عاشت الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني تجربة غنية امتدت لأكثر من ستة عقود، شكّلت خلالها أسلوبها الخاص الذي يعتمد على التفاعل بين الشكل واللون والفضاء. تظهر في لوحاتها الحياة اليومية بأشكال مبتكرة، حيث تتحرك الشخصيات في فضاءات متجدّدة، وتتناغم الرموز مع التفاصيل الصغيرة لتخلق سردًا بصريًا متفردًا.
انخرطت الراحلة في دراسة الجماليات والزخارف، متعمقة في فنون مصر القديمة والمنمنمات الإسلامية، لتضيف بعدًا فكريًا إلى تجربتها الفنية، حيثُ سطّرت تاريخًا شخصيًا وفنيًا يجمع بين البحث الأكاديمي والرؤية الإبداعية، محققة حضورًا مستمرًا في الفن المصري والعربي، مع أسلوب يعكس عمق التجربة الإنسانية وثراء الإبداع البصري.
شكّل رحيلها، يوم 7 من أبريل/ نيسان 2026 لحظة فاصلة في تاريخ الفن المصري والعربي، إذ يمثل غيابها فقدانًا لتجربة فنية تميزت بالتأمل والدراسة والإبداع والرؤية الخاصة. وقدمت، طوال عقود من العطاء، رؤية تشكيلية مُغايرة، ركزت فيها على الأطفال والنساء، مشكّلة عالمًا نابضًا بالحياة والفرح والطمأنينة، خاليًا من التوتر، حيث تتناغم الحركة مع اللون، وتتآلف الزخرفة مع الشعور، لتصبح اللوحة مساحة للتجربة الإنسانية في أصدق صورها.
تنسج لوحات السجيني قصصًا يومية مليئة بالدفء والحركة؛ فالأطفال يركضون ويلعبون، بينما تراقب الأمهات بناتهن بحنان، وتكتشف الفتيات الصغيرات العالم بخفة وبراءة. ويعزز غياب الرجل عن هذه اللوحات حضور المرأة والطفولة، ويحوّل الفضاء إلى عوالم خاصة، حيث تنبض الشخصيات بالحياة الداخلية من دون حاجة إلى حضور خارجي يحدّ من مساحة الحرية التعبيرية. وقد رثاها الناقد التشكيلي صلاح بيصار عبر صفحته على فيسبوك قائلًا: “طوال رحلتها مع الإبداع ظلت رائدة لهذا العالم المفعم ببراءة الكائنات من الطيور والحيوانات الأليفة مع دنيا البنات من صور الحياة اليومية… صاحبتهن بكل الصور من الألعاب الجماعية وثنائيات الحب مع الحمام والعصافير الوليدة… ومع انحيازها لأجمل الكائنات تمثل صورها للأمومة مساحة عميقة من المشاعر والبوح والهمس بين الأم وبنتها في شاعرية ودراما تعبيرية”.
المنمنمات وهندسة الجمال
وضعت زينب السجيني البحث والدراسة في صميم تجربتها، فهي لم تكتفِ بالرسم فقط، بل تناولت الفن المصري القديم والأعمال الزخرفية باعتبارها لغة رمزية متكاملة. ركّزت على دراسة القيم الزخرفية في التصوير الفرعوني، وأثبتت أن الزخارف تمثل نظامًا رمزيًا مرتبطًا بالطقوس والحياة اليومية. وقد منحت هذه الدراسة الأكاديمية أعمالها عمقًا إضافيًا، إذ تحولت الزخارف إلى عناصر حية داخل اللوحة، تخلق إيقاعًا بصريًا يتفاعل مع الشخصيات ويثري تجربة المشاهد، محوّلة كل لوحة إلى نص بصري غني بالمعنى والدلالة.
