ملخص
تكثف روسيا ضرباتها الجوية على كييف ومدن بعيدة من الجبهة في محاولة لاستنزاف الاقتصاد الأوكراني وكسر معنويات السكان، بعدما أخفقت مكاسبها الميدانية وحدها في حسم الحرب. وترى المادة أن صمود أوكرانيا بات مرتبطاً بزيادة الدعم المالي والعسكري الغربي، واستخدام الأصول الروسية المجمدة، وتوسيع قدرتها على ضرب مصادر الهجمات داخل روسيا.
منذ بداية يوليو (تموز)، تتعرض العاصمة الأوكرانية كييف لقصف روسي مكثف بالطائرات المسيرة والصواريخ، في حملة غير مسبوقة من حيث شدتها. ولا تكاد صافرات الإنذار من الغارات الجوية تتوقف ليلاً أو نهاراً، إذ تحذر السكان من هجمات وشيكة وتدفعهم إلى الاحتماء في الملاجئ تحت الأرض. وقد نجحت الدفاعات الأوكرانية في إسقاط عدد كبير من الطائرات المسيرة، لكن بعضها تمكن من اختراقها، فيما نجحت معظم الصواريخ الباليستية في الوصول إلى أهدافها، مدمرة مباني وموقعة قتلى بين المدنيين، بلغ عددهم حتى الآن نحو 100 شخص. ومع استمرار هذا القصف بهذه الوتيرة، أخذ الأوكرانيون في الأسابيع الأخيرة يتداولون على منصتي “إنستغرام” و”تيك توك” نكتة مريرة تقول: “الحمد لله أنني أعيش في كييف، فلا داعي لأن أخطط للمستقبل”.
غير أن القدرات الأوكرانية الجديدة لم تفلح في تحقيق النصر، وفي صيف العام الحالي كثفت روسيا بصورة حادة استخدامها للصواريخ الباليستية ونشرت أعداداً كبيرة وغير مسبوقة من الطائرات المسيرة، السريعة وبعيدة المدى، العاملة بالمحركات النفاثة. كما وسعت نطاق أهدافها، ففي السابق كان الجيش الروسي يركز معظم قوته النارية على المدن والبلدات القريبة من خطوط المواجهة، ولا سيما في منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، لكنه بدأ الآن في شن قصف مكثف على المدن الواقعة في العمق الأوكراني، وفي مقدمها كييف، بل وامتدت هجماته لتصل أيضاً إلى مناطق تقع على امتداد الحدود الغربية لأوكرانيا.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى تبني روسيا نظرية جديدة لتحقيق النصر، إذ لم تعد موسكو تعول على حسم المعركة بمجرد الاستيلاء على المدن أو حتى تدمير البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. بدلاً من ذلك، تسعى إلى زعزعة الاقتصاد الأوكراني برمته وكسر معنويات السكان من خلال بث الرعب في المراكز الحضرية. وهي تهدف إلى جعل الحياة في المدن لا تطاق، إلى حد يدفع السكان والشركات إلى الرحيل، كما أنها تسعى إلى قطع الروابط اللوجستية بين المناطق الحضرية الكبرى. وتراهن موسكو على أن هذا النهج سيؤجج غضب الأوكرانيين تجاه حكومتهم بسبب عجزها عن حمايتهم، مما سيضعف تماسك البلاد وعزيمتها على الصمود، وهما عاملان كثيراً ما حظيا بإعجاب واسع.
