
- صحيفة الثورة السورية دمشق
رنا بدري سلوم
يقرأ ممدوح عدوان في كتابه “حيونة الإنسان” الاستبداد بوصفه منظومة تتجاوز السجن والجلاد، لتصل إلى اللغة والسلوك والعلاقات وطريقة الإنسان في النظر إلى نفسه والآخرين، ويرصد قدرة الاستبداد على صناعة نسخة من الإنسان المقهور تشبه الإنسان الذي يقهره.
وتأتي أهمية الكتاب الصادر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2003، في انتقاله من إدانة الجلاد واستعادة صور التعذيب إلى ماذا يفعل القمع بالإنسان من الداخل؟ وكيف يمكن للضحية، بعد سنوات من الخوف والإذلال، أن تحمل شيئاً من أدوات جلادها؟ وكيف تتحول السلطة القمعية من جهاز خارجي إلى منظومة نفسية واجتماعية يعيشها الناس حتى في غياب السجان؟
وفي سوريا، ترك النظام المخلوع وراءه إرثاً ثقيلاً من الخوف والإذلال والعنف وإعادة إنتاج الخضوع، وهي آثار لا تنتهي بسقوط السلطة التي صنعتها، لأن سنوات القمع تستطيع أن تترك بصمتها في المجتمع نفسه.
جلاد ينتقم من ماضيه
يستند عدوان إلى تجارب أدبية وفكرية متعددة، ويكشف أن اللغة نفسها يمكن أن تصبح وثيقة من وثائق القمع، ومن هنا يستدعي تنبيه “سارتر” إلى ضرورة مراقبة المفردات التي يستخدمها المستعمرون لوصف أبناء المستعمرات، ليقترح الانتباه إلى المفردات التي يستخدمها السجناء بعد فترة من السجن لوصف أنفسهم أو سجانيهم.
فاللغة تصف الواقع وتكشف أثره في الإنسان، وحين يبدأ السجين في وصف سجانه بلغة الحيوان، أو يصف نفسه ورفاقه بالطريقة ذاتها، فإننا أمام أثر نفسي لعملية نزع الإنسانية، وهنا تبرز أهمية الأدب، إذ يستطيع أحياناً أن يكشف ما تعجز التقارير السياسية والقانونية عن الإمساك به.
تبدأ قصة سعيد حورانية “المهاجم الرابع” في مجموعته “سنان وتحرق الغابة” التي ذكرها عدوان بعبارات تستدعي المخالب والرؤوس والأنياب والأجساد وتظهر الصرخة كصرخة حيوان مطعون، وعند وصف السجانين يصبح العدو متعطشاً للحم، ويهيئ أسلحته ويشهر أظافره ويتحول السجن إلى فضاء لأكلة لحوم البشر، فيما تستدعي الصورة الذئاب والأسود والأنياب والأجساد المربوطة إلى الأعمدة.
لكن هذه الصور ليست بلاغة أدبية، فشهادة سجين آخر تورد أوصافاً مشابهة حين يقول إنه كان يسمع وسط الألم صياحهم وهياجهم كالكلاب المسعورة حوله.
وهنا تتكرر اللغة الحيوانية في شهادات الضحايا، لأن القمع يسلب الصفات الإنسانية من الطرفين، الجلاد يتعامل مع الضحية كشيء أو جسد أو فريسة، والضحية تحت وطأة الألم قد لا تجد إلا المفردات الحيوانية لوصف ما تعرضت له.
وفق هذه الرؤية، تبدأ “الحيوانية” مع اللغة، لا مع الجسد، ثم تتحول إلى سلوك وثقافة، فالسجن يمتد إلى المجتمع وتتحول بعض ممارساته إلى سلوك اجتماعي.
وتأتي ظاهرة “العسكري الأسود” في الكتاب نموذجاً لاستغلال السلطة للخوف وتحويله إلى نمط حياة، فالاستبداد لا يحتاج دائماً إلى وجود السلاح أمام كل إنسان، يكفي أن يصبح السلاح حاضراً في الذاكرة والوعي والتوقّع.
وعندها، يبدأ الإنسان بمراقبة نفسه ويحسب كلماته ومواقفه، ويعيد صياغة أفكاره قبل أن ينطق بها، لأن الخوف يتحول إلى سجّان داخلي، ولكن الخوف قد ينتج الانتقام المتخيل، فالإنسان الذي لا يستطيع المقاومة في الواقع قد يقاوم في الحلم.
ويستحضر عدوان ما يورده كتاب “السيف” عن مساجين كانوا يهذون في نومهم وهم يتحدثون عن الانتقام، غير أن الرغبة المكبوتة في الانتقام قد تصبح بذرة لعنف جديد إذا لم تجد طريقاً إنسانياً للخلاص.
