لم يعد تعثر الاقتصاد الصيني محصوراً بانتكاسة دورية في سوق العقارات، أو عجز شركات عملاقة عن سداد ديونها، ولا حتى مجرد تباطؤ في معدلات النمو. ما يجري أعمق من ذلك: إنه اختبار للنموذج الذي صنع صعود الصين طوال العقود الماضية. فقد قامت النهضة الصينية على تحويل فائض العمل والإدخار والاستثمار إلى قدرة تصنيعية هائلة، ثم على تصريف هذه القدرة في الأسواق العالمية. واليوم تجد الصين نفسها أمام مأزق مزدوج: سوق داخلية فقدت جزءاً من قدرتها على امتصاص فائض الإنتاج، وعالم خارجي لم يعد مفتوحاً أمام منتجاتها بالشروط التي اعتادت عليها.
لكن القول إن الصين بلغت حدودها لا يعني أنها عجزت عن الصناعة. العكس هو الصحيح. الصين اليوم قوة صناعية وتقنية هائلة، وربما كانت الدولة الوحيدة القادرة على منافسة الولايات المتحدة في بعض أكثر مجالات التكنولوجيا تقدماً، خصوصاً في التشغيل واسع النطاق، والأتمتة، والبطاريات، والطاقة، والخوارزميات، والقدرة على إدارة منظومات إنتاج معقدة بأعداد واحتمالات لا تضاهيها إلا الولايات المتحدة. غير أن هناك فرقاً بين امتلاك القدرة على الصناعة وامتلاك تاريخ الصناعة.
فالصناعة ليست تكنولوجيا فقط. إنها ذاكرة طويلة تتراكم داخل المصانع، وسلاسل التوريد، والمهارات، والعلامات التجارية، وعادات الاستهلاك، والأذواق التي تتشكل عبر أجيال. ولذلك ثمة فارق بين تويوتا وتسلا لا يظهر بالضرورة في جدول المواصفات التقنية. تستطيع شركة حديثة أن تقفز تكنولوجياً إلى الأمام، لكن الطريق إلى الصناعة المستقرة يحتاج إلى زمن أكثر مما يحتاج إلى قفزة تقنية. التكنولوجيا تستطيع أن تقفز، لكن الصناعة تحتاج إلى ذاكرة.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الصينية الأكثر عمقاً. لقد تعلمت الصين كيف تصنع للعالم، لكنها لم تتعلم بالقدر نفسه كيف تجعل العالم يريد أن يعيش بالطريقة التي تصنع بها. إنها تستطيع إنتاج سيارة تنافس أفضل السيارات الأميركية والأوروبية، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تصدر معها المزاج الذي يجعل السيارة مرغوبة في كل مكان.
لنأخذ شركة فورد الأميركية مثالاً. لم تكن أهمية السيارة الأميركية في أنها قطعة ميكانيكية متفوقة فحسب، بل في أنها خرجت من مجتمع كان يعيد تعريف طريقة العيش والعمل والتنقل، ثم تحولت تلك الطريقة في العيش إلى صورة عالمية عن الحداثة. السيارة الأميركية لم تكن مجرد سلعة خرجت من المصنع. كانت تحمل معها نمطاً من الحياة. وبعد فورد جاءت منتجات وشركات أميركية كثيرة كررت العملية بأشكال مختلفة: المنتج لا يكتفي بدخول السوق العالمية، بل يدخل إليها مصحوباً برغبة في تقليد الطريقة التي أنتجته.
وهذا ما يجعل أميركا مختلفة عن الصين. الصين تستطيع أن تكون مصنع العالم، وربما تصبح مصنعاً أكثر كفاءة منه في قطاعات متزايدة، لكنها لا تزال تواجه مشكلة أعمق: قدرتها على تصدير مزاجها أقل بكثير من قدرتها على تصدير بضائعها.
أما أوروبا فتقف على الطرف المقابل. فهي تملك ذاكرة صناعية عميقة، صنعت جزءاً كبيراً من العالم الحديث: السيارات، الآلات، الكيميائيات، الأدوية، والهندسة الدقيقة. وتملك علامات تجارية لا تبيع المنتج وحده، بل تبيع تاريخاً وذوقاً وطريقة في العيش. لكنها تواجه مشكلة معاكسة للمشكلة الصينية: لديها تاريخ الصناعة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في إنتاج البنية الذكية التي ستدير الصناعة المقبلة.
