
كان انطباعي الأول منذ أن اطلعت على ترتيب دمشق في مؤشر قابلية العيش الصادر عن “الإيكونوميست” للعام 2026، أنه لم يكن منصفاً. والغريب في الأمر، أنها المرة الأولى التي يتولد لدي هذا الانطباع بصورة مباشرة، رغم أن دمشق مستقرة في ذيل التصنيف العالمي ذاته، منذ العام 2013. وبعد التفكير في سبب تكوّن هذا الانطباع، مقابل غيابه في السنوات السابقة، وجدت أنه يرجع إلى اختلاف نظرة من يعيش داخل المدينة المُصنَّفة، عمن يعيش خارجها. وقد يكون هذا هو سبب اشتراك الكثير من المراقبين مع كاتب هذه السطور في توصيف تصنيف “الإيكونوميست” لدمشق، بغير المنصف.
فمن يعيش داخل المدينة المعنية، يلمس الفروق اليومية والأسبوعية والشهرية في ظروف الحياة الخدمية والمعيشية، وكذلك الأمنية، بصورة مباشرة. وهو ما يلمسه من عاش خلال 12 شهراً الأخيرة في دمشق. إذ تحسنت خدمة الكهرباء بصورة ملحوظة. كذلك خدمة المياه. وهناك تحسّن يجب الإقرار به على صعيد مكافحة الجريمة الجنائية. ورغم أن كل هذه الخدمات متأخرة في دمشق، من دون شك، إلا أن هناك مساراً نحو التعافي يمكن لحظه من جانب من يعيش على الأرض. على الضفة المقابلة، تراكم وحدة المعلومات الاقتصادية التابعة لـ”الإيكونوميست”، مدخلات قياسها بصورة أبعد زمنياً، بموجب منهجية تمتد شهوراً، ما يجعل مؤشرها أقرب إلى لحظة بدء الإعداد (قبل سنة) منه إلى لحظة إصداره.
إحدى وجوه “عدم الإنصاف” التي يمكن الوقوف عندها، هو كيف تُصنَّف دمشق في مرتبة متأخرة جداً في محور “الاستقرار” المتعلق بالمخاطر الأمنية، فيما تتفوق عليها مدن تسجّل معدلات في الجريمة المنظمة أو حوادث إطلاق النار العشوائي تتخطى العاصمة السورية بمراحل! فمثلاً، كيف خلصت “الإيكونوميست” إلى أن مدينة دمشق أقل قابلية للعيش مقارنة بمدينة لاغوس في نيجيريا، أو كاركاس في فنزويلا، رغم أن المدينتين تتفوقان بامتياز على دمشق، بمعدلات الخطف والابتزاز والسطو المسلح والقتل العمد، ورغم ذلك حصلتا بالترتيب على 30 و35 نقطة في محور “الاستقرار” مقابل حصول دمشق على 20 نقطة فقط؟! وإن ذهبنا إلى النصف الأعلى أو المتوسط من قائمة الدول المدرجة في المؤشر، نجد مدناً كشيكاغو وديترويت الأميركيتين اللتين تسجّلان أرقاماً سنوية كبيرة في حوادث إطلاق النار الجماعي وحروب عصابات الشوارع، التي تسفر عن ضحايا مدنيين في وضح النهار، في ظاهرة لا تعرفها دمشق اليوم.
وكي نتجنب الوقوع في دائرة التقييم المستند للتجربة الذاتية، لنفكّك منهجية “الإيكونوميست” في محور “الاستقرار” الذي حصلت فيه دمشق على أدنى درجاتها. إذ يُقسم هذا المحور إلى خمسة مؤشرات فرعية: معدلات الجريمة الصغيرة، معدلات الجريمة العنيفة (القتل، السطو)، التهديدات الإرهابية، خطر الاضطرابات المدنية، وخطر النزاعات المسلحة والحروب. وبموجب ذلك، يمكن أن نستنتج تركيز “الإيكونوميست” على المؤشرات الفرعية الثلاثة الأخيرة بوصفها تخلق تهديدات لاستقرار النظام العام برمته. بكلمات أخرى، لم تتلمس “الإيكونوميست” ما يكفي من مؤشرات بعد، كي تخلص إلى أن الاستقرار الأمني في دمشق، مستدام. ورغم إشارتها إلى أن دمشق “تواصل التعافي من الحرب الأهلية”، وأن درجات الرعاية الصحية تحسنت بصورة ملحوظة، إلا أن التقييم المتدني للاستقرار الأمني بالعاصمة السورية يُضرّ بمساعي السلطات لجذب الاستثمارات إلى البلاد. فمؤشر “الإيكونوميست” صُمّم في الأصل لمساعدة الشركات متعددة الجنسيات على تحديد “بدلات مشقة العيش” لموظفيها المتنقلين حول العالم. وقد تكون نتيجته المباشرة حصر الاستثمار في فئة المستثمرين المغامرين الذين لا يشملهم توصيف “رأس المال جبان”. وهم فئة تقتنص فرص الاستثمار السريع وتراهن على عوائد ضخمة كتعويض عن المخاطرة التي تقوم بها.
وبالعودة إلى “عدم الإنصاف” في مؤشر “الإيكونوميست”، نجد أن معايير التقارير الدولية التي تستند إلى دراسة واقع الدول الخارجة من نزاع، كمشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثه (مؤسسة ACLED) أو وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، تصف واقع دمشق الأمني بأنه مستقر أو مقبول مقارنة ببيئات ما بعد النزاع، وتصف العنف فيها بأنه يظل “محدوداً وعرضياً وليس نظامياً مستداماً”.
وبقدر “بلادة” مؤشر “الإيكونوميست” في التقاط مؤشرات التعافي الأولية التي تسجلها دمشق، مقارنة بتجارب عواصم ومدن خرجت من “حرب أهلية” طاحنة، بقدر ما يُلزِم السلطات المعنية بتكثيف جهودها لمعالجة نقاط الضعف التي يشير إليها المؤشر، وأبرزها، الأمن. ونعتقد أن ذلك هاجس السلطات المعنية، بالفعل. وهي معالجة تراكمية تمر سوريا بالمرحلة الأولى منها. وهي مرحلة تركّز فيها السلطات الأمنية على إزالة مظاهر العنف العسكري المباشر، والمظاهر المسلحة العشوائية، وحماية المقرات الحيوية. وتتطلب ما بين سنة إلى 3 سنوات. ويعتبر نجاح دمشق في تحقيق هذه الأهداف في سنة ونصف سنة، إنجازاً يجب الإقرار به. لكنه غير مستدام إن لم يُتبع بمرحلة إصلاح هيكلي جذري لقطاع الأمن وبناء منظومة شرطية محترفة مزودة بعقيدة أمنية تستهدف الخطر الأمني لا السياسي المناوئ، وتحظى بمعدات كفيلة بتعزيز الفاعلية وسرعة الاستجابة. وهي مرحلة تتطلب من 5 إلى 10 سنوات. ولم ترتقِ سوريا إليها بعد، لكن مؤشرات إيجابية متعلقة بها، تحققت بالفعل، وأخرى في طور التنفيذ.
وهو ما يحيلنا إلى تصوّر أولي، أن دمشق ستنهض من كبوتها المزمنة في ذيل تصنيف مؤشر القابلية للعيش، وأن “الإيكونوميست” ستلحظ مسارها نحو “التعافي” في السنوات القليلة المقبلة.