
بغداد / تميم الحسن… جريدة المدى
يختبئ فاسدون مدرجون على قوائم المطلوبين، وشخصيات على صلة بالحرس الثوري الإيراني، في طهران. وهناك، عاد رئيس الوزراء علي الزيدي بعد زيارة لم تستغرق أكثر من يوم واحد، حاملاً اتفاقيات أثارت جدلاً، بينها مذكرات تتصل بأعمال البلديات وتدريب الموارد البشرية والنقل.
لكن الزيارة، بحسب محللين ومصادر مطلعة، انتهت بنتيجة وصفوها بأنها “صفرية”. الملفات التي كان يفترض أن تكون في صلب المحادثات، وفي مقدمتها السلاح والفصائل، لم تُناقش كما كان مخططاً لها، فيما وجد الزيدي نفسه أمام مشهد محرج.
ويواجه رئيس الحكومة، بحسب مصادر سياسية، ضغوطاً كبيرة قد تدفع، في نهاية المطاف، إلى احتمال اغتياله أو انسحابه من الحكومة قبل نهاية العام، في وقت تستمر الفصائل في رفض تسليم السلاح، بينما يبقى ملف خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي وتهريبه خارج دائرة الاستهداف المباشر.
وترى مصادر مطلعة أن عدم الاقتراب من هذا الملف قد يكون رسالة إلى طهران مفادها أن مصالحها الاستراتيجية في العراق لا تزال محمية، في مقابل محاولة إقناع الفصائل المسلحة بقبول مسار جديد في العلاقة بين بغداد وواشنطن.
ويوم الجمعة الماضي، عاد الزيدي إلى بغداد، بعد اختتام زيارة رسمية إلى العاصمة الإيرانية طهران استمرت يوماً واحداً. ولم يلتقِ الزيدي المرشد الإيراني، كما لم يجتمع مع مسؤولين بارزين في الحرس الثوري، رغم أن الملفات التي يحملها هذا الحرس ترتبط بأهم القضايا الحساسة بين البلدين، وهي قضايا تنتظر واشنطن بدورها إجابات واضحة عنها، بحسب مصادر تحدثت إلى “المدى”.
جدول أعمال مبتور
وتقول المصادر إن الزيارة واجهت منذ بدايتها عدة تغييرات، في وقت كانت فيه شخصية الزيدي نفسها موضع حذر إيراني، خصوصاً أنه عاد لتوه من لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأثار ضجة بسبب تعليقاته على اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في حادثة مطار بغداد الشهيرة عام 2020.
وبدأت العراقيل، بحسب المصادر، بتأجيل موعد الزيارة، التي كان من المقرر، أو هكذا كانت رغبة بغداد، أن تتم في 21 تموز، قبل أن تتأجل إلى 23 من الشهر نفسه. ثم جاء رفض عقد لقاء مع المرشد الإيراني بحجة ظروف الحرب، من دون أن ينجح الزيدي في الاجتماع بأي من قيادات الصف الأول في الحرس الثوري، وهي الجهات التي تمسك بملف الفصائل والسلاح.
وعلى هذا الأساس، أُسقط من جدول الزيارة ملف الصواريخ البالستية التي تعتقد واشنطن أن الفصائل تخبئها، وأن إيران تمنعها من تسليمها، وهو الملف الذي كانت بغداد قد أُبلغت به. كما لم يُفتح، وفق المصادر، ملف إقناع الفصائل التي ترفض إلقاء السلاح، والتي تضاعف رفضها في أعقاب تطور العلاقات بين بغداد وواشنطن.
وانتهت الزيارة، في جانب كبير منها، إلى إطار بروتوكولي، اقتصر على لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومسؤولين في القضاء والسلطة التشريعية.
لكن السؤال الذي ظل يلاحق الزيارة كان في مكان آخر: ماذا عن المطلوبين العراقيين الذين فروا إلى إيران؟ وماذا عن رجال الأعمال والسياسيين والشخصيات المرتبطة بالفصائل والحرس الثوري؟
يقول سياسي مطلع لـ”المدى”: “كان على بغداد أن تطلب من إيران تسليم المطلوبين ضمن حملة مكافحة الفساد الذين هربوا إلى هناك، وهم على علاقة بالفصائل والحرس الثوري”.
