
أفاد مصدر خاص “المدن”، بأن أحزاب الإدارة الذاتية امتنعت عن المشاركة بانتخابات مجلس الشعب السوري التي جرت في محافظة الحسكة في 24 أيار/ مايو الجاري، لعدم منح الشرعية القانونية للحكومة الانتقالية. وأضاف أن القرار بالمقاطعة جاء بعد سلسلة اجتماعات داخلية عقدتها الأحزاب المنضوية ضمن “أحزاب الوحدة الوطنية الكردية” والقوى السياسية القريبة من الإدارة الذاتية التابعة لـقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لمناقشة ملف المشاركة في انتخابات البرلمان السوري وآلية توزيع المقاعد المخصصة للمكونات.
وقاطعت أحزاب الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، الانتخابات، في خطوة تعكس تصاعد الخلاف مع دمشق حول طبيعة التمثيل السياسي الكردي داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية، فيما شارك المجلس الوطني الكردي عبر شخصيات جرى التوافق عليها ضمن ترتيبات غير معلنة مع السلطة السورية.
وقالت المصادر إن حالة من الاستياء سادت أوساط تلك الأحزاب بعد تثبيت عدد المقاعد المخصصة للأكراد في الحسكة عند أربعة مقاعد فقط ضمن المجلس المؤلف من 210 أعضاء، وهو ما اعتبرته القوى الكردية المقربة من الإدارة الذاتية “تمثيلاً رمزياً” لا يعكس الحجم السياسي والديموغرافي للأكراد في شمال وشرق سوريا، ولا يتناسب مع النفوذ العسكري والإداري الذي تديره الإدارة الذاتية منذ سنوات.
اجتماع “محطة القطار”
وأضافت المصادر أن الخلاف لم يكن مرتبطاً فقط بعدد المقاعد، بل أيضاً بطريقة إدارة العملية الانتخابية نفسها، حيث رأت قوى كردية أن دمشق تتعامل مع ملف التمثيل ضمن مقاربة أمنية وسياسية تهدف إلى إنتاج برلمان منسجم مع السلطة التنفيذية، أكثر من كونه مساحة فعلية للتوازن السياسي والمشاركة المتكافئة.
وكشفت مصدر خاص لـِ “المدن”، أن اجتماعاً عُقد بتاريخ 21 أيار، في مقر مركز العلاقات الدبلوماسية المعروف باسم “محطة القطار” في مدينة القامشلي، بحضور وترؤس كل من آلدار خليل وإلهام أحمد، لمناقشة الموقف النهائي من المشاركة في الانتخابات البرلمانية.
ووفق المصادر، شهد الاجتماع نقاشات مطولة حول تداعيات المشاركة أو المقاطعة، وانعكاسات كل خيار على مستقبل الحضور السياسي للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية خلال المرحلة المقبلة.
وقالت المصادر إنَّ غالبية المشاركين اعتبروا أنَّ الدخول في الانتخابات وفق الصيغة المطروحة حالياً، سيمنح شرعية لعملية سياسية “لا تراعي الوزن الحقيقي للكرد”، بينما رأى آخرون أنَّ المقاطعة قد تؤدي في المقابل إلى خسارة الحضور داخل المؤسسات الرسمية وفتح المجال أمام قوىً كردية منافسة أو شخصيات مستقلة لملء الفراغ.
وأضافت المصادر أنَّ الاجتماع انتهى إلى توجه واضح يقضي بالامتناع عن الترشح للانتخابات بصيغتها الحالية، مع إبقاء هامش سياسي يسمح بإعادة النظر في القرار في حال حدوث تفاهمات جديدة مع دمشق تتعلق بزيادة عدد المقاعد أو تعديل آلية التمثيل.
المجلس الوطني الكردي يشارك
في المقابل، أفاد مصدر خاص لـِ “المدن”، بأنَّ المجلس الوطني الكردي شارك في انتخابات مجلس الشعب عبر شخصيات كردية جرى التوافق عليها مسبقاً مع دوائر القرار في دمشق، ضمن ترتيبات تهدف إلى ضمان حضور كردي داخل البرلمان المقبل، حتى في حال استمرار مقاطعة أحزاب الإدارة الذاتية.
وقالت المصادر إن ثمانية أسماء كردية جرى اختيارها من مدن عفرين وعين العرب (كوباني) والقامشلي والحسكة والمالكية، لتمثيل المكون الكردي داخل المجلس، كما أن هناك أسماءً كردية جديدة سيتم اختيارها ضمن قائمة “الثلث الرئاسي” التي يعيّنها الرئيس السوري أحمد الشرع، بينما خاض بعضها الآخر الانتخابات عبر الهيئات الناخبة.
وأضاف المصدر أن هذه الأسماء جرى تداولها داخل الأوساط السياسية قبل يومين من موعد الانتخابات، وهذا ما أثار اعتراضات وانتقادات داخل قوى الإدارة الذاتية، التي اعتبرت أن نتائج التمثيل “حُسمت مسبقاً” ضمن تفاهمات سياسية بعيدة عن المسار الانتخابي التقليدي.
ووفق المصادر، فإن المجلس الوطني الكردي ينظر إلى المشاركة بوصفها فرصة للحفاظ على حضور سياسي داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة، خصوصاً في ظل المخاوف من أن تؤدي المقاطعة الشاملة إلى تهميش الصوت الكردي داخل البرلمان وترك المجال أمام دمشق لاختيار ممثلين آخرين عن المنطقة.
كما ترى أوساط مقربة من المجلس الوطني أنَّ الانخراط في مؤسسات المرحلة الانتقالية، حتى ضمن هوامش محدودة، قد يفتح الباب أمام دور سياسي أكبر مستقبلاً، ويمنح القوى الكردية قدرة على التأثير من داخل المؤسسات الرسمية بدلاً من البقاء خارجها.
خلاف على مفهوم التمثيل
وترى مصادر سياسية مطلعة أن جوهر الخلاف الحالي يتجاوز مسألة عدد المقاعد، ليصل إلى اختلاف عميق حول مفهوم التمثيل السياسي نفسه داخل الدولة السورية المقبلة.
فالإدارة الذاتية تعتبر أنَّ حضورها داخل المؤسسات الوطنية يجب أن يرتبط بحجم نفوذها العسكري والإداري والسياسي في شمال وشرق سوريا، إضافة إلى دورها في الحرب ضد تنظيم “داعش” وإدارتها الفعلية لمناطق واسعة منذ سنوات.
لكن دمشق ترفض التعامل مع التمثيل وفق معايير قومية أو جغرافية ثابتة، وتصر على مقاربة تقوم على
“التوازن الوطني العام”، وتجنب أيَّة صيغة قد تُفسَّر بوصفها محاصصة قومية داخل مؤسسات الدولة.
وتحاول السلطة السورية في الوقت نفسه إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع القوى الكردية وعدم الوصول إلى قطيعة كاملة مع الإدارة الذاتية، خصوصاً في ظل استمرار التفاهمات المتعلقة بمستقبل مناطق خط العشرة في محافظة الحسكة والترتيبات الأمنية والإدارية هناك.