أعادت الثّورة الرّقميّة صياغة المفاهيم التي تتعلق بالمعرفة والاتصال والإعلام، وقد طرحت أسئلة جديدة تشغل فكر الإنسان الباحث عن المعرفة والطامح إلى توسيع آفاق الثقافة والعلم. ومن هذه الأسئلة دوره في إنتاج الجديد من المعارف وتقديمها، هذا بالإضافة إلى انشغاله بالأدب الذي بات مستقبله “في خطر” على حد تعبير ت. تودوروف، ولكن الخطر اليوم أصبح متمثلًا في سيطرة الخوارزميات، وبناء السمعة الرقمية، وتأثير ذلك في الأفراد والمؤسسات والمجتمعات في هذا العصر المختلف، عصر الذكاء الاصطناعي.
انطلاقًا من هذه الإشكالية، سنقترب في هذا الحوار من تجربة ضيفتنا الأكاديمية الإعلامية د. سالي أنيس حمّود، الخبيرة في شؤون الذكاء الاصطناعي، والباحثة في هذا المجال، والتي بدورها ستوضح لنا وستعيد تشكيل نظرتنا إلى الذكاء الاصطناعي من خلال كتابها الذي صدر حديثًا بعنوان “الذكاء الاصطناعي في تكوين السمعة الرقمية”.
(*) إلى أي مدى يسهم الذكاء الاصطناعي في تعميق أو تقليص الاختلافات المعرفية بين الأفراد، وما انعكاسات ذلك على الاستقلالية الفكرية، والتفكير النقدي، وإنتاج المعرفة؟
أصبح أثر الذكاء الاصطناعي في تشكيل المعارف أساسيًا جدًا، ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى الجماعات أيضًا. فتأثيره اليوم لم يعد يقتصر على الحصول على المعلومات، أو إنجاز المهام، أو الإجابة عن الأسئلة، بل بات أعمق من ذلك بكثير: إنه يرتبط بكيفية تشكيل إدراكنا للعالم، وبكيفية بناء النظام المعرفي الذي نعتمد عليه في فهم الواقع واتخاذ القرارات. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بإنتاج المعلومات، بل يشارك في صياغة الطريقة التي نفكّر بها ونفسّر بها ما حولنا.
ولتوضيح ذلك، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي تُبنى على بيانات ضخمة جرى تصنيفها من قبل ما يُعرف بالعاملين على وسم البيانات (Data Labelers)، الذين يقومون بتسمية الصور والكلمات والأشياء وإعطائها تصنيفات محددة يتعلّم منها النموذج. وعندما تصبح هذه النماذج هي المصدر الذي نبني عليه معارفنا، نكون أمام نظام معرفي يتشكّل بدرجة كبيرة عبر الآلة والبيانات، ولم يعد للإنسان فيه الدور المركزي الذي كان يمتلكه سابقًا.
وهنا تكمن الخطورة: لقد بدأنا نبني معارفنا على مخرجات تعلّم آلي، وفي كثير من الأحيان تكون هذه النماذج قد تعلّمت من كميات هائلة من البيانات من دون أن يكون للإنسان دور مباشر في مراجعتها، أو توجيهها. وهذا ما يجعل الاختلافات المعرفية بين الأفراد اليوم مرتبطة إلى حدّ بعيد بما تقدّمه لهم الخوارزميات، لا بما يختارونه هم بأنفسهم.
(*) ماذا عن الأدب واللغة وسط هذا العالم الواسع؟ وهل من كلمة تطمئننا على دور الكاتب وسط إتقان الذكاء الاصطناعي الكتابة الأدبية؟
بالرغم من أن جميع المجالات تأثرت بالذكاء الاصطناعي، فإنني أعتقد أن المجال الأكثر حساسية هو الأدب. فالذكاء الاصطناعي أصبح اليوم المنافس الأول للكاتب، سواء في كتابة النصوص، أو في إنتاج المحتوى.
لكنني، وكما ذكرت في مناسبة سابقة، لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيتمكن من منافسة الأدب الحقيقي، ولا سيما الشعر. والسبب أن الأدب لا يقوم على اللغة وحدها، بل على التجربة الإنسانية؛ إنه نتاج عمق الكاتب، وذاكرته وعواطفه، وما مرّ به من تجارب. فكل إنسان يشعر بالحزن بطريقة مختلفة، ويختبر الفرح بطريقة مختلفة أيضًا، وهذه المشاعر لا تبقى في الداخل، بل تنعكس في السلوك والكلمات والموسيقى والقصائد، وفي طريقة السرد والتعبير. لذلك، حتى لو استطاع الذكاء الاصطناعي تقليد الأسلوب، أو البنية اللغوية، فإنه لا يعيش التجربة التي تمنح النص روحه.