ويشير السياسي، الذي طلب عدم نشر اسمه، إلى أن استقبال إيران رؤوساً بارزة في قيادات الميليشيات منح هؤلاء حماية داخل الأراضي الإيرانية، وهو أمر غير معلن. ويضيف أن استقبال هاربين من أوامر القبض ومواجهة القضاء ومن فضائح الفساد دليل على أن إيران لن تسمح بمحاربة الفساد إلا بموافقة طهران، وفي حدود ما توافق عليه إيران.
ويقول السياسي: “إذا قام الزيدي، خلال سفره، بإعطاء إشارات إلى الإيرانيين بأنه لن يعتقل أحداً بدون رضا طهران، فستنشأ شكوك كبيرة. وإذا أطاح بهم بعد عودته، فسيكون ذلك بموافقة من إيران. وهذا موقف لا يُحسد عليه الزيدي، ولا يريد أحد أن يكون في مكانه”.
وعلى الرغم من أن حملة استهداف الفساد في العراق أطاحت، بحسب السياسي، بأشخاص من كبار الموظفين في وزارة النفط، فإن عمليات خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي وتهريبه لم تُستهدف حتى الآن، لأن من يشرف عليها، وفق قوله، جهات متنفذة داخل العراق مرتبطة بإيران.
ويقول السياسي إن السؤال عن عدم استهداف هذا الملف، الذي يورط العراق مع الولايات المتحدة، لا يقود إلا إلى استنتاج واحد: “إنها رسالة ود إلى إيران، وربما رسالة واضحة بأن الحكومة لن تستهدف المصالح الإيرانية الاستراتيجية، وأنها ستبقى حليفاً لطهران، مقابل طلبها من إيران أن تتقبل تقرب الحكومة من الولايات المتحدة”.
سيناريوهات الضغط
لكن الزيدي، بحسب السياسي نفسه، يواجه اختباراً أصعب بعد عودته من واشنطن، إذ أصبحت تعهداته هناك تحت المراقبة، وفي مقدمتها قضية تسليم السلاح.
ويقول: “كانت لدينا خمسة فصائل معارضة لنزع السلاح، والآن صارت عشرة فصائل معارضة. هناك خمسة فصائل جديدة تشكلت. سوف يواجه اختباراً كبيراً قبل نهاية السنة، وهو طلب من الإطار: أن يدعموه بقوة لنزع السلاح… لكن الإطار لن يجازف بالدخول في مواجهة مع الفصائل. ربما ننتظر إلى نهاية السنة، وقد يفشل”.
ويعتقد السياسي أن الزيدي، مثل أغلب أسلافه، يراهن على الزيارات الخارجية لاستعادة السيادة، وكأن السيادة يمكن أن تُستعاد من الخارج لا من الداخل.
ويقول: “هذا غير صحيح. المفروض أن يحسم أمره في الداخل ثم يتوجه إلى الخارج، وليس العكس”.
كواليس رسالة ترامب
وفي خلفية الزيارة، تبرز رواية أخرى تتحدث عن محاولة لإحراج الزيدي في قضية رسالة قيل إنه يحملها من ترامب إلى طهران.
الرواية، بحسب المصادر، غير صحيحة، لكنها سُرِّبت إلى صحيفة أميركية من أصول إيرانية، قبل أن تضطر بغداد إلى نفيها.
كما أعاد توم باراك، مبعوث ترامب إلى العراق، نشر خبر النفي العراقي على حساباته الرسمية.
وكانت “المدى” قد علمت، قبل الزيارة، أن الزيدي لم يكن يحمل أي رسالة إلى القيادة الإيرانية، في وقت كانت فيه معلومات استخبارية تحذر من احتمال تصفيته بسبب قضية نزع السلاح. وهو ما أعاد إلى الواجهة تحذيرات مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الذي حذر الشهر الماضي من المساس بالزيدي.
وتشير المعلومات إلى أن الزيدي كان سيحاول نقل رسالة اطمئنان إلى إيران بشأن زيارته إلى واشنطن، كما طلب من “الإطار التنسيقي”، في آخر اجتماع قبل رحلة طهران، أن يحقق ما طلبه التحالف الشيعي، أو أن تبقى هناك علاقة ثنائية بين واشنطن وطهران.
