في الحالة الطبيعية، يُعرِّفُ المواطن السوري عن نفسه عبر البطاقة الشخصية التي تُعَدّ حقاً قانونياً وإنسانياً مكفولاً بموجب الدساتير السورية المتعاقبة، ويُلزِمُ القانون باستصدارها عند بلوغ سن الخامسة عشرة. وقد بقيت هذه البطاقة لعقود الوثيقة الأساسية التي تُثبت الوجود القانوني للفرد، وتضمن وصوله إلى حقوقه المدنية كاملة.

لكن هذا الواقع تبدّلَ جذرياً خلال سنوات الحرب؛ إذ خسر كثير من السوريين منازلهم وأوراقهم الثبوتية، وتوقّف آخرون عن تسجيل الوقائع المدنية بسبب التهجير القسري والنزوح أو غياب المؤسسات أو تكاليف التنقل والتسجيل المرتفعة. وفيما استمرت المؤسسات داخل مناطق سيطرة النظام بإصدار الهويات، ابتكرت السلطات في المناطق الخارجة عن سيطرته بدائل محلية لتعريف الأشخاص. ومع سقوط النظام نهاية عام 2024، توقّف إصدار الهويات المركزية نهائياً، ودخل السوريون في حالة جمود وثائقي غير مسبوقة.

الحسكة؛ من الإحصاء الاستثنائي إلى بطاقة الكفيل

في محافظة الحسكة، برزت ثلاث فئات قانونية رئيسية: المواطنون السوريون المسجّلون في السجلات المدنية ويحملون الجنسية ولهم قيود وأرقام وطنية. وأجانب الحسكة الذين جُرّدوا من الجنسية بموجب إحصاء 1962 وحملوا البطاقة الحمراء ثم حصلوا على الجنسية عام 2011 بموجب مرسوم رئاسي، وقد جرى تمييز قيودهم بإضافة الرقم (8) بعد رقم القيد أو الخانة. ثم مكتومو القيد، وحياتهم كانت الأكثر تعقيداً؛ فلم يُسجَّلوا في أي سجل رسمي ولا يملكون أي وثيقة صادرة عن دولة، وتم توريث صفتهم هذه للأبناء حتى صدر مرسوم 13 لعام 2026 لمعالجة وضعهم.

خلال سنوات حكم الإدارة الذاتية، ظهرت وثائق محلية إضافية مثل بطاقة التعريف المحلية التي تُمنَح لإثبات السكن المؤقت، وبطاقة الكفيل التي كانت تُطلَب من القادمين من محافظات أخرى لضبط الإقامة والتنقل.

وهكذا ارتبطَ تعريفُ الشخص في الحسكة، في حالات كثيرة، بما يحمله من وثائق وبالجهة التي تعترف بها، إلى جانب انتمائه الاجتماعي.

حلول محليّة في إدلب وشمال غرب سوريا

في إدلب ومناطق شمال غرب سوريا، التي تقاسمت إدارتها قبل سقوط الأسد الحكومة المؤقتة المرتبطة بالائتلاف المعارض وفصائل «الجيش الوطني» التابع لتركيا وحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، عاش السكان تجربة مختلفة. فبعد توقف إصدار البطاقة الشخصية خلال سنوات الثورة، أصدرت كل من الحكومتين بطاقات محلية معتمدة داخل مناطقها. لكن التغييرات الإدارية التي شهدتها سوريا نهاية 2024 أدت إلى فراغ وثائقي جديد؛ إذ لم تَعُد تلك البطاقات مُعترَفاً بها خارج المنطقة، وتوقّفَ إصدار بطاقات جديدة عام 2026 بسبب التوحيد الإداري ونقص الإمكانيات وعدم الاعتراف الرسمي.

ومع غياب البديل، أصبحت وثيقة القيد المدني الوثيقة الأساسية للتعامل مع المؤسسات، لأنها تحمل الرقم الوطني وتصدر عن مديرية الشؤون والنفوس المدنية التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة السورية، وتُقبَل في جميع الدوائر والمحاكم والمدارس. يقول موظف في محكمة إدلب: «نحو 90% من المراجعين اليوم يحضرون مع إخراج قيد. الهوية القديمة منتهية الصلاحية ولا يوجد تجديد لها. أصبحنا نعتبر القيد المدني هو الوثيقة الأساسية».

