يبرز “الصراع على سوريا” من بين ركام حروب ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل عام 2023، وتبعاً لتداعيات سقوط النظام السابق في 8 كانون الأوّل 2024. ولا تنفصل الوقائع عن انعكاسات الحرب مع إيران على الشرق الأوسط الملتهب. ويندرج هذا الصراع في معادلة القوّة الجديدة التي ترتسم في شرق المتوسّط.
كشفت الهجمة الإسرائيليّة الأخيرة على قاعدة أبو الظهور الجوّيّة، في شماليّ سوريا، عن اشتداد التوتّر بين إسرائيل وتركيا. وترافق ذلك مع استعراض للقوّة في البحر الأبيض المتوسّط بين البحريّتين التركيّة والإسرائيليّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ الاتّفاق الدفاعيّ الأخير بين اليونان وإسرائيل يضع الملح على جراح نزاع تاريخيّ بين أنقرة وأثينا، ويرسم خطوط تماسّ مضطربة في شرق المتوسّط.
التّجاذب حول النّفوذ في سوريا
لم يهدأ الصراع في سوريا منذ الاستقلال إلى حقبة الحكم البعثيّ بين أطراف داخليّة وأطراف خارجيّة. ونظراً لتاريخ البلاد وموقعها الجيوسياسيّ كقوّة تقع في قلب الشرق الأوسط، أصبحت سوريا خطّ الصدع الإقليميّ. وكان العامل الإسرائيليّ الخفيّ أو العلنيّ من العوامل المؤثّرة في التفاصيل السوريّة، خاصّة خلال حكم المنظومة الأسديّة.
اعتبر الكاتب باتريك سيل أنّه إبّان مرحلة حافظ الأسد، انتقلت سوريا من ساحة صراع وملعب لمشاريع الآخرين واختباراتهم إلى لاعب أساسيّ في المنطقة، وربط ذلك بدور وظيفيّ للنظام تجاوز حدود الدولة السوريّة في ملفّات عديدة، أهمّها فلسطين ولبنان، لكنّ المتمعّن في تلك الحقبة من تاريخ المشرق يستنتج أنّ هذا الدور كان تعطيليّاً وسلبيّاً، وفي الغالب اتّسم بالعداء للعراق وممارسة الوصاية على لبنان وضرب القرار الفلسطينيّ المستقلّ.
خلال “الزمن الإيرانيّ” (الذي بدأ بعد الدخول الأميركيّ إلى بغداد) ركّز نظام الجمهوريّة الإسلاميّة على تغيير وجه سوريا كي يغيّر وجه المشرق. أمّا بعد سقوط المنظومة الأسديّة، وبالرغم من دور المايسترو الذي تمارسه الولايات المتّحدة، والبقاء الخجول للوجود الروسيّ، والدور السعوديّ الحيويّ، تطغى مخاطر المواجهة بين تركيا وإسرائيل من أجل رسم خرائط النفوذ على الساحة السوريّة. وهكذا أخذ التجاذب الإسرائيليّ – التركيّ يحلّ مكان الصراع الإسرائيليّ – الإيرانيّ وكأنّ من المكتوب أن تبقى الأراضي السوريّة ساحة لتصفية الحسابات، ومنطقة عازلة بين مشاريع الآخرين.
حسابات المبارزة التّركيّة – الإسرائيليّة
أصبحت سوريا في الأشهر الأخيرة مركز ثقل في التوتّر بين تركيا وإسرائيل، وزادت الاحتكاكات بين الجانبين. ومنذ سقوط نظام بشّار الأسد أواخر 2024، أصبحت تركيا من أبرز الداعمين للحكم السوريّ الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
في المقابل، دفعت إسرائيل نحو سقوط النظام السابق، وواكبت ذلك بشنّ أكبر حملة جوّيّة ودمّرت مجمل قدرات القوّات السوريّة النظاميّة. وبعدها سيطرت على جبل الشيخ ومناطق في جنوب سوريا، من بينها المنطقة العازلة المنزوعة السلاح بين البلدين، ثمّ تدخّلت في مواجهات محافظة السويداء تحت عنوان “حماية الدروز” واختراق النسيج السوريّ.
إذا استندنا إلى البعد التاريخيّ يمكن أن نفسّر السلوك الإسرائيليّ بأنّه عودة إلى “حلف الأقلّيّات” الذي أوّل من لمّح إليه ديفيد بن غوريون في عام 1954 عندما صرّح بأنّ “العيش في محيط سنّيّ” يوجب على إسرائيل أن “تتعاون مع الأقلّيّات العرقيّة والدينيّة في محيطها وتحبّذ تجنيدها لخدمة المصالح الإسرائيليّة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً”. بيد أنّ الموقف الإسرائيليّ من الأقلّيّات في سوريا تقلّب حسب المتغيّرات، ولوحظ عدم انغماس إسرائيل في دعم تجربة “قوّات سوريا الديمقراطيّة” (قسد) بقيادة كرديّة في شمال شرقيّ سوريا، والتسليم باندماجها حديثاً في المؤسّسات السوريّة.