أوروبا ليست فقيرة في المعرفة ولا في المهندسين ولا في الجامعات ولا في الخبرة الصناعية. مشكلتها أنها تعتمد أكثر فأكثر على منظومات خارجية في الطاقة والتقنية والمنصات الرقمية وبعض مكونات الاقتصاد الجديد. كما تثقلها كلفة الطاقة، والشيخوخة السكانية، والبيروقراطية، وتجزؤ السوق، وبطء تحويل البحث العلمي إلى شركات ومنصات قادرة على قيادة السوق العالمية. إنها تعرف كيف صنعت العالم الصناعي، لكنها لا تملك بالقدر نفسه الأدوات التي تصنع العالم الرقمي الجديد.
هكذا تتشكل أمامنا ثلاث قوىً مختلفة الوظيفة: الصين تتقن التشغيل والإنتاج واسع النطاق، وأوروبا تحمل ذاكرة الصناعة، فيما تملك أميركا القدرة الأوسع على الجمع بين الصناعة والتكنولوجيا والسوق وصناعة الرغبة.
وهذه الأخيرة هي النقطة الحاسمة.
فالقوة الاقتصادية لا تتحدد فقط بمن ينتج السلعة بأرخص سعر، بل بمن يملك القدرة على جعل العالم يرغب فيها. السوق الأميركية لا تختبر المنتجات وحسب. إنها تختبر قدرة السلعة المنتجة على التحول إلى عادة، والعادة إلى نمط حياة، ونمط الحياة إلى معيار عالمي. ولذلك تستطيع أميركا أن تحول منتجاً محلياً إلى سلعة عالمية، ثم تتيح لسوقها نفسها إنتاج البديل عندما يصبح المنتج غالياً أو متقادماً.
التمعن في هذه القدرة يمكّننا من فهم القوة الخاصة للدولار. فالدولار لا يمنح حامله القدرة على شراء السلعة فحسب، بل يمنحه الدخول إلى السوق التي تُختبر فيها السلع قبل أن تتحول إلى معايير عالمية. المستهلك داخل الولايات المتحدة لا يشتري بالضرورة أرخص سلعة في العالم، لكنه يشتري داخل سوق كثيفة المنافسة، تحيط بها قواعد للسلامة والرقابة، وتحمي المستهلك من المنتج الرديء، وتتيح له الانتقال السريع من منتج إلى آخر. وحين ينجح منتج ما في السوق الأميركية، يستطيع أن يجد طريقه إلى الأسواق الأخرى، فيصبح الطلب العالمي عليه جزءاً من دورة جديدة من الإنتاج والمنافسة.
لهذا لا تكمن قوة الاقتصاد الأميركي في أن كل شيء فيه أرخص من كل مكان آخر، فهذا غير صحيح، بل في امتلاكه قدرة استثنائية على إنتاج البدائل. حين ترتفع قيمة منتج ما، يظهر منافس جديد. وحين يصبح المنافس الجديد معياراً، يظهر بعده منافس ثالث. السوق لا تتوقف عند السلعة. إنها تستمر في إنتاج ما سيحل محلها. لهذا يمكننا القول إن الدولار هو أكثر من تذكرة شراء. إنه تذكرة دخول إلى سوق قادرة على تجديد ما تشتريه باستمرار.
في المقابل، تجد الصين نفسها أمام مشكلة فائض لا يمكن حلها بسهولة بمجرد زيادة الإنتاج. لقد نجحت في بناء قدرة تصنيعية تفوق قدرة الطلب الداخلي على استيعابها، واعتمدت طويلاً على تصريف هذا الفائض في الخارج. لكن الأسواق الغربية نفسها بدأت تضيق أمام بعض السلع الصينية، سواء بفعل القيود التجارية أو المخاوف الاستراتيجية أو الرغبة في إعادة بناء بعض سلاسل الإمداد داخل المجال الغربي. وفي الوقت نفسه، لم يعد الاستثمار العقاري قادراً على أداء الدور الذي أداه طوال سنوات في تحويل الادخار الصيني إلى نمو.
المشكلة إذن ليست أن التنين لا يستطيع أن يصنع، بل أنه يصنع أكثر مما تستطيع منظومته الحالية أن تستهلكه أو تصدره بالشروط القديمة.