ولكن لا يوجد ضمان لنجاح هذه الخطة، فأوكرانيا دولة شاسعة المساحة، وتتمتع بنظام لا مركزي، كما أنها تمتلك من القدرات والصمود ما يفوق بكثير تقديرات عدد كبير من داعميها حتى. ومع ذلك، يمر اقتصاد البلاد بوضع بالغ الصعوبة، وتواجه الحكومة عجزاً في الموازنة يتطلب مساعدة خارجية لسده. وتراهن موسكو على أن هذه المساعدة لن تصل في القريب العاجل، إذ تعتقد أن الثمن الذي تبدي واشنطن وأوروبا استعداداً لدفعه من أجل دعم كييف يظل محدوداً، في حين أن الثمن الذي تستعد روسيا لدفعه من أجل السيطرة على أوكرانيا لا سقف له. بالتالي، لا تتمثل غاية روسيا الأساسية في السيطرة على الأراضي الأوكرانية أو تدمير بنيتها التحتية، بل في كسر إرادة الأوكرانيين وشركائهم.
التشبث بالحياة
لم يكن أحد في أوكرانيا بمنأى يوماً عن تداعيات الغزو الروسي، فقد قاتل أناس من كل مدينة ومنطقة، وقدموا أرواحهم فداء لدولتهم. وتعاني المتاجر في كل أنحاء البلاد نقصاً في السلع، فيما يواصل الاقتصاد انكماشه. ومع ذلك، تفاوتت وطأة الغزو من منطقة إلى أخرى. فالسكان الذين يعيشون بالقرب من خطوط الجبهة واجهوا قصفاً متواصلاً وخطراً وشيكاً بالاحتلال، في حين كان بوسع من يعيشون في المناطق الأبعد، في بعض الأحيان، أن يعزلوا أنفسهم عن أجواء الحرب ويتابعوا حياتهم بعيداً منها.
لكن هذا بدأ يتغير الآن، مع انتقال روسيا إلى استهداف مناطق بعيدة عن ساحة المعركة. ففي كييف، مثلاً، كان السكان يتعرضون في السابق لبضع موجات من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ أسبوعياً، وكانت هذه الهجمات تعرقل الحياة، لكن ليس لدرجة تمنع سكان المدينة من مواصلة أنشطتهم اليومية وحياتهم المعتادة. أما الآن، فروسيا ترسل المقذوفات باستمرار باتجاه العاصمة، ليلاً ونهاراً. وفي الـ27 من أغسطس (آب)، سجلت كييف رقماً قياسياً بلغ 13 إنذاراً بالغارات الجوية في يوم واحد. وفي ليلة الثامن من سبتمبر (أيلول)، استمر أحد الإنذارات 10 ساعات كاملة، من الساعة 7:39 مساء حتى 5:40 صباحاً. وبعد أسبوعين، لم يكن شيء قد تغير: فقد شهدت كييف 11 إنذاراً في الـ23 من سبتمبر، وإنذاراً آخر استمر تسع ساعات في صباح اليوم التالي. قبل شهر، كنا نحن الذين نعيش في المدينة نخلد إلى النوم ونحن نتوقع هجوماً ليلياً كبيراً، لكننا نعرف في الوقت نفسه أن ذلك سيعقبه على الأرجح يوم عمل عادي. أما اليوم، فنحن نعيش وسط صفارات إنذار وفوضى لا تنقطع.
وحتى الآن، كانت كييف الأكثر تضرراً من تكثيف موسكو لقصفها، لكن الهجمات الروسية بدأت تطاول أيضاً مدناً أخرى كانت تتمتع نسبياً بالحماية. ففي ليلة الـ30 من يوليو، أطلقت روسيا أكثر من 20 صاروخ كروز على مدينة لفيف، التي لا تبعد سوى 45 ميلاً من الحدود البولندية، مما أسفر عن مقتل شرطي يبلغ من العمر 35 سنة وإصابة 38 شخصاً. وفي منتصف سبتمبر، وصلت الطائرات المسيرة إلى مدينة لوتسك في غرب أوكرانيا، وتسببت في اندلاع حريق في عربة قطار للركاب. كما هاجمت روسيا إيفانو فرانكيفسك وترنوبل وستري، وجميعها مدن تقع في عمق الأراضي الأوكرانية. وفي أنحاء البلاد، تدمر القوات الروسية مستودعات ومراكز لتوزيع الأدوية ومراكز بيانات توفر خدمات الإنترنت، وقد يأتي يوم تستهدف فيه المنشآت التي تضمن استمرار عمل شبكات الصرف الصحي في أوكرانيا.