تجدر الإشارة إلى أنّ إسرائيل طوّرت جانباً من استراتيجيتها بعد سقوط الأسد على فكرة “سوريا ضعيفة ومجزّأة” وليس “سوريا موحّدة مدعومة من تركيا”. من هنا لا يبدو الاهتمام بالسويداء مراعاة لدور دروز إسرائيل أو “حلف الأقلّيّات” فحسب، بل لاعتبارات أمنيّة متّصلة بالموقع الجغرافيّ في المقام الأوّل، تماماً كما يمكن تفسير تركيز تركيا على منع قيام كيان كرديّ في سوريا لاعتبارات متّصلة بالأمن والجغرافيا.
سوريا ساحة صراع تركيّ إسرائيليّ
في هذا السياق، كان من اللافت ما قاله الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في حزيران الماضي من أنّ “أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوبيّ تركيا، بل من حلب ودمشق وبيروت”.
إنّ وجود حكومة مستقرّة وحليفة في دمشق يخدم مصالح أنقرة الاستراتيجيّة لجهة المسألة الكرديّة، وتوفير ظروف مؤاتية لعودة اللاجئين السوريّين من تركيا، بالإضافة إلى اكتساب عمق استراتيجيّ جديد لنفوذها الإقليميّ. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه التطلّعات الاستراتيجيّة التركيّة زادت من هواجس إسرائيل من ” تهديد تركيّ” على المدى المتوسّط.
من الواضح أنّ إسرائيل تضرب في العمق السوريّ لتدرأ أيّ محاولة لتأسيس جيش حديث على حدودها الشماليّة ومنع الدولة السوريّة الجديدة من تطوير قدراتها العسكريّة والدخول في تحالفات أمنيّة متماسكة، خصوصاً مع تركيا، علماً أنّ النظام الجديد في دمشق لم يترسّخ بعد، بينما تعمل تركيا على توسيع حضورها العسكريّ والسياسيّ بسرعة.
لذلك كلّه، سيتفاقم اختبار القوّة عشيّة الانتخابات الإسرائيليّة أواخر تشرين الأوّل المقبل، خاصّة بعد الإعلان عن فشل الجهود الرامية لعقد اتّفاق أمنيّ إسرائيليّ – سوريّ وإصرار إسرائيل على عدم الانسحاب من المناطق المحتلّة في الجنوب السوريّ باعتبارها تشكّل “ذخراً استراتيجيّاً” وفق العقيدة الأمنيّة لما بعد السابع من أكتوبر.
هكذا تجد سوريا نفسها عالقة بين قوّتين تتنافسان على النفوذ الإقليميّ، وتفرضان مناطق نفوذ داخلها على القياس. ومن الصعب ترتيب تقاسم النفوذ بين الطرفين ولا يستبعد سيناريو المواجهة الذي تضع واشنطن كلّ ثقلها لمنعه وتفادي الصدام بين إسرائيل الشريك الاستراتيجيّ من جهة وتركيا الحليف الحيويّ من جهة أخرى.
معادلة القوّة الجديدة في شرق المتوسّط
يمكننا اعتبار الغارة على قاعدة أبو الظهور الجولة الأحدث في مبارزة ضمن مسارات بلورة معادلة قوّة جديدة في شرق المتوسّط. ومع ضرب النفوذ الإيرانيّ وانحسار الدور الروسيّ، تطمح أنقرة للعب دور بارز في مسارات الطاقة وخطوط السكك الحديديّة، وتخشى إسرائيل من خسارة موقعها في مسارات خطوط نقل الغاز ضمن تجمّع دول شرق المتوسّط مع مصر والأردن واليونان وقبرص.
يصعب ضبط الصراع في سوريا وشرق المتوسّط، وتتصرّف أنقرة وتل أبيب كمن يستعجل الوقت. بيد أنّ استخلاص الدروس من صراعات الإقليم منذ 2003 يبيّن أنّ الشرق الأوسط عصيّ على الهيمنة الأحاديّة وأكبر مثال ترنّح المشروع الإمبراطوريّ الإيرانيّ.
استناداً إلى التوازنات الجديدة في شرق المتوسّط يصعب تصوّر السماح بحرب تركيّة – يونانيّة أو مواجهة إسرائيليّة – تركيّة لأنّ ذلك سيأخذ أبعاداً تخرج عن السيطرة.
يريد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن تتولّى القوى الحليفة لواشنطن إدارة التوازن الإقليميّ. وهو يحتاج إلى إسرائيل متفوّقة، لكنّه يحتاج أيضاً إلى تركيا نشطة داخل الحلف الأطلسيّ وفي البحر الأسود وسوريا، وأيّ صدام بينهما يزعزع المصالح الأميركيّة.
لا يتأتّى الخطر من تنافسيّة اقتصاديّة محسوبة، أو صراع نفوذ استراتيجيّ بين الكبار، بل مبارزة بين لاعبين إقليميّين تعتقد واشنطن بإمكان ضبطها. إلّا أنّ الحذر وعدم الثقة وغياب آليّات التحكيم تمنع قيام معادلة مستقرّة وثابتة للقوّة في شرق المتوسّط.
*استاذ جامعي ومعلّق سياسي
