رحل ملحّن وموزع موسيقى الأفلام الفرنسي ميشيل ليغراند قبل سبع سنوات (26 من شهر كانون الثاني/ يناير عام 2019). هو أيضًا عازف البيانو، والممثل، والمغني، والحائز في القرن العشرين على ثلاث جوائز أوسكار، وخمس جوائز غرامي وغولدن غلوب. فاز ليغراند بأول أوسكار عن أغنية The Windmills of Your Mind من فيلم The Thomas Crown Affair عام 1968، وعشاق السينما يتذكرون موسيقى عشرات الأفلام الأسطورية، من قبيل: “مظلات شيربورغ”، و”طهران ــ 13″، التي شهرته في جميع أنحاء العالم.
في فيلم “فتيات روشفور الصغيرات” (1967)، تحلم شقيقتان من الريف الفرنسي (كاترين دونوف، وفرانسواز دورليك) بمسيرةٍ موسيقية في باريس، وتغنيان على أنغام البيانو والساكسفون أغنية تقول كلماتها: “ربما يعجبكم موزارت؟ أو سترافينسكي، ربما يوهان سيباستيان باخ؟ قد يعجبكم لويس أرمسترونغ؟ بيزيه، أو هاملتون؟ أم تفضلون ميشيل ليغراند؟”. إنّها مزحة، فموسيقى الفيلم ألّفها ليغراند نفسه.
قبل ذلك، ألّف ليغراند موسيقى فيلم “مظلات شيربورغ” للمخرج والشاعر وكاتب السيناريو الفرنسي جاك ديمي/Jaques Demy (1990 ــ 1931). يعدّ لقاء هذا المخرج بهذا الموسيقيّ واحدًا من أروع اللقاءات الإنسانية والمهنيّة في حياة كلا الرجلين. جمعهما القدر معًا، وهو الموضوع المفضّل في أفلام جاك ديمي. في فيلمه الأول “لولا” كمخرج، كلّف ديمي البريطاني كوينسي جونز بتأليف موسيقى الفيلم. لكن جونز اعتذر في اللحظات الأخيرة، الأمر الذي أزعج ديمي كثيرًا، فاشتكى إلى ميشيل ليغراند، الذي كان قد تعرّف عليه مؤخرًا، وعرض عليه تولّي تأليف موسيقى الفيلم. ألّفت أنوك إيمي، التي لعبت الدور الرئيس، كلمات الأغنية المستقبلية على شكل قصيدة شعرية، وقام ليغراند بتأليف اللحن بناءً على حركات شفتيها.
بعد الفيلم، قال ليغراند: “كان الفيلم تمهيدًا لأعمال عظيمة كانت تنتظرنا”. منذ ذلك الحين، أصبح ديمي بمثابة الأخ السينمائي لليغراند، أو كما يقول بعضهم: نصفه الآخر.
انتقل جزءٌ من لحن أغنية “لولا” إلى فيلم “مظلات شيربورغ”، الذي جلب للثنائي الشهرة الأولى. تمثّلت فكرة الفيلم الإبداعية في إجبار الشخصيات أن تغّني على الشاشة، حتى في غياب أحداث مميّزة، كملء خزان السيارة بالوقود، أو التذمّر من المرض والشيخوخة، كما تفعل عمّة بطل الفيلم. رأى جميع المنتجين استخدام الثنائي لهذه الفكرة في فيلمٍ أوبراليّ ضربًا من الجنون، ونصحوهما بالتناوب بين الغناء والحوار، كما هي الحال في الأفلام الموسيقية الهوليووديّة، لكنّهما رفضا النصائح وأصرّا على موقفهما. قبل توصلهما إلى أسلوبهما المنشود، دخل المخرج والملحّن ما يشبه معسكر عمل أقاماه في منزل ديمي على جزيرة نوار موتيه، وقاما بكثيرٍ من التجارب المضنية والطويلة. عندما حققا ما أراداه، هتف جاك: “ميشيل! أعتقد أنّ هذا هو المطلوب”. بعدها، أصبحت الموسيقى جزءًا لا يتجزّأ من كتابة أفلامهما المستقبلية.
خوفًا من المخاطرة، أبدى الممولون تردّدًا واضحًا في تبنّي أسلوب الثنائي الجديد، فقام ليغراند بإنتاج الموسيقى بنفسه، ووقع اختياره على مغنّين اعتادوا موسيقى الجاز: شقيقته كريستين ليغراند، وخوسيه بارتيل، ودانييل ليكاري. أمّا ديمي فوجد الممثلة المثالية لتؤدي الدور النسائي الرئيسي، وهي كاترين دونوف، البالغة من العمر عشرين عامًا. في ما بعد، اعترف ليغراند قائلًا: “شعرت بشيءٍ من التوجّس، فقد كانت أمامي ممثلتان (كاترين دونوف، ودانييل ليكاري) تجسّدان شخصية جينيفياف، وكانتا كما لو أنهما مكونتان من ذات المكونات الكيميائية التي تكوّن الشابّة جينيفياف (التي تبيع في متجر أمّها المظلات المسمّاة مظلات شيربورغ). يتابع ليغراند: “بدا لي أنّ كاترين دونوف تمثّل خمسين في المائة من شخصية جينيفياف، وأنّ دانييل تشكّل الخمسين في المائة الأُخرى. كانتا على وشك الاندماج معًا لتشكيل كيانٍ جديد مائة في المائة، شخصيّة مركّبة لم يكن في إمكان أيّ منهما أن تكونها بمفردها”. لحسن الحظ، سار كلّ شيءٍ على ما يرام.