إن الإرهاب المقبل من الجو أنهك المجتمع الأوكراني، ويبذل الناس جهوداً استثنائية، للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد وهم يتكيفون مع ظروف تزداد قسوة يوماً بعد يوم، وقد استحقوا عن جدارة إعجاب العالم أجمع. لكن من المهم أن ندرك أن الأوكرانيين يتمسكون بالصمود، لأنهم يعرفون أن الاستسلام سيجعل حياتهم أسوأ بكثير، وهو ما تؤكده ممارسات روسيا في الأراضي التي احتلتها. ومع ذلك، قد لا يتمكنون من الصمود إلى ما لا نهاية. ولا توجد، في الوقت الراهن، مؤشرات على أن البلاد بلغت نقطة الانهيار، لكن لا أحد يعرف متى قد تصل البلاد إلى تلك النقطة.
صديق وقت الضيق
لتفادي الانهيار، على الحكومة الأوكرانية التحرك سريعاً على أكثر من جبهة. وأولى الخطوات أن يقر البرلمان من دون إبطاء التشريعات المطلوبة للحصول على الأموال التي تعهد المانحون بتقديمها إلى كييف، وغالباً ما تنطوي هذه القوانين على زيادة بعض الرسوم والضرائب المحلية. ومن بين مطالب الجهات المقرضة، إلغاء الامتياز الضريبي الممنوح للواردات منخفضة القيمة من منصات التسوق الأجنبية، عبر فرض ضريبة القيمة المضافة على الطرود التي تقل قيمتها عن 150 يورو (نحو 170 دولاراً أميركياً)، ومعظمها يأتي من الصين. غير أن فرض إجراءات كهذه على شعب يزداد فقراً تحت وطأة الحرب ليس أمراً سهلاً، كما أنها لا تحظى بشعبية، مما يدفع المشرعين مراراً إلى تأجيلها، لكن خطورة الوضع لم تعد تسمح بمزيد من التأخير.
كما يتعين على الحكومة تحسين نظام المشتريات العامة، ولا سيما في قطاعي الأمن والدفاع. صحيح أن أوجه الخلل فيه، مثل دفع قيمة عقود مسبقاً ثم تأخر تسليم ما تم التعاقد عليه لأشهر، لا ترقى إلى مشكلة ممنهجة، لكن أوكرانيا لا تملك هامشاً يسمح بمثل هذه الأخطاء. وعليها أيضاً القضاء على الممارسات التي قد تفجر فضائح فساد كبرى، حتى إن لم تكن مرتبطة مباشرة بالإنفاق الدفاعي، مثل مخطط العمولات غير المشروعة الذي كشف عنه في شركة تشغيل الطاقة النووية الحكومية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وقد حقق “المكتب الوطني لمكافحة الفساد” NABU و”مكتب المدعي العام المتخصص لمكافحة الفساد” SAP تقدماً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، عبر ملاحقة قضايا بعثت برسالة واضحة إلى المسؤولين والرأي العام مفادها بأن أحداً في أوكرانيا ليس بمنأى عن المحاسبة. ومع ذلك، لا تزال أمام الحكومة خطوات أخرى يمكن اتخاذها للحد من الفساد.
ومع ذلك، هناك حدود لما تستطيع أوكرانيا فعله بنفسها لتعزيز موقفها. فمهما بلغ عدد الإصلاحات التي تجريها كييف، تظل الحقيقة المؤسفة أنها لا تملك ما يكفي من المال لتمويل نفسها. وقدرت الحكومة، في سبتمبر (أيلول) 2026، أنها ستحتاج إلى 52 مليار دولار من التمويل الخارجي في عام 2027 لتلبية احتياجاتها، في حين أن 20 مليار دولار فقط من هذا المبلغ مضمون حالياً.
