تعاملت طهران مع الضغوط الأميركيّة باعتبارها جزءاً من معركة استنزاف طويلة، فامتصّت العقوبات، وأعادت ترتيب أولويّاتها، ونجحت في الحفاظ على نفوذها الإقليميّ، ولا سيما في شرق المتوسّط. من خلال المفاوضات، بدا واضحاً أنّ إيران استطاعت تثبيت موقعها التفاوضيّ من دون أن تقدّم التنازلات التي كانت واشنطن تنتظرها، بل إنّ المشهد الحاليّ يوحي بأنّ النتائج الأوّليّة تميل تدريجياً لمصلحة إيران وحلفائها.
لم تحقّق سياسة ترامب في المقابل الهدف المعلن منها، إذ لم تؤدِّ إلى تغيير سلوك إيران جذريّاً، ولا إلى تقليص نفوذها في المنطقة، بل يمكن القول إنّ الضغوط الأميركيّة دفعت طهران إلى مزيد من التماسك مع حلفائها وإلى تعزيز أوراقها التفاوضيّة.
أمّا الرهان على تدخّل إسرائيليّ واسع لاجتياح لبنان وقلب المعادلة، فيبدو بعيد الاحتمال. تدرك إسرائيل أنّ أيّ حرب شاملة ستفتح أبواب مواجهة مكلفة وغير مضمونة النتائج، في ظلّ تعقيدات الداخل اللبنانيّ والتوازنات الإقليميّة والدوليّة.
لذلك تبدو المنطقة اليوم أمام واقع جديد عنوانه: صعود النفوذ الإيرانيّ السياسيّ، مقابل تراجع فعّاليّة سياسة الضغط الأميركيّة.
لبنان بعد ورقة إسلام آباد
بعد دخول اتّفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم يعُد التحدّي الأساسيّ في لبنان مرتبطاً بترميم ما خلّفته الحرب فقط، بل وبكيفيّة إدارة التوازن الداخليّ بين الدولة و”الحزب” الذي يسعى إلى استعادة حضوره السياسيّ والأمنيّ والشعبيّ بوصفه قوّة لم تُهزم، فيما تحاول الحكومة تثبيت منطق الدولة واحتكارها للقرار السياديّ والعسكريّ.
تكمن خطورة المرحلة في أنّ المواجهة لن تكون عسكريّة مباشرة، بل صراع هادئ وعميق على هويّة لبنان السياسيّة. الحكومة، الواقعة تحت ضغط عربيّ ودوليّ، مطالَبة بتنفيذ التزامات واضحة تتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة، وتشديد الرقابة الأمنيّة، ومنع أيّ نشاط عسكريّ خارج المؤسّسات الشرعيّة. يبرز هنا ملفّ حظر الجناح العسكريّ لـ”الحزب” كأحد أكثر الملفّات حساسيّة، لأنّه لا يمسّ تنظيماً مسلّحاً وحسب، بل يطال بنية نفوذ متجذّرة في المجتمع والسياسة والاقتصاد.
تفعيل أدواته الدّاخليّة
لن يتعامل “الحزب” في المقابل مع هذه الإجراءات كخطوات إداريّة أو قانونيّة، بل سيعتبرها محاولة لتقويض دوره التاريخيّ وإعادة تشكيل لبنان وفق توازنات جديدة تستهدف بيئته وحلفاءه. لذلك سيعمد إلى تفعيل أدواته الداخليّة: الحضور الشعبيّ، التحالفات السياسيّة، الضغط البرلمانيّ، والخطاب القائم على حماية “المقاومة” ومنع إخضاع لبنان للإملاءات الخارجيّة.
هنا تكمن المعضلة الأخطر: يدخل لبنان مرحلة قد تبدو مستقرّة أمنيّاً، لكنّها تحمل في عمقها توتّراً سياسيّاً قابلاً للانفجار عند أيّ احتكاك. تخشى الحكومة أن يؤدّي أيّ تصعيد ضدّ “الحزب” إلى شلل داخليّ أو اضطراب أمنيّ، فيما يخشى شركاء “الحزب” في الوطن من عودته أكثر قوّة وتنظيماً بعد الحرب، مستفيداً من فائض التعبئة الشعبيّة ومن صورة “الصمود” التي يسعى إلى تكريسها.
إنّها مواجهة بين مشروعين: مشروع الدولة التي تريد استعادة قرارها الكامل، ومشروع القوّة التي ترى نفسها أكبر من حزب وأعمق من سلاح. سيكون لبنان في هذا الصراع أمام امتحان وجوديّ طويل، تُقاس فيه قدرة الدولة على فرض التوازن من دون الانزلاق إلى مواجهة داخليّة جديدة، وتقاس الاغتيالات المقبلة والتحرّكات الشعبيّة لتطويق السراي وإسقاط الحكومة بمدى تجاوب الشارع ومدى استفزاز شارع مقابل شارع، وأمّا في حسابات الموت المستمرّ فينتظر اللبنانيّون انتقال الكرة… لا أكثر!