امتد بحث السجيني نحو فن المنمنمات الإسلامية، حيث وجدت في أعمال الواسطي في “مقامات الحريري” نموذجًا بصريًا قائمًا على دقة البناء وانضباط التكوين. أتاح هذا الانشغال لها قراءة الصورة بوصفها نظامًا محكومًا بعلاقات محسوبة، تتوزع فيه العناصر وفق إيقاع داخلي يربط بين الشكل واللون والفراغ. وتتحوّل اللوحة، في هذا الإطار، إلى مساحة نابضة تتحرك فيها العين بانسياب، وتستجيب الحواس لتوازن خفي يشبه الموسيقى في انتظامها. وقد انعكس هذا الوعي البنائي في تجربتها التشكيلية، حيث غدا الخط حاملًا للمعنى، والزخرفة عنصرًا فاعلًا في تشكيل الإيقاع، لتتشكل لغة بصرية متماسكة تتقاطع مع عوالم الأمومة والطفولة، وتمنحها بعدًا أكثر عمقًا واتساعًا.
حكايات الحياة اليومية
تتجسد أعمال زينب السجيني بوصفها حكايات يومية تنفذ من ظاهر المشهد نحو طبقات أعمق من الإحساس الإنساني، حيث تتآلف التفاصيل الصغيرة لتصوغ فضاءً شعوريًا غنيًا ومتماسكًا. “الألعاب الجماعية”، و”العلاقة الحميمة بين الأم وبنتها”، و”حضور الطيور والعصافير الوليدة”، جميعها عناصر تنسج عالمًا دافئًا نابضًا بالتفاعل الداخلي، يفتح أمام المشاهد أفقًا للاندماج مع التجربة البصرية. ضمن هذا السياق، تتحول اللوحة إلى خبرة حسية متكاملة، تتجاور فيها البساطة مع كثافة التعبير، فتغدو الذاكرة البصرية حاملة لطيف واسع من المشاعر الإنسانية. كل تفصيل، من إيماءة اليد إلى ابتسامة الطفل، يكتسب دلالة تتصل بإيقاع الحياة وعمقها الداخلي، ويشارك في بناء موسيقى خفية تنبع من داخل المشهد.
في امتداد هذه التجربة، يبرز حضور السجيني الأكاديمي بوصفه جزءًا أصيلًا من مشروعها الفني، حيث أسهمت في صياغة وعي بصري لدى أجيال متعاقبة من الفنانين عبر عطائها التعليمي والإبداعي. وقد وصفتها وزارة الثقافة المصرية بأنها “قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوت مخلص للجمال، حملت في أعمالها نبض الوطن ووجدان الإنسان، وأسهمت عبر عطائها الأكاديمي والإبداعي في تشكيل وعي أجيال متعاقبة من الفنانين”. يعكس هذا التقدير حجم الدور الذي أدته في نقل المعرفة وتكريس الخبرة، ويؤكد مكانتها كصاحبة تجربة تتجاوز حدود الإنتاج الفني نحو أفق ثقافي وتعليمي أوسع، حيث يتجلى الفن كمسار متكامل يجمع بين الإبداع والتفكير والبحث المستمر.
الموسيقى البصرية وانسياب اللون
| “الطفولة” من العلامات الأوضح في تجربة زينب السجيني |
استخدمت زينب السجيني اللون كأداة سردية تنبض بالحركة، قادرة على تشكيل الإحساس وصياغة الإيقاع داخل اللوحة. ومن خلال تناغم الألوان مع الزخارف والفراغات، يتكوّن نسيج بصري يشبه الموسيقى في انسجامه وتدرجه، حيث تتآلف العناصر ضمن إيقاع داخلي يمنح المشهد حيوية مستمرة. كل تفصيلة لونية تحمل شحنة شعورية، وكل انتقال بصري يفتح مسارًا جديدًا للتلقي، فيجد المشاهد نفسه منخرطًا في حوار حي مع اللوحة، يقترب من نبض الشخصيات، ويتتبع حركتها داخل فضاء مشحون بالدلالة والإحساس.