على مدى السنوات الماضية، ساعدت الولايات المتحدة وأوروبا كييف في تلبية احتياجاتها المتعلقة بالموازنة من خلال المنح والقروض، لكن واشنطن أوضحت أنها لن تقدم لكييف دعماً مالياً بعد الآن. وقد خصص الاتحاد الأوروبي نحو 100 مليار دولار من المساعدات لعامي 2026 و2027، لكنه متردد في تخصيص أموال إضافية، في ظل مواجهة دوله ضغوطاً مالية وسياسية. وأكثر الحلول وضوحاً هو أن يضع الاتحاد الأوروبي الأصول الروسية المجمدة، التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار، تحت تصرف أوكرانيا. وعموماً، يؤيد أعضاء الاتحاد منح هذه الأموال لكييف. لكن معظمها محتجز لدى “يوروكلير”، وهي جهة إيداع أوراق مالية بلجيكية، وتخشى بروكسل أن يؤدي تسليم هذه الأصول إلى دعاوى قضائية تجبرها في نهاية المطاف على إعادة الأموال لموسكو. كما يخشى البنك المركزي الأوروبي وبروكسل أن تؤدي مصادرة الاحتياطات الروسية إلى الإضرار بمكانة اليورو وبسمعة بلجيكا باعتبارها ملاذاً آمناً للأموال. أما واشنطن، من جانبها، فتريد إبقاء الأصول مجمدة لكي تتمكن من استخدامها كورقة ضغط على موسكو. لكن إذا عجزت دول الاتحاد الأوروبي عن تلبية احتياجات أوكرانيا المالية بنفسها، فسيتعين عليها تجاهل المخاوف الأميركية وتهدئة المخاوف البلجيكية، من خلال التشارك في تحمل الأخطار القانونية التي قد تتعرض لها بلجيكا. وحتى لو قررت هذه الدول أنها قادرة على دفع مزيد من الأموال بنفسها، فإن الخيار بين أخذ المال من جيوبها الخاصة أو من جيوب روسيا سيكون واضحاً.
أنهك الإرهاب القادم من الجو المجتمع الأوكراني
وينبغي للاتحاد الأوروبي أيضاً أن يتجاوز المحظور المتعلق بتمويل رواتب أفراد القوات المسلحة الأوكرانية، فعلى رغم أن الأموال الأوروبية تتيح لكييف شراء مختلف أنواع الأسلحة، إلا أن القارة كثيراً ما اعتبرت أنه من غير المقبول تغطية تكاليف الأفراد. وهذه القاعدة غير منطقية من المنظور الأوروبي: فلا فرق أخلاقياً بين دفع ثمن الذخيرة ودفع رواتب الأشخاص الذين يطلقونها. لكنه يمثل فارقاً كبيراً بالنسبة إلى كييف، فدفع رواتب الجنود الأوكرانيين هو أهم مهمات الحكومة وأكثرها كلفة. (هذا العام، من المتوقع أن تنفق البلاد 35 مليار دولار على الأفراد العسكريين). ونتيجة لذلك، يشكل هذا الأمر مصدر ضغط هائل على المسؤولين الأوكرانيين ويستنزف حصة كبيرة من عائدات الضرائب في البلاد، وإذا تمكنت مصادر خارجية من تحمل جزء في الأقل من كلفة رواتب الجنود، فستشعر كييف باطمئنان أكبر إلى وضع موازنتها العسكرية، وبالتالي ستكون مستعدة لتوجيه الموارد نحو دعم اقتصادها ككل.