في أقوال الآخر
يعود عدوان إلى “سارتر”، الذي يرى أن المستعمر يعرف أنه ليس حيواناً، لكنه حين يرى نفسه حيواناً في أقوال الآخر، يشتد في استخدام أسلحته كي يحقق انتصار إنسانيته.
وهنا تكمن مفارقة الكتاب، الجلاد الذي يسلب إنسانية ضحيته يحاول إثبات إنسانيته بالقوة، فالعنف قد يكون تعويضاً عن العجز أو النقص أو الخوف.
ومن هنا يأتي عنوان “الجلاد الذي ينتقم من ماضيه” الجلاد الذي ليس بالضرورة أن يكون وحشاً مكتمل الولادة، ويمكن أن يكون إنساناً تشكل داخل تاريخ من القهر والخوف والإذلال، ثم وجد في ممارسة القوة فرصة للانتقام من ماض لم يتصالح معه، ولا يقدم عدوان بذلك تبريراً للجلاد، وإنما يحاول فهم كيف يصنع المجتمع جلاده.
قراءة في عناوين الكتاب
تكشف عناوين الكتاب عن مشروع فكري يتعامل مع العنف بوصفه بنية نفسية واجتماعية وسياسية تتداخل فيها علاقة الجلاد بالضحية والسلطة بالمجتمع والخوف بالامتثال والقمع بإعادة إنتاج القمع.
“التقديم” و”التوصيف” يبدأ عدوان بتحديد الظاهرة ووصفها قبل إصدار الأحكام، أما “ورطة الإنسان الأعزل” فتضع عبارة “ورطة” الإنسان أمام وضع وجودي، فيما تضعه كلمة “الأعزل” أمام قوة أكبر منه، ليصبح العنف السياسي تجربة إنسانية.
“هل نحن جلادون؟” ينتقل السؤال من إدانة الآخر إلى مساءلة الذات، هل يمكن للإنسان المقهور أن يتحوّل إلى نسخة من الجلاد؟ ولا يعني ذلك مساواة الخير بالشر، وربما يعني بحث قابلية الإنسان لإعادة إنتاج العنف.
“صناعة الوحش..صناعة الإنسان” الوحش قد يكون نتاج القمع والتشويه والتطبيع مع العنف، بينما يصنع الإنسان الوعي والتربية والثقافة والأخلاق والقدرة على مقاومة القهر.
“ولادة الوحش بين الجلاد والضحية” لا تعني مساواة الطرفين أخلاقياً، وإنما البحث في أثر القمع في الضحية وإمكان انتقال العنف من جيل إلى آخر.
“القامع والمقموع” و”مسؤولية الضحايا” وهنا تكمن مسؤولية الضحية الأخلاقية في الحفاظ على إنسانيتها ومنع القمع الذي وقع عليها من التحول إلى سلوك تمارسه على الآخرين.
بينما “السلطة” و”السلطة السلطوية” يميز عدوان فيها بين السلطة وممارستها حين تتحول إلى نظام للهيمنة، حيث يصبح الخضوع غاية والسيطرة أهم من الإنسان.
وعنوان “الأخلاق المقمُوعة” ينتقل القمع هنا من الإنسان إلى الأخلاق، ويستشهد عدوان بمصطفى حجازي وكتابه “التخلف الاجتماعي – دراسة في سيكولوجية الإنسان المقهور”، حيث تتحول البيئة الاجتماعية إلى ما يشبه غابة من الذئاب، فالاستبداد يدمر الثقة بين الناس، والعلاقة بين الإنسان بالسلطة، فيمارس الأقوى تسلطه على الأضعف.
مقاومة ومراوغة
حين يعتاد الإنسان الخضوع، قد ينتقل من المقاومة والاستياء إلى المراوغة والجبن والخداع والتملق. ويستحضر عدوان عبد الرحمن الكواكبي، الذي رأى أن الاستبداد يدفع الناس إلى الكذب والتحايل والنفاق والتذلل وإضعاف الذات، لذلك لا يمكن فصل الفساد الأخلاقي عن بنية الاستبداد، فعندما يعاقب النظام الصراحة ويكافئ الكذب، ويعاقب الجرأة ويكافئ التملق، يصبح التحايل وسيلة للبقاء.
أما “التفكير المزدوج” فينتج الإنسان المنقسم، وهنا يستدعي عدوان “جورج أورويل” ومفهوم التفكير المزدوج، أي قدرة الإنسان على قبول فكرتين متناقضتين في الوقت نفسه.
لذلك، قد يعرف الحقيقة لكنه يقول عكسها، ويؤمن بالحرية لكنه يمارس الخضوع، ويكره الاستبداد لكنه يدافع عنه حين يمتلك سلطة، وهكذا ينقسم الإنسان بين ما يعرفه سراً وما يستطيع قوله علناً.