فاز الفيلم بجائزة مهرجان كان السينمائي، وأصبح لسنواتٍ طويلة علامةً فارقة في السينما الفرنسية. بعد هذا الفيلم، صارت ألحان ليغراند الرومانسية تصدح في أرجاء العالم. نظرًا لما تتميّز به من سلاسة فريدة، وأسلوبٍ راقٍ، حتى شبّه النقاد موسيقاه بموسيقى موزارت. مع ذلك، فإنّ مشاكل العصر لم تغب عن موسيقاه، بل كانت واضحة وجليّة، ومنها الحرب في الجزائر. في المشهد الأخير، يلتقي بطلا الفيلم بعد سنوات من الانفصال، وقد أثقلت كاهليهما الهموم الأسريّة. أمّا عن طفولتهما، فيلعب أدوارهما كلّ من روزالي فاردا، ابنة ديمي بالتبنّي، وإيرفي ليغراند، ابن الملحّن.
في نهاية الفيلم، تُسمَع ميلوديا ليغراند العاطفية وحدها، وكأنّها تعزف لحن حبّ مضى. إنّها موسيقى تحكي للمشاهد عن أمورٍ لا يمكن أن تتحقق، وتذكّر بحبٍّ قديم لم تُكتب له نهايةً سعيدة. أمّا لقاء البطلين في اليوم السابق لعيد الميلاد، فيؤكّد للمشاهد أنّ القصص الخيالية مستحيلة الحدوث. ديمي وليغراند رومانسيّان لا يرجى إصلاحهما، فكلّ منهما يندب حبّه المنسيّ. تتغيّر العلاقات بسهولة، والمشاعر سريعة الزوال، فهي تزدهر في دفء الراحة والرفاه، وتتعفّن سريعًا في اختبار الزمن وبعد المسافة. صداقة ديمي وليغراند ستتعرض للاختبار أيضًا. فبعد نجاحهما الباهر، تلقيا دعوة للسفر إلى أميركا. عاش ديمي وزوجته المخرجة أنييس فاردا في منزل ليغراند، ولكنّ كلّا منهما رأى “كاليفورنيا” بصورة مختلفة عن الآخر. ففي حين كان المخرج يعمل على تطوير مشروعه ذي الميزانية المتواضعة “أتيليه الموديلات”، كان الملحّن يحاول الاندماج في التيار السائد في هوليوود، فألّف موسيقى أفلام جون ستورجيس، وريتشارد بروكس، وفاز بجائزة الأوسكار الأولى له عن أُغنية فيلم “قضية توماس كراون/The Thomas Crown Affair” للمخرج نورمان جويسون.
على الرغم من نجاحه في هوليوود، فإنّ ليغراند بدأ العمل، وهو في أميركا، على فيلم “جلد الحمار”، المقتبس عن حكاية شارل بيرو الخرافية، وأكمله في فرنسا لاحقًا. أصبح الفيلم سفيرًا آخر للثقافة الفرنسية، وإن كان قد أثري بألوان فنّ البوب التي اكتشفها المخرج والملحّن في كاليفورنيا. بعد سنواتٍ، التقى ليغراند بمغنية الأوبرا الشهيرة ناتالي ديسييه، التي بدت متشوقة للعمل معه. ولمّا سألها ميشيل عن سبب رغبتها تلك، أجابت: “لأنني شاهدت فيلم “جلد الحمار” عندما كنت في الخامسة من عمري”.
في سبعينيات القرن الماضي، حصل ديمي وليغراند على رخصتي قيادة طائرة، وكانا حينها مفتونين بالفيلم الفرنسي ــ السوفياتي “أنوشكا”، وهو فيلم موسيقي حديث مقتبس من رواية “أنّا كارينينا”. سافرا إلى موسكو، وزارا سمرقند ولينينغراد، التي وجداها مصدر إلهام خاصّ كموقع تصوير. إنّها، في نهاية المطاف، مدينة ساحلية، مثل نانت وروشفور… حتى أنّ ديمي تعلّم اللغة الروسية من أجل هذا المشروع. تعثر المشروع كغيره من المشاريع المشتركة، وانتهى بالفشل. كما تخلّى ليغراند عن مشروع ديمي المفضّل، وهو فيلم عن إضرابات العمال في مدينة نانت بعنوان “غرفة في المدينة”. وفي حين انجذب ليغراند إلى الألحان الخفيفة والرقيقة، فإنّ ديمي انغمس، مع تقدّمه في العمر، في فترة عصيبة، وتوفي بعدها عام 1990، بعد معاناة مؤلمة مع المرض.
كان كلاهما يعشق المدن الساحلية، وكانا مفتونين بالبحار، وببلدان الجنوب. زارا في شبابهما ريو دي جانيرو، وهناك أنقذ ليغراند صديقه ديمي الذي كاد أن يغرق في مياه المحيط. كان ذلك عام 1946، أثناء تمثيلهما فرنسا بفيلم “مظلات شيربورغ” في مهرجان الفيلم البرازيلي. كان في عداد أعضاء الوفد ماتشا ميريل، وهي ممثلة من أصولٍ روسية، تعرّف ليغراند عليها، ونشأت بينهما قصّة حبّ. كان الملحّن متزوجًا، وكانت الممثلة مخطوبة، فكبتا مشاعرهما الجياشة، وقررا الانفصال. لكنّ القدر عاد وجمعهما ثانية بعد نصف قرن كامل، فتزوجا وعاشا معًا خمس سنوات حتى وفاة ليغراند عام 2019. وهكذا، لم يكتف ديمي بردّ الجميل لرفيقه ليغراند، بل كان نقطة التحوّل السعيدة في حياته، فكانت صداقتهما حبكة تذكّر بفيلم “مظلات شيربورغ”، لكن بنهاية سعيدة!