ويتعين على أوروبا، بطبيعة الحال، بذل مزيد من الجهود لمساعدة أوكرانيا في إنتاج الأسلحة، لكن ينبغي تحسين توجيه هذه المساعدة. ففي الوقت الراهن، على سبيل المثال، يتركز معظم النقاش في شأن تزويد كييف بالأسلحة على توفير مزيد من وسائل اعتراض الصواريخ والمسيرات، لكن على رغم أن توفير الدفاعات الجوية أمر بالغ الأهمية، فإن حماية الأجواء الأوكرانية لا يمكن أن تكون الاستراتيجية الوحيدة، وذلك لأسباب حسابية بحتة. فمخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت الاعتراضية آخذ في النفاد، ولا تنتج البلاد أكثر من 840 صاروخاً منها سنوياً على أقصى تقدير، وهي كمية يتعين عليها توزيعها بينها وبين جميع شركائها. في المقابل، تنتج روسيا أكثر من 1200 صاروخ باليستي وشبه باليستي جديد سنوياً، ثم تعزز ترسانتها بصواريخ من كوريا الشمالية.
في نهاية المطاف، من المرجح أن يبتكر الأوكرانيون دفاعات جوية يمكن تصنيعها بسرعة أكبر وبكلفة أقل من الأنظمة الموجودة حالياً، تماماً كما ابتكروا مسيرات هجومية متطورة. لكن إلى أن يحدث ذلك، تحتاج كييف إلى أن تسبق موسكو بخطوة وتوقف قدرتها على إحداث هذا الدمار من الجو، وهذا يعني ضرب منشآت الإنتاج الروسية وأنظمة الإطلاق والخطوط اللوجستية. ومن جانبها، يمكن للعواصم الغربية أن تزود كييف سريعاً بمزيد من الأسلحة بعيدة المدى، وأن ترفع جميع القيود السياسية والتقنية المفروضة على كيفية استخدامها. فهذه القيود لا تمثل حذراً أو تعقلاً، بل تتيح لموسكو استخدام العمق الروسي كملاذ آمن، وتعزز اعتقاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه يستطيع مواصلة الحرب من دون مواجهة عواقب إضافية.
المساعدة المتبادلة
يدرك كثير من المسؤولين الغربيين جيداً ما تحتاج إليه أوكرانيا وما ينبغي عليهم فعله، لكن بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على اندلاع الحرب، بدأوا يتذمرون من ضرورة مواصلة دعم كييف. بل إن بعض القادة، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يعارضون حتى زيادة الضغط على بوتين، ويأملون في استمالته بالكلام إلى إبرام صفقة.
لكن الدبلوماسية، في واقع الأمر، لن تكون كافية لإنهاء الصراع. فحتى لو وافقت كييف على التنازل عما تبقى تحت سيطرتها من أراضي دونباس، كما تطالب موسكو، فلن يرضي ذلك الكرملين. إذ ظل بوتين، على مدى سنوات، متمسكاً بمشروع إخضاع أوكرانيا بأكملها، وكرر الهجوم عليها سعياً إلى السيطرة عليها بالكامل. أما اليوم، فقد باتت الحرب جزءاً أساسياً من بنية النظام الروسي نفسه. فقد أعاد بوتين توجيه الاقتصاد والنظام السياسي لخدمة المجهود الحربي، وضخ الاستثمارات في مصانع الأسلحة، ومنح أبرز دعاة استمرار الحرب أدواراً محورية في الحكم. ولهذا، قد يشكل إنهاء الحرب خطراً على نظامه يفوق في نظره أخطار استمرارها واتساع نطاقها.
ويبدو أن بعض القادة الغربيين يميلون، على رغم ذلك، إلى قطع الدعم عن كييف، اعتقاداً منهم بأن الأمر لا يمثل أهمية كبيرة لحكوماتهم. لكن هذا التفكير خاطئ: فمساعدة أوكرانيا في إنهاء الحرب بصورة حاسمة تصب إلى حد كبير في مصلحة حلف شمال الأطلسي. لننظر أولاً إلى التكاليف الاقتصادية النسبية، فقد خلصت دراسة نرويجية حديثة أجرتها شركة “كوريسك” الاستشارية، ومقرها أوسلو، بالتعاون مع “المعهد النرويجي للشؤون الدولية”، إلى أن انتصار روسيا سيكلف أوروبا نحو 1.3 إلى 1.8 تريليون دولار على مدى أربع سنوات. وفي المقابل، تبلغ كلفة تقديم دعم كاف لأوكرانيا خلال السنوات الأربع نفسها، نحو 570 إلى 910 مليارات دولار.