ما تقدم كله لا يوضح تماماً الموقع الأميركي في العالم الذي يبدو لأول مرة من دون أعداء، لأن القوى العالمية تعاني من نواقص بنيوية لتتمكن من التحول إلى عدو وبديل، وفي الوقت نفسه يظهر الأميركي اليوم، ولأول مرة في التاريخ الحديث بلا حلفاء، فلقد دمرت إدارته كل الركائز التي قامت عليها التحالفات السابقة. والحال، لم تعد واشنطن تحتاج بالدرجة نفسها إلى تقديم نفسها للعالم بوصفها المعلّم الذي يأتي بالديمقراطية وحقوق الإنسان ليعلّم الدول كيف تحكم نفسها. لا يعني ذلك أن هذه اللغة اختفت، ولا أن المصالح الأميركية انفصلت عنها تماماً، بل إن مركزها في السياسة الخارجية يتراجع أمام منطق آخر أكثر مباشرة: من يستطيع أن يكون شريكاً مفيداً في التجارة، والطاقة، والتكنولوجيا، والأمن، والاستثمار؟
لقد بدأت أميركا تتعامل مع العالم بدرجة أكبر من الصراحة السيادية: لا تسأل الدولة فقط عن هويتها السياسية، بل عن وظيفتها في النظام الجديد. لم يعد مطلوباً بالضرورة أن تكون مثلنا ومؤمناً بقيمنا كي تصبح شريكاً. يكفي، في كثير من الأحيان، أن تكون مفيداً.
هذا التحول ينهي تدريجياً جزءاً من الوصاية الأوروبية القديمة التي حكمت العلاقات الدولية. فالدول الغربية كانت تستطيع أن تتعامل مع نفسها بوصفها حاملة نموذج سياسي واجتماعي يجب على الآخرين الاقتراب منه. أما رأس المال فلا يملك هذه الحساسية. إنه يبحث عن الطاقة الرخيصة، والموقع الجغرافي، والسيولة، والسوق، والاستقرار، واليد العاملة القابلة للتأهيل، والبنية التحتية، والقدرة على استيعاب التكنولوجيا.
من هذه الزاوية يمكننا قراءة التغيرات التي تحيط بالشرق الأوسط وطبيعة الخرائط الجديدة المقترحة.
فالمنطقة تمتلك عناصر أصبحت أكثر أهمية في الاقتصاد المقبل: الطاقة، والسيولة السيادية، والموقع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وأسواق واسعة، وكتلة بشرية شابة في أجزاء كبيرة منها، ومدناً تستطيع استيعاب بنى تحتية جديدة، ورغبة واضحة لدى بعض دولها في الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة واللوجستيات.
والأهم أن بعض هذه الدول لا تريد فقط تصدير النفط، بل تريد تحويل عائداته إلى رأس مال يستقر داخل المنطقة ويعيد تشكيلها. فإذا نجحت هذه العملية، يمكن للشرق الأوسط أن ينتقل من كونه مستودعاً للطاقة وممراً للتجارة إلى عقدة في شبكة رأس المال والتكنولوجيا الجديدة.
لكن الفرصة لا تعني المصير طبعاً.
فامتلاك المال والطاقة والموقع لا يكفي لصناعة اقتصاد جديد. والسؤال الحاسم ليس كم من رأس المال سيصل إلى المنطقة، بل ما الذي ستنتجه المنطقة بهذا الرأسمال. هل ستصبح سوقاً ضخمة للمنتجات والتقنيات التي تنتجها القوى الكبرى؟ أم ستتمكن من بناء قاعدة إنتاجية وتقنية تجعلها شريكاً في صناعة المستقبل؟
وهذه المسألة ستكون حاسمة في تحديد موقع المنطقة في خريطة العالم الجديد. فالشرق الأوسط قد يصبح موضع الجاذبية الجديد لرأس المال من دون أن يصبح صاحبه. وقد يتحول إلى مركز عالمي للاستثمار والطاقة والبيانات والخدمات، أو يبقى مستأجراً ممتازاً في اقتصاد يقرر آخرون شروطه.
وفي هذا السياق تحديداً تبدو إسرائيل أمام تحول استراتيجي عميق.
