ساطع نورالدين… كاتب لبناني
يا ليته كان خبراً زائفاً، مثله مثل الاخبار المفبركة التي لا تعد ولا تحصى، والتي تغطي فضاء العالم كله، وتتسابق منصات التحقق على تفنيده ودحضه، أو على الأقل وضعه في سياق الدعاية والترويج والحملات النفسية.. لكن للأسف، حتى اللحظة لم يصدر أي نفي رسمي من دمشق، لذلك التسريب الإسرائيلي (والسوري أيضا) المذهل.
الخبر، او السبق الصحافي الذي بثته وكالة “رويترز” الدولية الموثوقة عادة، يفيد بان رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان، أجرى إتصالا هاتفياً مباشراً، في 14 آب أغسطس الجاري مع وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، واستفسر منه عن تزايد الوجود العسكري التركي في سوريا وعن صفقات السلاح والطائرات المسيرة التركية للجيش السوري، وقضايا أخرى في هذا السياق..
الخبر الذي نشرته جميع الصحف الإسرائيلية نقلا عن “رويترز” بلا تعليق، يكاد يمر مرور الكرام في دمشق، من دون نفي او توضيح، ويكاد يكون خبراً مألوفاً في بقية الانحاء العربية: ما الجديد في أن يرفع رئيس الموساد هاتفه المشفّر، ليتصل برقم هاتف وزير خارجية سوريا، الذي يحتفظ به، أو سبق أن حصل عليه بواسطة الاختراقات الإسرائيلية الواسعة النطاق لشبكة الاتصالات السورية، والعربية عموما، أو ربما إستعان بصديق أميركي او سوري، ( أو ربما تركي ؟؟) للحصول على الرقم وللتأكد من أن الوزير الشيباني سيتلقى الاتصال وسيسمع الاستفسار، أو بتعبير أدق الاستجواب الإسرائيلي، ولن يقطع المخابرة لدى معرفته بالمتصل، او بأسئلته الاستخبارتية العسكرية، وسيحيله على الأرجح الى مسؤول عسكري أو استخباراتي سوري ما.
المخابرة جرت على ما يرام، وكانت بمثابة بلاغ رسمي بأن إسرائيل تنوي التدخل العسكري المباشر ضد الوجود العسكري التركي، وهو ما فعلته، بعد أربعة أيام، أي الثلاثاء الماضي، عندما قصفت مطار أبو الظهور العسكري السوري، في محافظة إدلب شمال سوريا على بعد سبعين كيلومترا من الحدود التركية، بعدما تأكدت من خلو المطار من أي وحدات عسكرية تركية، وبعدما أبلغت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالضربة مسبقا، وحصلت على موافقته عليها..وعلى تبريره لها أنها تأتي في سياق الحملة الانتخابية التي يخوضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. مع العلم ان سفيره في انقرة، طوم باراك، الذي لا يشك أحداً في ولائه المزدوج الأميركي التركي، ولا في خرفه السياسي المبكر، قال بوضوح ان تركيا كانت على وشك اسقاط الطائرات الإسرائيلية التي حلقت على مقربة من الأجواء التركية لدى تنفيذ الغارة، لكنها لم تفعل، ما أسهم في تفادي أول مواجهة عسكرية مباشرة تركية إسرائيلية..!
لكن طي هذه الصفحة من المواجهة الغريبة، المفتعلة، بين إسرائيل وبين تركيا التي سبق ان تصدت مباشرة لانتهاكات روسية للأجواء السورية القريبة من حدودها الجنوبية، والتي لا تزال تلوذ بالصمت أمام الانتهاكات الإسرائيلية المروعة لأمن سوريا منذ فرار الرئيس السوري السابق بشار الأسد من دمشق قبل أقل من عامين.. لا يعني أن الامر يمكن ان ينسب الى الخداع الإسرائيلي التركي المتبادل، أو الصراع المستتر على النفوذ في سوريا، كما لا يمكن أن يبرر الاستنتاج ان الحرب بين البلدين صارت وشيكة، وعلى مرأى ومسمع من الرئيس الأميركي، الذي يكره نتيناهو ويحب الرئيس رجب طيب اردوغان، مثل أي حليفين وثيقين لاميركا!
الأهم الآن هو الإتصال الذي أجراه رئيس الموساد وتلقاه وزير خارجية سوريا: المسؤول الإسرائيلي ليس عليه حرج ، فهو يزور ويهاتف من يشاء من المسؤولين العرب، ولديه “مساكن آمنة” في عدد من العواصم الخليجية، وهو يفاوض ويوقع..ويحتفظ بقدر كبير من حرية الحركة. لكن لم يعرف من قبل، انه هو (او سلفه ديفيد برنياه)، على هذا المستوى من التواصل مع حكام دمشق الإسلاميين الجدد أو أن هؤلاء الحكام على هذا القدر من الركوع أمام العدو الاسرائيلي.
مرة أخرى، لعله خبر كاذب، يمكن أن يصنف كإعتداء إسرائيلي على سوريا، أخطر بكثير من الغارة على مطار أبو الظهور.
بيروت في 20 /8 / 2026