يتطلع الأوكرانيون إلى مؤشرات تؤكد أن مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا رجعة فيه
وقد تهاجم روسيا أيضاً أراضي “الناتو”، ربما قبل انتهاء الحرب الحالية. فطموحات بوتين، في نهاية المطاف، تتجاوز هذا الجار وحده. فعلى مدى 20 عاماً، صورت الدعاية الروسية واشنطن وأوروبا بأكملها على أنهما عدوان لروسيا. وفي مسودات المعاهدات التي قدمها إلى الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) 2021، بينما كان المسؤولون الأميركيون يسعون إلى تفادي الحرب، طالب بوتين الحلف بإعادة وجوده العسكري إلى ما كان عليه عند حدود عام 1997. والآن، يمارس بوتين شتى أنواع الاستفزازات ضد دول الحلف، بما في ذلك تسيير مسيرات فوق أراضي تلك الدول. ونتيجة لذلك، بدأ كثير من كبار المسؤولين الغربيين يحذرون أخيراً من أن شن روسيا هجوماً على الاتحاد الأوروبي أمر وارد تماماً. وقد تبدأ روسيا مثل هذه العملية قبل أن تحقق أهدافها في أوكرانيا، لكن إذا آثرت الانتظار حتى تحقق تلك الأهداف، فإن الصراع الذي سيعقب ذلك سيكون مدمراً بصورة خاصة. فالجيش الأوكراني هو حالياً القوة الوحيدة التي تشكل ثقلاً موازناً حقيقياً للقوة العسكرية الروسية في القارة، وعندئذ يمكن أن تتجه هذه القوة الروسية نفسها ضد أوروبا.
وعلى النقيض من ذلك، فإن تقديم المساعدة لأوكرانيا الآن سيساعد حلف شمال الأطلسي في استيعاب قدر كبير من المعرفة والخبرات التي جعلت قوات كييف فعالة إلى هذا الحد. فقد طورت شركات الدفاع الأوكرانية ابتكارات كبيرة، وهي تتقاسمها بالفعل مع شركائها، ويمكنها نقل مزيد منها إليهم، إلا أن الشركات الأوكرانية تعاني نقصاً في رأس المال، وتفتقر إلى المواقع الآمنة التي يمكنها فيها توسيع الإنتاج. (فعلى سبيل المثال، لا يحظى حالياً بالتمويل سوى نحو 30 في المئة من الطاقة الإنتاجية لشركات الصناعات الدفاعية الأوكرانية). ولذلك ينبغي لأوروبا إطلاق مزيد من المشاريع المشتركة مع المصنعين الأوكرانيين على أراضي الاتحاد الأوروبي، وتوقيع مزيد من عقود الشراء طويلة الأجل مع المصنعين الأوكرانيين، بما يتيح لهذه الشركات جذب رؤوس أموال خاصة، ومنح الشركات الأوكرانية إمكان الوصول الكامل إلى برامج التمويل الدفاعي الأوروبية، مثل مبادرة “العمل الأمني من أجل أوروبا” التابعة للاتحاد الأوروبي. وهذا من شأنه أن يساعد كييف في إنتاج مزيد من الأسلحة، وأن يضع المهندسين العسكريين الأوكرانيين ذوي الخبرة الاستثنائية داخل المصانع الأوروبية، إذ يمكنهم نقل خبراتهم إلى جيوش “الناتو” في كيفية مواجهة أكبر خصومها، في مقابل جزء ضئيل من المبالغ التي تنفقها حالياً على الأسلحة، ومن شأن ذلك أن يسمح لأوروبا بالارتقاء بصناعتها الدفاعية إلى مستوى جديد تماماً.
