ملخص
قد تبدو خسائر النفط والغاز محدودة، لكن تزامنها مع النقص الناجم عن أزمة البحار الثلاثة ضاعف أثرها مقارنة بما كان سيحدث في الظروف العادية. كما ذكر الإعصار أوروبا بأن اعتمادها الكبير على الغاز المسال الأميركي يعرض أمنها الطاقي والقومي للخطر.
الأزمة الراهنة متعددة الأطراف والمستويات، وتمتد عبر موارد طبيعية وصناعات عديدة، ويتوقع أن تحدث تحولات عالمية واسعة. وهي لا تقتصر على النفط والغاز، بل تشمل الكبريت والهيليوم والأسمدة والميثانول والغازات السائلة والبتروكيماويات والألمنيوم وغيرها.
ليست الأزمة الراهنة أزمة هرمز وحدها، بل أزمة البحار الثلاثة: الخليج والبحر الأحمر والبحر الأسود. وقد فاقمتها خمس موجات حر ضربت أوروبا، وجفاف خفض مناسيب الأنهار حتى توقفت الملاحة فيها، إلى جانب انخفاض منسوب المياه في قناة بنما، الأمر الذي قلل من عدد السفن المارة فيها ورفع من أسعار الشحن. كما أدى تحول السفن وناقلات النفط من عبور البحر الأحمر إلى الدوران حول أفريقيا إلى رفع تكاليف الشحن إلى مستويات قياسية. كما أدت حال الهلع العالمية إلى وقف بعض الدول صادراتها من المنتجات النفطية، فتحولت أزمة الوقود، لا سيما الديزل، إلى أزمة عالمية. ودفع ذلك الرئيس دونالد ترمب إلى استثناء روسيا من العقوبات لتصدير الديزل، بعدما أجبر الرئيس الأوكراني زيلينسكي على وقف استهداف المصافي، وطالب بعزله وتعيين رئيس جديد.
والمفارقة أن هذا الاستثناء صدر بعد أيام من توقيع ترمب قانون غراهام، الذي يفرض عقوبات مشددة على روسيا والدول المستوردة لنفطها. وتعكس هذه التطورات حدة الأزمة وعجز ترمب عن ضبط أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
لا خلاف على أهمية مضيق هرمز في تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية والسوائل الغازية والغاز المسال، ولا على حدة الأزمة. كما أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر من إغلاق المضيق؛ إذ رفعت صادراتها من النفط الخام والمنتجات النفطية والغازات السائلة والغاز المسال إلى مستويات تاريخية، وجاء معظمها من خليج أميركا/المكسيك. (غيّر الرئيس ترمب الاسم، لكن الاسم الدولي لا يزال خليج المكسيك).
ثم جاء إعصار إيزياس، لا لينتقم من ترمب وحده، بل من كل من استفاد من أزمة هرمز، ومن أوروبا التي التزمت الصمت وكأن أزمة البحر الأحمر لا تعنيها، مع أنها كانت طرفاً مهماً في أزمة البحر الأسود عبر تشجيع زيلينسكي على تكثيف ضرب المصافي والموانئ الروسية.
أهمية خليج أميركا/المكسيك ودور إيزياس
لا تقل أهمية خليج أميركا/المكسيك عن أهمية مضيق هرمز، ولا يقل أثر إيزياس عن أثر الحرب وإغلاق المضيق. غير أن أزمة هرمز صنعها البشر، بينما إيزياس من رب العالمين. وسيغادر إيزياس سريعاً وإن طالت آثاره، في حين قد تستمر أزمة هرمز أعواماً طويلة.
تعد الأعاصير من أخطر التهديدات الطبيعية لصناعة النفط والغاز في خليج أميركا، الذي ينتج في الظروف العادية نحو 15 في المئة من النفط الخام الأميركي، أي أكثر من مليوني برميل يومياً، فضلاً عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي. ويتركز معظم الإنتاج في المياه العميقة، حيث تنتشر مئات المنصات والحفارات وخطوط الأنابيب، بينما تمتد مصافي التكرير الكبرى على الساحل من تكساس إلى لويزيانا وميسيسبي. وعند اقتراب إعصار قوي، تجلي الشركات العاملين وتغلق الآبار احترازياً، فيتوقف فوراً جزء كبير من الإنتاج، وقد يمتد الأثر إلى المصافي والموانئ إذا ضرب الإعصار اليابسة بقوة.
تسببت الأعاصير تاريخياً في اضطرابات متكررة، وكان بعضها كارثياً، وأبرزها إعصارا كاترينا وريتا عام 2005. فقد أوقف كاترينا نحو 95 في المئة من إنتاج نفط الخليج، أي قرابة 1.4 مليون برميل يومياً، ودمر 44 منصة، بينما أوقف ريتا الإنتاج بالكامل. واستمرت الإغلاقات أشهراً، وخسرت المنطقة خلال تسعة أشهر أكثر من 162 مليون برميل من النفط و784 مليار قدم مكعبة من الغاز.