ولهذا السبب، عندما نقرأ عملًا أدبيًا، فإننا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ أيضًا حياة الكاتب وظروفه والسياق الذي كُتب فيه النص: أين كُتب؟ ومتى؟ وما الذي كان يعيشه المؤلف في تلك اللحظة؟ ومن هنا نشأت مدارس كاملة في النقد الأدبي تربط بين الكاتب ونصه، وبين النص والقارئ، لأن الأدب علاقة إنسانية قبل أن يكون مُجرّد كلمات. وهذا، في رأيي، هو الجانب الذي سيظل الأصعب على الذكاء الاصطناعي أن يحلّ محلّه.
(*) كيف أسهمت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في إعادة توزيع السلطة الإعلامية، وما انعكاسات ذلك على تشكيل الرأي العام، وإدارة المعلومات، وبناء السمعة الرقمية؟
بعد التطور التكنولوجي، تسارعت وتيرة تدفّق الإعلام والمعلومات إلى درجة بات معها من الصعب جدًا ضبطها، أو التحكم فيها. ومع طفرة الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الثورة الرقمية أكثر قوة وتأثيرًا. أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمتلك اليوم سلطة تتجاوز في كثير من الأحيان سلطة المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل وحتى بعض الفاعلين السياسيين.
لماذا؟ لأن الخوارزميات باتت تؤدي الدور الذي كانت تقوم به المؤسسات الإعلامية سابقًا. ففي الماضي كان هنالك ما يُعرف بحارس البوابة (Gatekeeping)، وكانت هنالك السياسة التحريرية (Editorial Line) التي تحدد ما يُنشر، وما لا يُنشر. أما اليوم فالخوارزميات هي التي تحدّد إلى حدّ كبير ما نراه، وما يختفي عن أعيننا، وما يحظى بالانتشار. كما أنها تمارس دور ترتيب الأولويات (Agenda Setting)، فلا تكتفي بعرض المحتوى، بل تؤثر في القضايا التي نعتقد أنها الأكثر أهمية، وتضعنا داخل ما يُعرف بغرف الصدى (Echo Chambers)، حيث نتعرض باستمرار إلى معلومات وآراء تشبه قناعاتنا المسبقة، فتتعزز هذه القناعات، ويضيق تعرّضنا لوجهات النظر المختلفة. وفي الوقت نفسه، تُجمع كميات هائلة من البيانات عن سلوكنا الرقمي وطريقة استهلاكنا للمحتوى، لتُستخدم في التنبؤ بتصرفاتنا، والتأثير في قراراتنا كمستهلكين، وأحيانًا كمواطنين أيضًا.
من هنا، أقول إن الثورة الرقمية أفرزت سلطة جديدة في حياتنا لم تعد سلطة الإعلام بمعناها التقليدي؛ أنا أسمّيها السلطة الخامسة، وهي سلطة الخوارزميات. فالخوارزميات أصبحت البديل عن حارس البوابة والسياسة التحريرية وسواهما، لكن الأخطر أنها سلطة غير مرئية: السياسة التحريرية كان يمكن رؤيتها ومساءلتها، أما مع الذكاء الاصطناعي فنحن لا نرى ما يجري خلف الكواليس.
وقد خلق هذا التحول الكلي نحو الإعلام الرقمي نشاطًا يتجاوز كونه نشاطًا اتصاليًا؛ إذ انصبّ الاهتمام على تكوين سمعة رقمية للأفراد والمؤسسات والحكومات، بل وحتى للمواضيع والقضايا التي بات يجب أن تمتلك سمعة رقمية كي تكون حاضرة في المحيط الفكري والإدراكي للمجتمع. وهذا هو جوهر ما أعالجه في كتابي عن الذكاء الاصطناعي في السمعة الرقمية.
(*) أصبح الخوف من أخطار التقنيات الحديثة موضوعًا متداولًا. هل يخيفنا هذا التطور فعلًا؟
قبل كتابة هذا الكتاب، كنت من أكثر المتحمسين للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خصوصًا أنني في مرحلة الماجستير كنت أبحث في مشروع للأمم المتحدة كان جوهره بناء نظام قادر على تحويل اللغات التي نتحدث بها ونكتبها إلى لغة الكمبيوتر، ثم تحويل النص نفسه، من دون تبديل في المعنى والسياق، إلى لغة أخرى، وهو ما يُعرف بمعالجة اللغات الطبيعية.
غير أن الوضع تغيّر بعد إطلاق ChatGPT. فقبل ذلك كانت المؤسسات التكنولوجية تسعى إلى كسب ثقة الحكومات والمستهلكين، شأنها شأن كثير من الابتكارات؛ أما اليوم فقد باتت أشبه بمن يفرض سياساته على الحكومات نفسها وعلى المستهلكين، ذلك أن للذكاء الاصطناعي سطوة أقوى بكثير من أي وسيلة تكنولوجية أخرى.
