صنعت إسرائيل من إجراءات عقابيّة اتّخذتها بريطانيا ضدّ الاستيطان والمستوطنات في الضفّة الغربيّة “زلزالاً” ألهب وسائل الإعلام في العالم. كان بإمكان الفعل في لندن أن يبقى باهتاً لو لم يأتِ ردّ الفعل الذي خرج به وزير الخارجيّة الإسرائيليّ جدعون ساعر مفرطاً في غضبه وصخبه على نحو مفتعل تنبّهت له حتّى الصحافة في إسرائيل. لكنّ اللافت في ذلك “العرس” صمت الرئيس دونالد ترامب في واشنطن رغم “ثرثرة” سفيره في إسرائيل مايك هاكابي.
أعلن ساعر أنّ ما أعلنه وقاله وزير الخارجيّة البريطانيّ إد مليباند يشكّل تدخّلاً سافراً في شؤون دولة ذات سيادة وفي حملتها الانتخابيّة، ووصف الاتّهامات البريطانيّة بأنّها أكاذيب صادمة. وقرّر بالتنسيق مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إغلاق القنصليّة البريطانيّة في القدس الشرقيّة، وإخراج الممثّلين البريطانيّين من مركز التنسيق الأميركيّ المعنيّ بغزّة، وإنهاء مهمّة الفريق البريطانيّ المكلّف بتدريب قوّات الأمن الفلسطينيّة، ومنع دخول 12 نائباً وناشطاً بريطانيّاً بتهمة معاداة الساميّة ومعاداة إسرائيل.
إسرائيل تغضب من العقوبات والكلمات
استفظعت إسرائيل أن “ترتكب” دولة وعد بلفور الشهير “خطيئة” رمي “وطن اليهود”، حسب وعد عام 1917، بوردٍ من عتب. لم تُفرض عقوبات لندن على إسرائيل وكأنّ مستوطناتها التي زُرعت في الضفّة الغربيّة جاءت بأمر من كواكب بعيدة وليس بخطط صادرة عن حكومات إسرائيل. وفيما المستوطنون يرتكبون الفظائع في الضفّة الغربيّة، فإنّ إنزال العقوبات ببعضهم من دون تأثيم إسرائيل نفسها تمرين فيه خبث يشبه ذلك الوعد بعد نحو 120 عاماً على صدوره.
لم يقتصر الغضب على وزير الخارجيّة الإسرائيليّ الذي أمطر لندن بعقوبات مضادّة. تطوّع السفير الأميركيّ مايك هاكابي باستفظاع ذلك “الإثم” الذي رأى فيه “عداء لليهود” توحي به قرارات حكومة حزب العمّال. وحين ردّ عليه مُحدّثه أنّ وزير الخارجيّة البريطانيّ إد مليباند هو يهوديّ، لم يخفِ ارتباكاً، وأراد بالحديث عن أميركيّين في الولايات المتّحدة الأميركيّة يكرهون أميركا تبرير ما لا يبرّر.
لم تغضب إسرائيل من العقوبات بل من الكلمات. في مداخلته أمام مجلس العموم، وصف الوزير البريطانيّ ما يجري في الضفّة الغربيّة بأنّه “تطهير عرقيّ” يرتكبه مستوطنون متطرّفون تغضّ الحكومة الإسرائيليّة الطرف عنه. قال إنّ ما يحدث في غزّة “وصمة عار على ضمير العالم”. حظرت لندن استيراد سلع المستوطنات، وفتحت الباب أمام معاقبة الشركات والأفراد الذين يموّلون التوسّع الاستيطانيّ أو يبنون بنيته التحتيّة، ومنعت الإعلان عن عقارات وأراض في المستوطنات. غير أنّ من استمع إلى كلمات رئيس الحكومة آندي بيرنهام أمام برلمان بلاده خيّل له أنّه يستمع إلى الرئيس الراحل فيديل كاسترو وليس إلى رئيس وزراء دولة وعد بلفور.