ويقدم عدوان مثال المسؤولين الذين كانوا يعجبون بشاعر جريء ويحتفظون بتسجيلات شعره في بيوتهم، لكنهم يمنعون طباعة شعره أو إقامة أمسياته، فجرأة الشاعر مقبولة في الحياة الخاصة، لكنها تصبح خطراً حين تتحول إلى قيمة اجتماعية، وهنا تصبح الرقابة محاولة لإنتاج إنسان يراقب نفسه بنفسه.
أما “مجتمع المقموعين”، فيبدأ فيه الاستبداد بقمع فرد، ثم مجموعة، ثم المجتمع، ويعيد تشكيل علاقاته وقيمه ولغته، ليصبح القمع مألوفاً، والخوف طريقة للتعامل، والتملق وسيلة للترقي، والصمت فضيلة، والشجاعة مخاطرة، حتى يتحول القمع من قوة خارجية إلى عادة داخلية.
وفي “أصل العنف” و”الدولة القمعية”، يربط عدوان العنف بالخوف والإذلال واختلال القوة وغياب العدالة وانهيار الثقة والتربية القائمة على الطاعة العمياء، لذلك لا يكفي تغيير الأشخاص، ويجب تغيير البنية التي تنتج العنف.
وفي “الدولة القمعية” يصبح الجلاد جزءاً من جهاز قادر على إنتاج الجلادين وإعادة إنتاجهم، لذلك فإن إسقاط شخص لا يعني سقوط الثقافة التي أنتجته.
الدين والحكم والحاشية
يتناول الكتاب العلاقة بين الدين والحكم وكأنها قضية تاريخية ونقدية، حيث تبحث السلطة عن شرعية تتجاوز القوة المادية، وقد يتحول الدين في بعض السياقات إلى أداة لتثبيت السلطة أو مقاومتها.
أما “الحاشية” فتكشف أن الديكتاتور لا يحكم وحده، تحيط به شبكة من المصالح والخوف والمنافع، تبرر قراراته وتنقل أوامره وتحميه من النقد.
وفي “قلت للطاغية” يظهر صوت المواجهة، ويستعيد الإنسان قدرته على الكلام، أما “الديكتاتور” فيمثل مركز منظومة القمع، لكن الكتاب يتجاوز شخصه إلى السؤال عن العالم الذي يسمح له بالاستمرار.
ويختتم الكتاب بـ”الهامش”، مكان الضحايا والمعارضين والمهمشين والأصوات الرافضة للصمت، لكنه قد يكون أيضاً المكان الذي تحفظ فيه الحقيقة حين تصبح ممنوعة في المركز، وهكذا قد يمتلك المركز السلطة، بينما يمتلك الهامش الذاكرة.
المعنى الأعمق
يمكن اختصار المشروع الفكري لممدوح عدوان “حيونية الإنسان” في كيفية تحول الإنسان إلى وحش، وكيف يستعيد إنسانيته؟
تبدأ الحيونة حين يُختزل الإنسان إلى جسد أو رقم أو تابع أو أداة، وتتعمق حين يُسلب منه الكلام ويصبح الخوف أسلوب حياة، وتكتمل حين يبدأ في ممارسة ما مورس عليه.
والجلاد مسؤول عن فعله، والضحية لا تتحمل مسؤولية الجريمة التي ارتكبت بحقها، لكن السؤال الأخلاقي هو: ماذا نفعل بالألم بعد النجاة؟ هل نحوله إلى ذاكرة وعدالة ووعي، أم إلى رغبة في الانتقام؟ وهل يمكن أن يتحول الإنسان الذي تعرض للعنف إلى مصدر عنف جديد؟
تتمثل قيمة “حيونة الإنسان” في تفكيكه لصناعة الجلاد وتشكل الضحية، والعلاقة بين القامع والمقموع، وأثر السجن في اللغة والوعي وانتقال القمع من المؤسسة إلى المجتمع، والخوف والتملق وانهيار الثقة وقمع الأخلاق والتفكير المزدوج وعلاقة السلطة بالحاشية والدولة القمعية وأصل العنف وإمكان تحول الضحية إلى منتج جديد للعنف.
إسقاط الجلاد لا يكفي
المشكلة التي يعالجها عدوان ترتبط في منظومة تصنع الجلاد، وتدرب الضحية على الخوف وتحول الخوف إلى تملق والتملق إلى نفاق، والنفاق إلى ثقافة تنتقل من السلطة إلى المجتمع.
لذلك فإن الخلاص من الاستبداد ليس سياسياً دائماً، أيضاً هو أخلاقي وإنساني، وإسقاط الطاغية لا يكفي إذا بقيت اللغة التي صنعها، والخوف الذي زرعه والعلاقات التي أقامها والأخلاق التي قمعها.
الانتصار الحقيقي على الجلاد في أن ننجو من القمع دون أن نحمله في أرواحنا، وأن نحول الألم إلى معرفة والذاكرة إلى عدالة والخوف إلى شجاعة والهامش إلى صوت والإنسان المقموع إلى إنسان يستعيد حقه في أن يكون إنساناً.