لقد بنت إسرائيل جزءاً مهماً من سرديتها السياسية على كونها “الواحة الغربية الديمقراطية” وسط محيط من الاستبداد، واستثمرت في هذا الموقع لتبرير احتكارها للرعاية الأميركية والاعتماد على قوتها العسكرية، بوصفها أداة لحماية المصالح الغربية في المنطقة. لكن إذا أصبحت واشنطن أكثر استعداداً لبناء شبكة مباشرة من الشراكات الاقتصادية والأمنية مع الدول العربية، فإن احتكار إسرائيل لهذه الوظيفة يبدأ بالتراجع.
المسألة ليست أن إسرائيل ستصبح بلا وظيفة، بل أن وظيفتها نفسها ستتغير. السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: هل تحتاج أميركا إلى إسرائيل؟ بل: أي إسرائيل تحتاج أميركا؟
فإذا أصبحت التجارة والاستثمار والطاقة والبيانات والممرات اللوجستية هي العمود الفقري للشرق الأوسط الجديد، فإن الحروب الدائمة تصبح كلفة على الشبكة التي يفترض أن تحميها القوة الأميركية. عندها قد تتحول إسرائيل من وكيل أمني لا غنىً عنه إلى مكوّن أمني وتقني داخل منظومة إقليمية أوسع، تشارك فيها قوىً عربية تمتلك المال والطاقة والموقع والسوق.
ولن تتوقف إعادة رسم الخريطة عند حركة الأموال والسلع. فحين تتغير جغرافيا رأس المال، تبدأ جغرافيا البشر نفسها في التحرك.
بهذا المعنى، فإن الحلم الأميركي الذي تأسس حول نيويورك ولوس أنجلس ومدن الثراء الكبرى ولم يعد متاحاً بالسهولة نفسها لقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى. قد يبدل بوصلته. فارتفاع كلفة السكن، والخدمات، والتأمين، والحياة اليومية، جعل امتلاك الرفاهية في بعض المدن الأميركية أكثر كلفة مما كان عليه في السابق. وفي المقابل، تستطيع بعض مدن الشرق الأوسط، بفضل الاستثمار العمراني والسياحي والبنية التحتية الحديثة وانخفاض بعض تكاليف الحياة، أن تتحول إلى وجهة جذابة لرأس المال البشري المتقاعد أو المتنقل. ومن شأن هذا التحول أن ينتج المفارقة التالية: لن يبقى الشرق الأوسط مجرد مكان يأتي إليه رأس المال ليستثمر في النفط أو العقارات، بل يمكن أن يصبح مكاناً يأتي إليه صاحب رأس المال نفسه لينفق فيه جزءاً من ثروته ويعيش فيه.
بين مراوحة النموذج الصيني، وأزمة النموذج الصناعي الأوروبي، والتحول الأميركي من الوصاية إلى الشراكة، تتغير خريطة رأس المال العالمي. لكن هذه الخريطة لا تعلن ببساطة انتقال القيادة من دولة إلى أخرى. إنها تشير إلى تحول أعمق: من عالم كانت فيه القوة تقاس بالقدرة على السيطرة على الدول، إلى عالم تزداد فيه أهمية القدرة على التحكم في دورات الإنتاج والرغبة ورأس المال والتكنولوجيا.
الصين قوية وضرورية، لكنها لا تزال تكافح لتحويل قوتها الإنتاجية إلى مزاج عالمي. أوروبا تملك ذاكرة الصناعة، لكنها تكافح كي لا تصبح ذاكرتها بديلاً من مستقبلها. أما أميركا فتظل في موقع استثنائي لأنها تجمع بين التكنولوجيا، والسوق، ورأس المال، والطاقة، والقدرة على تحويل المنتج إلى رغبة عالمية.
وفي هذا العالم الجديد، قد تكون الجغرافيا العربية أمام فرصة تاريخية. لكن الفرصة لن تكون في أن تصبح المنطقة مكاناً يمر فيه رأس المال فحسب، بل في أن تصبح مكانا ينتج جزءاً من الاتجاه الذي يسير فيه رأس المال.
فالخريطة الجديدة لا تسأل فقط: أين ستذهب الأموال؟ بل تسأل سؤالاً أصعب: من يملك القدرة على تحويلها إلى مستقبل؟