بيرنهام يقود تحوّلاً بريطانيّاً ضدّ الاستيطان
قدّم الرجل كلماته بإيقاع غاضب يشبه لهجة اليسار في بعض نسخاته الثوريّة. اعتبر أنّ على “بريطانيا أن تقف ضدّ الظلم وأن تسند الأقوال بالأفعال”. ويأتي هذا الموقف بعد أقلّ من شهرين على تولّيه المنصب خلفاً لكير ستارمر. كان لافتاً أنّه في عزّ الحملة الداخليّة للحزب لاختيار زعيمه الجديد، وهي فترة عادة ما يخطب فيها المرشّحون ودّ إسرائيل ويهود البلد، وجّه انتقادات لاذعة لحكومة ستارمر بسبب تقصيرها في اتّخاذ الموقف الملائم ضدّ فظائع إسرائيل في غزّة.
قبل أسابيع استقبل بيرنهام الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون. اتّفقا على رفض مشروع “إي 1” الاستيطانيّ لأنّه يقوّض حلّ الدولتين. توسّع التنسيق الفرنسيّ البريطانيّ ليشمل كندا ورئيسها مارك كارني لإصدار بيان مشترك، ثمّ توسّع بإعلان 12 دولة غربيّة خططاً لفرض قيود على الاستيطان. بقيت دول أخرى، منها إيطاليا وألمانيا، خارج دائرة العقوبات التجاريّة المباشرة، ما يكشف انقساماً أوروبيّاً بين معسكر يتحرّك ومعسكر حذر.
غضبت إسرائيل من إجراءات تطال حيّزاً هامشيّاً في العلاقات الاقتصاديّة مع بريطانيا. وفوق ذلك، فإنّ لندن لم تجعل الإجراءات التشريعيّة نافذة فوراً، بل منحتها مهلة تمتدّ بين ستّة وتسعة أشهر لدخول حيّز التنفيذ، بحيث إنّ الأمر سيطبّق نظريّاً بعد أشهر من الانتخابات الإسرائيليّة في توقيت قد تتغيّر فيه “أحوال الدنيا”.
في هندسة تلك العقوبات تحافظ بريطانيا على قنوات حوارها مع إسرائيل، وتميّز بوضوح بين استهداف منظومة الاستيطان وبين قطع العلاقة الاستراتيجيّة مع إسرائيل. وفي هندسة الغضب الإسرائيليّ تسهل ملاحظة أنّ الردّ الإسرائيليّ، رغم حدّته، يبقى انتقائيّاً ودبلوماسيّاً في جوهره، إذ يتجنّب قطع العلاقات التجاريّة الأوسع أو سحب السفراء.
غضب إسرائيليّ وتحوُّل بريطانيّ متدرّج
للغضب الإسرائيليّ أسباب مرتبطة بانتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل المقبل. لكنّ إسرائيل هالها أن تستخدم حكومة “وعد بلفور” عبارات “حرام” تنتقل من مقدّس “حقّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها” إلى عبارات تندسّ داخلها مفاهيم التطهير العرقيّ والإرهاب وغيرهما. ثمّ إنّ إسرائيل تخشى أن يصبح سلوك دولة غربيّة نوويّة عظمى تمتلك حقّ الفيتو سلوكاً يُحتذى به وله مفاعيل العدوى داخل دول المنظومة الغربيّة الحليفة.
بالمقابل فإنّ للتحوّلات البريطانيّة أسباباً تتعلّق بمنطق الاتّساق مع قرار لندن دعم حلّ الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، وعدم السكوت عن استيطان متوحّش ومستوطنين رعاع يدفعون باتّجاه معاكس لذلك “الحلّ” وتلك “الدولة”. وللتحوّلات حيثيّات تتعلّق بالضغوط داخل حزب العمّال التي تطالب زعامة الحزب وحكومته بمواقف ترضي الكتلة الناخبة، وخصوصاً شرائحها النقابيّة واليساريّة وذات الأصول المسلمة.
غير أنّ تحرّك لندن لا يبتعد من مزاج غربيّ عامّ متمسّك بالتحالف التقليديّ مع إسرائيل ومتبرّم من نتنياهو وتيّار اليمين المتطرّف. وربّما يعتبر توقيت القرارات البريطانيّة عشيّة انتخابات إسرائيل تدخّلاً استنكره وزير الخارجيّة الإسرائيليّ، لكنّه يعبّر عن نفور على شكل رسالة إلى الناخب الإسرائيليّ يشارك فيها صمت الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الذي لم يعترض بعد اتّصال بيرنهام على عقوبات لندن ومعانيها.