وفي ذروة الأزمة، توقفت مصافٍ بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يومياً، أي نحو 30 في المئة من الطاقة الأميركية، فارتفعت أسعار البنزين بشدة. ودمرت العاصفتان أكثر من 110 منصات وألحقتا أضراراً واسعة بالبنية التحتية. ومنذ ذلك الحين، تحسنت معايير التصميم وإجراءات الوقاية، فأصبحت الإغلاقات الموقتة أكثر شيوعاً من الدمار الدائم، وغالباً ما يعود الإنتاج خلال أيام أو أسابيع إذا لم تقع أضرار هيكلية.
لكن الأثر الأكبر للأعاصير لا يتمثل في توقف إنتاج النفط والغاز وحده، بل في تعطل جزء كبير من عمليات التكرير والصادرات والواردات. فالمنطقة تضم 15 مصفاة بطاقة تكريرية تقارب 9 ملايين برميل يومياً، فيما تتجاوز تجارة النفط 12 مليون برميل يومياً. كما تضم 252 معملاً لمعالجة الغاز، وتُعد أكبر منطقة في العالم لإنتاج الغاز المسال وتصديره.
إعصار إيزياس
كان إيزياس أول إعصار في موسم الأعاصير الأطلسي لهذا العام. تشكل متأخراً نسبياً واشتد إلى الفئة الثالثة قبل وصوله إلى اليابسة قرب ديستين في فلوريدا مساء الجمعة الماضي. ورغم انحراف مساره شرقاً، مس الحافة الشرقية لمنطقة الإنتاج البحري ودفع الشركات إلى اتخاذ إجراءات وقائية واسعة.
بلغت الإغلاقات ذروتها قبيل وصول الإعصار إلى اليابسة وبعده مباشرة، فتوقف نحو 1.5 مليون برميل يومياً من النفط، أي 72 في المئة من إنتاج الخليج، ونحو 1.3 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز، أي قرابة 59 في المئة. وأُخليت 129 منصة إنتاج، تمثل نحو 35 في المئة من 371 منصة مأهولة، إضافة إلى عدة حفارات. وشملت الإغلاقات منصات كبرى لشركات مثل “شل” في حقول مارس وأوليمبوس وأورسا وفيتو وأبوماتوكس، و”بي بي” في حقلي نا كيكا وثاندر هورس، فضلاً عن “شيفرون”. وقدر محللون الخسائر التراكمية المحتملة بنحو 8 ملايين برميل من النفط، مقابل تقديرات أولية بلغت 11 مليون برميل، بعد انحراف المسار شرقاً.
بحلول أول من أمس الأحد، بدأت عمليات استعادة الإنتاج. ووفق أحدث بيانات إدارة المعادن البحرية الأميركية، تراجعت كمية النفط المتوقف إلى نحو 1.17 مليون برميل يومياً، أي 57.5 في المئة، والغاز إلى 1.05 مليار قدم مكعبة يومياً، أي 49 في المئة. كما انخفض عدد المنصات التي ظل العاملون مجلين عنها إلى 32 منصة فقط، أي 8.6 في المئة. وأعلنت “بي بي” و”شل” عودة الموظفين إلى منصاتهما الرئيسة وعدم تسجيل أضرار هيكلية كبيرة. كذلك أعلنت وزارة الطاقة الأميركية مبادلة 4 ملايين برميل من المخزون الاستراتيجي مع “إكسون موبيل” و”بي بي” لتعويض النقص الموقت.
أما قطاع التكرير فنجا إلى حد كبير؛ إذ تفادت مصافي لويزيانا الكبرى أسوأ التأثيرات، وانحصرت المخاوف في مصفاة شيفرون في باسكاجولا بولاية ميسيسبي، بطاقة تقارب 356 ألف برميل يومياً، ومصفاة فيرتكس في منطقة موبايل بألاباما. وتمثل المصفاتان معاً نحو 2.4 في المئة من طاقة التكرير الأميركية. ولم تسجل إغلاقات كاملة أو أضرار جسيمة، رغم أن انقطاع الكهرباء أو الفيضانات كانا قد يؤخران إعادة التشغيل أسابيع. وأسهمت الإغلاقات البحرية في ارتفاع موقت لفروق أسعار خام الخليج مقارنة بخام غرب تكساس، بالتزامن مع ضغوط جيوسياسية أخرى على الإمدادات العالمية.
قد تبدو خسائر النفط والغاز محدودة، لكن تزامنها مع النقص الناجم عن أزمة البحار الثلاثة ضاعف أثرها مقارنة بما كان سيحدث في الظروف العادية. كما ذكر الإعصار أوروبا بأن اعتمادها الكبير على الغاز المسال الأميركي يعرض أمنها الطاقي والقومي للخطر.
وكانت أوروبا محظوظة مجدداً؛ إذ لم يشهد ذلك العام عدداً كبيراً من الأعاصير كما حدث سابقاً، ولم يخلف الإعصار دماراً واسعاً. لكن أعاصير بحجم كاترينا وريتا ستتكرر، كما يخبرنا التاريخ. وقد جاء إيزياس ليؤكد أن أمن الطاقة يظل عرضة للخطر، وأن على الدول، خصوصاً المستوردة، تنويع مصادر الطاقة ومناشئ وارداتها.
ختاماً، أجبر إيزياس ترمب على التعاون مع بوتين والغريب أن الأزمة الحالية قد لا تغير نظام الحكم في إيران، ولكنها قد تغيره في أوكرانيا، ممهدة الطريق لإنهاء الحرب الأوكرانية.
