المدن العظيمة لا تموت. إذا ما شعرت بالموت فإنها تنام لكي تغافله. عندما استيقظت بغداد بعد العصر العثماني لم تلتفت ساعتها إلى خمسمئة سنة كانت عقاربها فيها لا تتحرك. لطالما وقفتُ أمام ساعة المحطة العالمية في بغداد وهي المحطة التي بناها البريطانيون وتم افتتاحها عام 1952وصارت واحداً من أهم آثارهم بعدما زال احتلالهم. في الحقيقة هناك ساعتان تعتليان برجي واجهة المحطة. الأولى كُتبت أرقامها بالعربية التي يُقال إنها استُوردت من الهند والثانية بالانكليزية التي يقال إنها تعود إلى أصول عربية.
لم تخطر لي فكرة المقارنة بين وقتيهما، لا لشيء إلا لأني كنت أفكر بعبقرية المعمار ويسلون.ج.م الذي استخرج من العصر الفكتوري عمارة عراقية مادة وشكلاً. بُنيت المحطة لتكون عالمية ولكنها انتهت إلى أن تكون محطة محلية وحرمت بغداد من واحدة من أعظم فرص الانفتاح على العالم. كان ذلك إنجازاً وطنياً شبيهاً بالفكرة العبقرية التي انطوت عليها مقولة صدام حسين “مَن لا يعمل لا شرف له”. كانت الكارثة الإنسانية التي ستضرب العراق قد مُهد لها بطرق مختلفة. فحينما وافق الحزب الشيوعي العراقي عام 1973 على الانضمام إلى الجبهة الوطنية كان معلوماً أن ذلك الاتفاق هو ثمرة لانتصار الدولة التي يقودها البعثيون على القيادة المركزية وهي الجناح الشيوعي الذي كان يقود بزعامة عزيز الحاج تمرداً في الأهوار. انتقم شيوعيو العراق من أنفسهم يومها وهو ما دفعوا ثمنه يوم أعلن النظام السياسي عام 1979 أنهم لم يعودوا مواطنين مرحباً بهم.
في كراج العلاوي كان سائقو الحافلات والباعة المتجولون والجنود يضبطون ساعاتهم اليدوية على ساعتي المحطة العالمية. ذلك ما لم يفعله الشيوعيون فتركوا أمتهم لخراب أحلامها الأممية. عام 1947 اعتُقل مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف الملقب بـ “فهد” في منطقة الصالحية القريبة من المحطة العالمية وهو ما قاد إلى إعدامه. إحدى الروايات، وهي ليست مؤكدة، تقول إنه أهدى ساعته اليدوية إلى واحد من سجانيه.