وإلى جانب وثيقة القيد يَعتمدُ أهالي إدلب اليوم على خمس وثائق رئيسية لإثبات الشخصية: بطاقة تعريف محلية تصدر عن المجالس المحلية والمخاتير وتُستخدم للتنقل بين القرى واستلام المساعدات، وهوية حكومة الإنقاذ التي لا تزال سارية داخل إدلب وتُسهّل بعض المعاملات، وبيان الولادة لتسجيل الأطفال وإثبات النسب، ودفتر العائلة الذي توقف تجديده منذ 2022 ويُقبَل فقط إذا كان سارياً، ثم جواز السفر الذي يبقى الوثيقة الوحيدة للسفر خارج سوريا، رغم صعوبة استخراجه داخل إدلب واعتماد الناس على سماسرة عبر معبر باب الهوى بتكلفة تتراوح بين 140 و150 دولار، ومدة تتراوح بين يوم واحد إلى أربعة أيام.

فراغ وثائقي شامل على المستوى الوطني

وتعزّز بيانات تقييم الاحتياجات القانونية الصادر عن برنامج المعلومات والاستشارات والمساعدة القانونية (ICLA) صورةَ هذا الفراغ الوثائقي؛ إذ تشير إلى أن 62% من الأسر السورية تضم فرداً واحداً على الأقل يفتقر إلى الوثائق المدنية، مقابل 38% فقط تملك وثائق كاملة. كما يُظهِرُ التقييم أن 80% من العائدين منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 يعانون من نقص في الوثائق الثبوتية، ما يجعلهم عاجزين عن استكمال معاملاتهم الأساسية.

وبحسب التقييم تبرز الفوارق الجغرافية بوضوح؛ إذ سُجِّلت أعلى مستويات الثغرات في التوثيق في الحسكة وحماة، تلتها دمشق ودرعا وحمص، نتيجة مزيج من انهيار السلطة، وعدم الاتساق الإجرائي، ومحدودية النطاق الإداري. وتُشير المناقشات بحسب العينة إلى أن وجود مكاتب سجل مدني عاملة حتى في محافظات مثل دمشق وأجزاء من حلب لا يعني بالضرورة قدرة الناس على الوصول إليها، إذ لا يُترجَم القُربُ الجغرافي إلى إمكانية وصول موثوقة في ظل ضعف البنية الإدارية وتعطّل الخدمات.

خلقَ هذا الواقع تداعيات كبيرة؛ فالمعاملات المدنية الحسّاسة كالزواج والطلاق والميراث والبيع والشراء تُنجز اليوم عبر وثيقة القيد المدني، ما يجعل أي خطأ في الوثيقة خطراً مباشراً على الحقوق. كما أن أزمة السفر تحاصر من لا يملك جوازاً داخل المنطقة. وبينما سدّت الوثائق البديلة الفراغ القائم، تبقى حلاً هشاً ومؤقتاً في ظل غياب بطاقة هوية وطنية موحدة.

وقد انتشرت في الأيام الماضية إشاعات تفيد بأن إصدار البطاقات الشخصية سيبدأ قريباً، لكن مدير عام الأحوال المدنية في سوريا، عبد الله عبد الله، نفى وجود أي موعد محدد لإطلاق البطاقات الشخصية ودفاتر العائلة الجديدة في لقاء مع تلفزيون سوريا. وأوضح أن العملية مرتبطة باستكمال بنية تحتية واسعة تشمل تأهيل قاعدة بيانات متهالكة، وتجهيز 130 مبنى للأحوال المدنية بالمعدات اللازمة، واعتماد معايير تقنية دولية تعتمد على البصمة والصورة الإلكترونية، إضافة إلى تدريب نحو 1500 موظف وصيانة شبكات الاتصال.

وأشار إلى أن المرحلة الحالية تعتمد على إخراج القيد الفردي كبديل رسمي عن الهوية، والبيان العائلي كبديل عن دفتر العائلة، ريثما يتم استبدال الوثائق وتوحيدها بالكامل في جميع المحافظات دون أي تمييز، مؤكداً أن إصدار البطاقات الجديدة لن يبدأ قبل اكتمال الجاهزية الفنية والإدارية.