يُظهر المشهد السياسيّ الداخليّ في إيران مستويات غير مسبوقة من الصراع والتباين، في ظلّ نظام يعيش حالة دقيقة بين الحرب والانهيار، أو بتعبير أدقّ بين تهديد وجوديّ فعليّ وضغوط تفكّك متصاعدة، بفعل أزمات اقتصاديّة وأمنيّة وعسكريّة متراكمة، إضافة إلى مطالب متزايدة لمكوّنات المجتمع الإيرانيّ بمختلف انتماءاتها العرقيّة والقوميّة والسياسيّة والاجتماعيّة.
خرج الصراع الداخليّ، الذي برز بوضوح بعد إعلان وقف إطلاق النار، عن الإطار التقليديّ الذي حكم الحياة السياسيّة الإيرانيّة لعقود، أي ثنائيّة الإصلاحيّين والمحافظين التقليديّين، وانتقل إلى نمط جديد يقوم على مواجهة أكثر وضوحاً بين ما يُسمّى “العقلانيّة الوطنيّة” وبين “الراديكاليّة المكلفة”، وفق تعبير الكاتب والباحث الإيرانيّ بيجن همدرسي.
من صراع الأجنحة التقليديّة إلى “العقلانيّة الوطنيّة”
لعبت التحدّيات الوجوديّة التي يواجهها النظام، نتيجة تداعيات الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، دوراً محوريّاً في إعادة تشكيل مراكز القرار داخل السلطة. لقد تراجعت حدّة التباينات بين رئاسة الجمهوريّة والبرلمان والسلطة القضائيّة في هرم الدولة، وبرز اتّجاه نحو تنسيق أوسع أتاح عودة شخصيّات سياسيّة وأمنيّة كانت مهمّشة أو مستبعَدة في مراحل سابقة، في إطار مقاربة تقوم على تجميع الجهود لإدارة الأزمة بأقلّ الخسائر الممكنة وبمنطق واقعيّ.
برز في المقابل تيّارٌ من القوى المتشدّدة أو الراديكاليّة تمثَّله جماعة “بايداري – الثابتون” بزعامة سعيد جليلي وصادق محصولي، بوصفه عاملاً ضاغطاً على بنية النظام في هذه المرحلة، في ظلّ قيادة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. أضاف هذا التيّار عبئاً سياسيّاً إضافيّاً على منظومة الحكم، التي تحاول إعادة تثبيت قواعد النظام على أسس جديدة لا تتجاهل البعدَين الوطنيّ والقوميّ والتعدّديّة السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة داخل المجتمع الإيرانيّ.
تعمل منظومة الحكم في الوقت نفسه على ترميم صورة النظام الأمنيّة والعسكريّة بعد ما تعرّض له من اختراقات عميقة كشفت هشاشات كبيرة أمام أجهزة الاستخبارات الدوليّة، وفي مقدَّمها الـ”سي آي إيه” الأميركية والموساد الإسرائيليّ، وما ترتّب على ذلك من خسائر مؤلمة طالت مستويات قياديّة متقدّمة.
هواجس العسكرة وصراع “حكومة الظّلّ”
قد تساهم عودة التيّار المتشدّد إلى واجهة المشهد في اللحظات المفصليّة من عمر النظام في تعطيل مسار موازٍ من الصراع الصامت الذي تخوضه قوى سياسيّة عقلانيّة، تضمّ إصلاحيّين ووسطيّين ومحافظين معتدلين، في محاولة لإعادة صياغة المعادلات السياسيّة الحاكمة.
يهدف هذا المسار إلى التعامل مع تداعيات الحرب والحالتين الأمنيّة والعسكريّة اللتين تعيشهما إيران وفتحتا المجال أمام المؤسّسة العسكريّة لتتصدّر المشهد السياسيّ وتتحوّل إلى الفاعل الأساسيّ في تحديد التوجّهات الكبرى، فتقلّص دور المؤسّسات الدستوريّة، ولا سيّما رئاسة الجمهوريّة التي باتت أقرب إلى جهاز تنفيذيّ يدير الشؤون اليوميّة ضمن سقوف مرسومة سلفاً.
تتنامى في موازاة ذلك مخاوف القوى الإصلاحيّة والمعتدلة من تكريس الطابع العسكريّ للسلطة، ومن تعميق الشراكة غير المتوازنة بين موقع المرشد الأعلى والمؤسّسة العسكريّة، ولا سيّما حرس الثورة.
يسعى التيّار الراديكاليّ في المقابل إلى توسيع الشرخ داخل النظام، وضرب ما بقي من قنوات تواصل بين السلطة والمجتمع الإيرانيّ، عبر التشكيك في آليّات اتّخاذ القرار، والتلميح إلى أنّ بعض مواقف المرشد لا تصدر عنه مباشرة أو تُدار من دوائر قريبة منه، وصولاً إلى اتّهام المجلس الأعلى للأمن القوميّ بالانخراط في هندسة قرارات تتجاوز الأطر الدستوريّة التقليديّة.
وصاية على القرار
يهدف هذا الصراع الداخليّ إلى إعادة تشكيل بنية الشرعيّة داخل النظام، بما يسمح بإضعاف المؤسّسات الرسميّة لمصلحة مراكز نفوذ موازية، تمهيداً لفرض وصاية سياسيّة غير مباشرة على القرار، سواء عبر خطاب تعبويّ داخليّ أو عبر خلق “مرجعيّات ظلّ” تنافس البنية الرسميّة القائمة.
بعد مرحلة من الهدوء النسبيّ التي فرضتها تداعيات الهجوم الأميركيّ الإسرائيليّ وما رافقه من خسائر كبيرة، عادت هذه الجماعات المتشدّدة إلى تفعيل أدواتها السياسيّة والإعلاميّة، مستهدفة مراكز القرار، وخصوصاً بعد وقف إطلاق النار واستئناف مسارات تفاوضيّة غير مباشرة مع واشنطن.
يتحرّك التيّار الراديكاليّ في هذا السياق من موقع شعور متزايد بالعزلة، في ظلّ حالة من التماسك النسبيّ داخل المجتمع الإيرانيّ بعد الحرب. يسعى إلى إعادة إنتاج الانقسام الداخليّ عبر تأجيج الجدل بين خيار التسوية وخيار التشدّد، سواء في الداخل عبر القوانين والسياسات العامّة، أو في الخارج عبر رفض أيّ مسار تفاوضيّ مع واشنطن واتّهام الدبلوماسيّة الرسميّة بالتفريط أو الاستسلام.
لا يبدو بهذا المعنى أنّ ما يجري هو خلاف سياسيّ تقليديّ وحسب، بل هو صراع على هويّة النظام نفسه، وعلى طبيعة مركز القرار فيه، بين من يسعى إلى إعادة إنتاج توازن داخليّ أكثر براغماتيّة، ومن يعمل على تكريس منطق المواجهة الدائمة، ولو على حساب استقرار البنية السياسيّة والاجتماعيّة للدولة.
في الحلقة الثانية غداً: البرلمان والإعلام الرسميّ منصّات الراديكاليّين.