مذكرات تفاهم غامضة!
وبحسب البيان الرسمي، أبرمت بغداد خلال الزيارة مذكرات تفاهم في مجالات النقل والبلديات وتدريب الموارد البشرية.
لكن هذه الاتفاقيات نفسها أثارت أسئلة وانتقادات.
يقول منقذ داغر، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعضو مجلس إدارة مؤسسة “غالوب الدولية”، لـ”المدى”، إن واحدة من مذكرات التفاهم التي وُقّعت في طهران تتعلق بإنشاء خط سكك حديد بين إيران والعراق عبر الشلامجة.
ويضيف: “تبين أن مثل هذه المذكرة وُقّعت أول مرة في 2011. ثم تكرر توقيعها في أعوام 2014 و2021 و2023. يعني تم توقيع مذكرة التفاهم أربع مرات، وهذه كانت الخامسة”.
ويتابع: “لا أدري إذا كان الشيء نفسه ينطبق على بقية مذكرات التفاهم التي تم توقيعها”.
وانتقد مراقبون كذلك توقيع اتفاقية توأمة بين أمانة بغداد وبلدية طهران، في وقت تواجه فيه العاصمة الإيرانية نفسها تحديات كبيرة، من بينها التلوث البيئي والازدحام.
أما مذكرة التفاهم الخاصة بالإدارة الحكومية وتدريب الموارد البشرية، فقد تعرضت بدورها لانتقادات، على خلفية أن النظام الإداري الإيراني يواجه تحديات تتعلق بالبيروقراطية، وتداخل الصلاحيات، وضعف الشفافية، وتأثير الولاءات في بعض مفاصل الإدارة.
“حصيلة صفرية”
ويقول الدبلوماسي السابق غازي فيصل إن زيارة الزيدي إلى طهران “بروتوكولية”، وإن توقيع الاتفاقيات جاء في إطار مذكرات تفاهم أولية، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن مذكرات التفاهم مع إيران لا تنتقل دائماً إلى مرحلة التطبيق بسبب الظروف التي يعيشها النظام الإيراني.
وأضاف لـ(المدى) أن إيران “تحت الحصار بمختلف الأشكال منذ عام 1979″، ولذلك فإن أي اتفاقيات تجارية أو مالية معها تخضع لسياسة حذرة، لأن هذه الجوانب، بحسب رأيه، مرتبطة بعقوبات أميركية ودولية.
ويؤكد أن العقوبات الاقتصادية الأميركية تشمل مجالات واسعة، بينها السلع والنفط والغاز والتكنولوجيا، وهو ما يضع المؤسسات العراقية والمصارف أمام محاذير كبيرة، خصوصاً أن البنوك نفسها تخضع لمراقبة وضغوط.
ويقول فيصل: “بمعنى، إذا تعامل العراق مع إيران كدولة طبيعية، فبالتأكيد سيتعرض إلى عقوبات من أميركا والمجتمع الدولي”.
ويخلص إلى أن الزيارة، من الناحية الشكلية، تعكس علاقات وتبادلاً للآراء، لكنها، من ناحية النتائج، “صفرية”، باستثناء المساعدات الإنسانية أو الأدوية أو القضايا ذات الطبيعة الاجتماعية التي تسمح بها العقوبات.
ويقول: “النتيجة صفرية. لن تكون هناك علاقات في أي مجال مهم إلا باستئذان أميركا. وأي تجارة على صعيد حركة الأموال والسلع تخضع أيضاً للعقوبات، وبخلافه سيتعرض العراق إلى عقوبات”.
وفي رأيه، تسعى إيران إلى أن تحوّل العراق، كما حاولت منذ عام 2003، إلى فرصة لانتهاك العقوبات والاستثمار في عمليات تهريب الدولار والنفط والغاز والسلع، وإنشاء شركات وبنوك وصفقات وهمية، مشيراً إلى أن إيران، منذ فرض العقوبات عليها، لجأت إلى اقتصاد موازٍ وغير شرعي.