ملخص
تظهر وثائق حلف “الناتو” ثغرات عدة يمكن استغلالها لتصنيف المشاريع على أنها دفاعية، منها إدراج مشاريع البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، مثل الطرق والجسور وسكك الحديد والموانئ والبنية الرقمية، أو حتى بعض المستشفيات إذا أمكن تبرير فائدتها العسكرية.
من أكبر أسباب فشل السياسات الحكومية عدم النظر إلى ما يسمى بـ”العواقب غير المقصودة”، إذ تتبنى سياسات لأهداف نبيلة، لكنها تؤدي في الواقع إلى نتائج عكسية أو آثار جانبية تنسف الأهداف التي وضعت من أجلها.
هناك حقيقتان أساسيتان، الأولى أن أزمة مضيق هرمز دفعت حكومات عدة حول العالم إلى تبني النموذج الصيني الذي يربط مصادر الطاقة بالأمن القومي، وهذا يعني مزيداً من التدخل الحكومي في أسواق الطاقة، بشكل أوسع وأقوى مما شهدناه تحت مظلة تغير المناخ، وهنا ستلجأ الحكومات إلى زيادة مصادر الطاقة المحلية بكل أنواعها، بغض النظر عن الكلفة أو حجم الإعانات، وستبني طاقة استيعابية إضافية في التخزين والأنابيب والموانئ، وسيكون هناك دبلجة في بعض المشروعات، وتنوع مصادر واردات الطاقة، كل ذلك سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع كلف الطاقة عالمياً.
والحقيقة الثانية أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يضغط منذ ولايته الأولى على دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) لزيادة إنفاقها الدفاعي والأمني، بهدف تخفيف العبء عن الولايات المتحدة وتعزيز الأمن القومي لأعضاء الحلف.
عند دمج الحقيقتين نصل إلى نتيجة مثيرة للانتباه: أعضاء “الناتو” سينفقون على مشاريع الطاقة تحت مظلة الأمن القومي، ويحتسبونها ضمن الإنفاق الدفاعي الذي يطالب به ترمب، بعض هذه الدول، بخاصة داخل الاتحاد الأوروبي، ستنفذ أجندتها المناخية من خلال التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح (لا سيما البحرية)، والسيارات الكهربائية، وبطاريات التخزين، وإعادة فتح المصافي أو توسيعها، ثم تظهر لترمب أنها زادت إنفاقها الدفاعي كما يريد، المشكلة أن ترمب يعارض معظم هذه المشاريع، لكنه لن يستطيع منع احتسابها، باختصار، بما أن المصافي والبنية التحتية للطاقة أصبحت تعامل كأولويات أمن قومي، ستبدأ الحكومات في تصنيف إنفاق “الطاقة” كإنفاق دفاعي.
خلال الأسبوع الماضي نقلت وسائل إعلام يابانية أن طوكيو تدرس توسيع الإنفاق الدفاعي بدءاً من العام المالي المقبل، بحيث يشمل الطاقة وحتى بعض مساعدات تنمية مصادر الطاقة، استجابة لمطالب ترمب بموازنات دفاعية أكبر، بمعنى آخر ستحسب ردة فعل اليابان على أزمة هرمز ومحاولتها تنمية مصادر الطاقة المحلية ضمن الإنفاق الدفاعي، ومن فوائد هذه اللعبة أنها لا تزيد الإنفاق العسكري الفعلي، بل هي مجرد لعبة محاسبية على الورق.
ما ستفعله اليابان ليس جديداً، فقد مارست دول أوروبية هذه اللعبة سابقاً، الفرق الآن أن أزمة هرمز أدخلت مصادر الطاقة وكل ما يتعلق بها في صلب الأمن القومي، فقد أعادت دول أوروبية عدة تصنيف بعض مشاريع البنية التحتية المدنية كـ”إنفاق دفاعي” أو “مرتبط بالأمن” للوصول إلى أهداف “الناتو” من دون زيادة كبيرة في الموازنات العسكرية التقليدية.