ضمن هذا البناء البصري، تتجلى الأمومة بوصفها محورًا إنسانيًا عميقًا، حيث تتشكل العلاقة بين الأم والطفلة عبر إشارات دقيقة وإيماءات مشبعة بالحنان. ويتسع هذا العالم ليغدو فضاءً رمزيًا يعكس جوهر الارتباط الإنساني، ويكشف عن تداخل الحياة اليومية مع الإحساس العميق بالرعاية والمودة. في هذا السياق، تتحول اللوحة إلى نص بصري نابض، يحمل في داخله حكاية داخلية تتكشف عبر التفاصيل، حيث تتآلف الرمزية مع الواقع، وتكتسب اللحظات العابرة طابعًا جماليًا يرسخ حضورها في الذاكرة.
إرث متجدّد وحضور مستمر
يشكّل رحيل زينب السجيني لحظة مؤثرة في المشهد التشكيلي، حيث يبرز أثر غيابها في الوجدان الفني، فيما يستمر حضورها من خلال ما تركته من أعمال ودراسات وتجارب أسهمت في تشكيل وعي أجيال متعاقبة. ويرتكز هذا الامتداد على أسلوب متفرد جمع بين الرؤية الأكاديمية والحدس الإبداعي، حيث تداخلت الزخرفة مع البعد الرمزي، وتجاورت عوالم الطفولة مع الأنوثة ضمن بناء بصري متماسك. وقد منحت هذه الخصوصية أعمالها قدرة على البقاء، وجعلت من لوحاتها مصدر إلهام مستمر، يستدعي التأمل وتفتح أفقًا نحو فهم أكثر عمقًا للجمال والتجربة الإنسانية.
ضمن هذا السياق، يتجلى إرثها بوصفه امتدادًا بصريًا وروحيًا، حيث تتحول كل لوحة، وكل دراسة، إلى أثر حي يعكس تجربة فنية غنية، ويجسد تلاقي المعرفة مع الحس الإبداعي. وتظل ابتسامات الأطفال وملامح النساء في أعمالها شاهدة على عالم صاغته بعناية، عالم يحمل بصمتها ويواصل حضوره في الذاكرة البصرية. ويجدّد هذا الحضور عبر الأجيال، في الدروس التي ألهمت، وفي التجارب التي انبثقت من رؤيتها، ليبقى أثرها متصلًا بزمن مفتوح على الاستمرار.
وقد تركت الفنانة السجيني خلفها إرثًا بصريًا وروحيًا ممتدًا؛ حيثُ تمثل كل لوحة وكل دراسة وكل ابتسامة على وجوه الأطفال والنساء في أعمالها شهادة على براعة فنانة حملت المعرفة والفن في آن واحد، وهو ما يؤكد على استمرارية حضورها في المشهد التشكيلي والذاكرة البصرية، وفي الدروس والتجارب التي خلّفتها للأجيال المقبلة.
زينب السجيني (1930 ــ 2026)
ولدت زينب السجيني في 10 فبراير/ شباط 1930 في القاهرة، وعاشت الأيام الأولى من طفولتها في حي الظاهر، كما عاشت أيضًا في عدد من أحياء مصر القديمة، مثل حي الحسين، والجمالية، والأزهر، والنحاسين.
حصلت على بكاريوس في الفنون الجميلة قسم الفنون الزخرفية بجامعة حلوان عام 1956، إضافة إلى ذلك تخرجت في المعهد العالي للتربية الفنية عام 1957، كما حصلت على شهادة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978.
نالت جائزة التصوير الأولى من صالون القاهرة عام 1968 عن لوحة “مأساة القدس”، وجائزة التصوير الأولى في بينالي القاهرة الدولي الرابع عام 1994. لها مقتنيات لدى الهيئات والأشخاص في مصر وخارجها. تولت منصب رئيس قسم التصميمات في كلية التربية الفنية في جامعة حلوان، وتولت أيضًا منصب أستاذ متفرغ بقسم التصميمات في كلية التربية الفنية في جامعة حلوان.