وقد أوضحت إدارة ترمب أنها لن تضخ مزيداً من الاستثمارات المباشرة في القطاع العسكري الأوكراني، لكن كييف تستخدم بالفعل خبراتها للمساعدة في تحسين القوات المسلحة الأميركية، ومن ذلك تقديم المشورة للولايات المتحدة في شأن حرب المسيرات، في وقت تخوض فيه واشنطن حرباً مع إيران. وقد صرح عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن واشنطن لديها أمور كثيرة لتتعلمها من أوكرانيا. لذا، فقد آن الأوان للإدارة الأميركية والكونغرس لتشجيع الاستثمار الأميركي الخاص في مجال الدفاع الأوكراني.
وبالطبع، فإن أفضل وسيلة لدمج ابتكارات أوكرانيا الدفاعية بصورة أفضل في الجيوش الغربية ستكون انضمام كييف إلى المؤسسات الغربية. وفي ما يتعلق بحلف شمال الأطلسي، من غير المرجح أن تتحقق هذه النتيجة في المستقبل القريب، في ظل الاعتراضات الأميركية والألمانية. في المقابل، لا يزال الاتحاد الأوروبي يؤكد أن أوكرانيا ستنضم إلى صفوفه، لكنه ظل غامضاً في شأن موعد الانضمام وآليته. ويتعين على الاتحاد أن يبدأ في تقديم مزيد من الوضوح على الصعيدين، ولا يتوقع الأوكرانيون دخول الاتحاد الأوروبي غداً، لكنهم يتوقعون مؤشرات منتظمة على أن المسار نحو العضوية الكاملة يمضي بثبات ولا رجعة فيه. ويستمد الشعب الأوكراني قوته من الأمل في أنه يعاني من أجل أن يعيش الحياة الهادئة والكريمة التي يتمتع بها مواطنون آخرون في أوروبا، ومن شأن مسار واضح نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن يعزز إرادة الأوكرانيين.
القدرة على الصمود
على مدى سنوات، فشل القادة الغربيون في فهم طريقة تفكير موسكو. والآن، بينما يعمل مسؤولو حلف شمال الأطلسي على تحديد سبل دعم كييف خلال الأشهر الستة المقبلة، أوضح بوتين أنه يعيد تنظيم دولته استعداداً لمواجهة طويلة الأمد. فهو يعتزم كسر معنويات الأوكرانيين من خلال تدمير اقتصاد البلاد وقطع الدعم الخارجي عنها، كما يتدخل في السياسة الأوروبية لدفعها بعيداً من دعم أوكرانيا. وإذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا أن يخسر الرئيس الروسي، فعليهما أن تمتلكا الإرادة اللازمة للصمود مدة أطول منه.
ولا يزال الأوكرانيون مصممين على مواصلة القتال، وعلى رغم قتامة الوضع، تملك البلاد المقومات اللازمة للصمود خلال الشتاء، لكن الربيع لن يحمل معه وقفاً لإطلاق النار. ولذلك حان الوقت لأن تضمن أوروبا والولايات المتحدة حصول الأوكرانيين على ما يحتاجون إليه، ليس فقط للصمود، بل أيضاً للرد على الهجمات. وعليهما العمل جنباً إلى جنب مع أوكرانيا لإثبات فشل نظرية روسيا لتحقيق النصر، وإعادة كييف مدينة يستطيع سكانها التخطيط للمستقبل من جديد.
دميترو كوليبا شغل منصب وزير خارجية أوكرانيا من عام 2020 إلى عام 2024، وهو زميل أول في مركز “بيلفر” بجامعة “هارفارد”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، في 30 سبتمبر (أيلول) 2026