وتظهر وثائق الحلف ثغرات عدة يمكن استغلالها لتصنيف المشاريع على أنها دفاعية، منها إدراج مشاريع البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، مثل الطرق والجسور وسكك الحديد والموانئ والبنية الرقمية، أو حتى بعض المستشفيات إذا أمكن تبرير فائدتها العسكرية.
في إيطاليا تخطط حكومة جورجيا ميلوني لاحتساب كلفة جسر مضيق مسينا البالغة نحو 13 مليار يورو (14.5 مليار دولار) كإنفاق دفاعي، بحجة أنه يسهل نقل قوات “الناتو” إلى القواعد العسكرية في صقلية وجنوب المتوسط، هذا يساعدها على الاقتراب من هدف الخمسة في المئة على رغم أن إيطاليا كانت من أقل المنفقين تاريخياً (نحو 1.5 في المئة)، كما تُحتسب رواتب العسكريين والمتعاقدين ضمن النسبة.
وفي سلوفاكيا تحتسب حكومة روبرت فيكو كلفة بناء مستشفيين جديدين، أحدهما قرب براتيسلافا بكلفة نحو 1.3 مليار يورو (1.45 مليار دولار)، كإنفاق دفاعي للوصول إلى اثنين في المئة من الناتج. المستشفيات مدنية أساساً مع “مكونات دفاعية سرية” مدمجة، وتستخدم في زمن السلم للمدنيين، من دون هذا التصنيف كان الإنفاق نحو 1.74 في المئة.
واحتسبت حكومات التشيك المتعاقبة تحديث الطرق وسكك الحديد كإنفاق دفاعي بحجة فائدتها للنقل العسكري، لكن “الناتو” لم يعترف بكل المبلغ المشار إليه، فانخفضت النسبة المعتمدة.
في بريطانيا جرى التخطيط لاحتساب مشاريع مثل توسيع النطاق العريض الريفي وإصلاحات الجسور ومطار هيثرو (بما في ذلك المدرج الثالث المحتمل) وبعض مشاريع الطاقة أو الصلب كـ”إنفاق متعلق بالدفاع”.
وفي ألمانيا تناقش الحكومة احتساب إصلاحات الطرق السريعة والجسور والمشاريع ذات الاستخدام المزدوج كإنفاق دفاعي، وقد تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن تخصيص 1.5 في المئة من الناتج للبنية ذات الفائدة العسكرية مثل الجسور والطرق.
أما بولندا ودول البلطيق فتستثمر فعلياً في تعزيز الجسور والطرق والسكك لنقل المعدات الثقيلة، وهو استخدام مزدوج حقيقي مدعوم أوروبياً.
ومن الآن فصاعداً سنجد الدول الأوروبية تحذو حذو اليابان باستخدام الاستثمارات في مشاريع الطاقة في تقديرات إنفاقها الدفاعي، وبهذا تحقق الهدف المطلوب كنسبة، من دون إنفاق أي مبلغ على التسليح، ومن دون أن يعزز هذا الإنفاق من القدرات الدفاعية للدول الأعضاء في “الناتو”، هنا نجد أن تصرفات هذه الدول مماثلة لتهرب الأشخاص والشركات من الضرائب.
يعلم حلف “الناتو” أن الدول تتلاعب في تصنيف المشاريع، فتراجع ما يقدم وترفض المشاريع المدنية البحتة، المشكلة لا تقتصر على التصنيف، بل تمتد إلى تضخيم الكلف، فإذا كان المشروع يكلف مليارين مثلاً، تقدمه بعض الدول على أنه يكلف 4 مليارات لإظهار موازنة دفاع أعلى وتخفيف ضغط ترمب.
خلاصة القول إن ضغط ترمب على هذه الدول لزيادة إنفاقها الدفاعي في ظل أزمة هرمز يعني قيام هذه الدول بحساب استثمارات الطاقة، بخاصة المتعلقة بالمصافي وشبكات الكهرباء، على أنها إنفاق دفاعي بسبب استخدامها المزدوج، من دون أن تزيد إنفاقها الدفاعي فعلاً، ومن ثم لن يتحقق الهدف من تعزيز قوة “الناتو” بسبب “العواقب غير المقصودة”، اللعبة محاسبية بحتة ومن ثم فإنها أثرها في الأسواق معدوم.
