان يقول منذ زمن بعيد إن «هيئة تحرير الشام» هي «درع أهل السنة بالشام»، فصّل حملته بشكل يتوافق مع المساحة التي تركتها الحكومة. ففي صراع القمة والقاعدة؛ أي النزوع الدولتي المتعطِّش لإرضاء الخارج والتوجّه الأصلي نحو إقامة الشريعة؛ وجد الحُكم الحلَّ في «الدعوة»، قائلاً لأفراده المتحمسين إن تطبيق الأحكام الدينية لن ينجح بالفرض لأنه يواجه معارضات داخلية وخارجية ستُطيح بالسلطة الهشّة التي لم تبلغ مرحلة «التمكين» الآمنة بعد، لكنها تركت لهم فرصة الإسهام في الوصول إليها من خلال أسلمة المجتمع طوعياً بالدعوة التي يجب، والحال هذه، ألا تكون مستفزة للمكونات الطائفية العديدة، وأن يقوم عليها رجال يَعون طبيعة المرحلة والتحديات. ولذلك تحرص حملة الذهبي، في كل مناسبة ممكنة، على إيضاح أنها تعرض خدماتها على النساء من دون أيِّ إكراه ولا حتى «إلحاح». كما أنها، باقتصارها على السُّنّيات كهدف للإسباغ، تتجنب إثارة حساسيات الطوائف.

لكن الأمور لا تسير دوماً وفق المخطط. فنتيجة الاستهداف المُكثَّف لطالبات الجامعات، ومنها جامعة اللاذقية (تشرين سابقاً) حيث يقول الذهبي: «هل تعلم ماذا يعني الساحل؟»؛ فاضَ الموضوع إلى قلّةٍ قليلة من الطالبات العلويات اللواتي تأثرنَ بزميلاتهنَّ، مما أوقع الحملة في اضطراب منهجي. فحين قررت أولاهنَّ، روز، ارتداء هذا الحجاب «بكامل رغبتها واختيارها»، اضطرت الحملة إلى التراجع عن التكفير المُضمَر، ووجّه الذهبي، عبر منصاته، الشكر لوالديها اللذين سمحا لها بذلك، في أول آذار (مارس) من عام 2025. لكنه عاد، في غمرة السجال مؤخراً حول قضية بتول علوش، للقول بأن روز كانت قد «اعتنقت الإسلام» إبان ارتدائها للحجاب.وُلِد هاني دهب، قبل أن يمنح نفسه لقب الذهبي ويرفّعه العاملون معه إلى رتبة شيخ، في دمياط بمصر في أوائل السبعينيات. درس في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وهناك أصبح من المقربين من الشيخ السلفي أبي إسحاق الحويني. اعتقل في العام 2008 لعضويته في مجموعة جهادية كانت تُقدِّم دعماً لوجستياً لغزة. وخرج من السجن بعد نجاح الثورة المصرية في مطلع 2011. قدِمَ إلى سوريا في العام 2012 فانتسب إلى «جبهة النصرة» وعمل شرعياً في الساحل حيث تعرّض لإصابة بالغة ما زالت تؤثر عليه. ويتفق المهاجرون المصريون إلى البلد على أنه غادرها إلى دولة ثالثة في منتصف العام 2015. وفي بيان أصدروه، في شباط (فبراير) من العام 2024، قالوا، مجيبين عن تساؤلات، إنهم يبرؤون إلى الله من أفعاله لأنه «غير ثقة عندنا»، فهو «يجمع مالاً لشخصه باسم المجاهدين والمنكوبين». وشرح بعضهم أن ما يُوثِّقه جزءٌ يسيرٌ ممّا يجمعه. فردّ بأنه لا يلتفت لأهل «الثرثرة والكيد النسائي والجدل والتشويه والعمالة والسذاجة». متابعاً قصف خصومه باستخدام «أفكار كالراجمات»؛ العنوان الذي اختاره لكتابه الكبير.