وأكثر ما يخيف هو قدرة الذكاء الاصطناعي على الإقناع. وقد بدأتُ كتابي بفصل عن الإقناع ينطلق من الفكر الإغريقي، حيث كان الإقناع يقوم على البلاغة في المحاججة والمحادثة، وكان فنًا بذاته؛ بل إن تطور الحضارة عند الإغريق قام على القدرة على الإقناع لحشد المواطنين نحو بناء المدينة الديمقراطية المدنية. ثم تطور الإقناع مع الزمن ليتغلغل في علوم أخرى كعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس السلوكي وعلم الاجتماع، وصولًا إلى مجالات التصميم، فنشأ ما يُعرف بالتصميم الإقناعي (Persuasive Design)، والتقنيات الإقناعية (Persuasive Technologies)، وهي، كما أشرح في الكتاب، قادرة على تغيير سلوكنا بقوة، ومن دون أن نشعر أحيانًا.
وهذه القدرة على الإقناع وتبديل السلوك تقوم على عاملين أساسيين: الأول هو اللغة، أي كيفية التواصل معنا، ونرى اليوم كيف تتّجه النماذج اللغوية الضخمة بسرعة نحو اللغات الأخرى لتصبح متاحة بغير الإنكليزية؛ والثاني هو التكنولوجيا نفسها التي لا تتوقف عن التطور.
خلاصة القول: الخوف من أخطار التقنيات الحديثة لم يعد خوفًا من التقنية بذاتها، بل من التحوّل الذي فرضته على المجتمع. فلا يمكننا أن ننكر أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلًا في السلوك الفردي والجماعي والمؤسساتي، لكنْ ثمة عنصر أساسي لم يتحول بالقدر الكافي، وما زلنا غافلين عن أهمية التحول فيه، وهو السياسات والتشريعات والحوكمة.
(*) ألا ينبغي أن تبدأ المدارس بتعريف الطلاب على تقنيات الذكاء الاصطناعي في مرحلة مبكرة؟
من دون شك. وقد ركّزت في الكتاب على موضوع التثقيف بالذكاء الاصطناعي بوصفه المرحلة التي تلي التثقيف الإعلامي، لأنه أمر أساسي جدًا، ويجب أن يبدأ من المدارس. لكن المسألة لا تخص الطلاب وحدهم؛ فالمشكلة الحقيقية، وأقولها من تجربتي، تكمن في المعلمين. فالعلاقة بين الطالب والأستاذ تبدّلت مع دخول الذكاء الاصطناعي، ونحن نعرف أن الجيل الصغير يتعامل مع التكنولوجيا بسهولة أكبر بكثير، وهذا في حد ذاته أعاد تشكيل تلك العلاقة.
كما أن المدرسة نفسها لم تعد التجربة ذاتها، وهذا ما أتناوله في الكتاب أيضًا؛ فالمدارس اليوم تسعى إلى بناء سمعة خاصة بها، وحين يريد أي أب، أو أم، اختيار مدرسة لابنه، أو ابنته، فإنهما ينظران إلى اسمها من خلال السمعة المتداولة، وهذه السمعة باتت تتكوّن في أروقة الفضاء العام الرقمي الذي لم يعد افتراضيًا، بل أصبح جزءًا من حياتنا. لذلك على المدرسة، كمؤسسة، أن تعيد النظر في كيفية بناء علاقتها مع الأهل والطلاب وأصحاب المصلحة كافة، وفي سير العمل التنظيمي داخلها الذي تبدّل بدوره.
وهنا أستحضر تجربة شخصية: فقد أنشأنا منصة لتعليم الطلاب الثقافة الرقمية في الذكاء الاصطناعي (AI Literacy)، ولدينا اليوم أكثر من اثني عشر ألف طالب يتعلمون عبرها في مدارس لبنان وبعض الدول العربية، وهي منصة تتضمن أدوات ذكاء اصطناعي يستخدمها الطالب مباشرة. وقد طوّرناها لتصبح متاحة للمعلمين أيضًا، مع مقاربة تدريبية تختلف عن مقاربة طلاب المدارس، بحيث يعيش الأساتذة بدورهم تجربة تعلم مختلفة.
ولإكمال هذه الدورة، تمتلك المدرسة نفسها إمكانية الوصول إلى المنصة، بحيث تنسجم الرحلة التعليمية التي يمر بها الطالب والأستاذ مع رؤية المؤسسة ورسالتها ومواردها، وتتوافر لها بيانات تعتمد عليها لقياس أداء الطالب والأستاذ في آن واحد، ولتعرف، ككيان مؤسسي، ما الذي يجب أن تفعله في الخطوة التالية.
(*) إلى أي مدى غيّرت تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقمنة مفهوم الجمهور المتلقي؟ وهل ما زالت نظريات الاتصال التقليدية قادرة على تفسير سلوك الجمهور في بيئة الإعلام الرقمي؟
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم عناصر العملية الاتصالية برمّتها، وهذا ما خلصت إليه في النموذج الذي طوّرته في دراستي، وهو نموذج إعادة تدوير العناصر الاتصالية. فمع الذكاء الاصطناعي أصبح تحوّل العنصر الاتصالي من دور إلى آخر سريعًا وسهلًا جدًا، لكن الخوارزمية هي المتحكمة به.
فأنا، كمرسِل أملك قناة على إنستغرام، أو يوتيوب، أصبحت أنا القناة نفسها، ولم أعد مجرد مرسل، وهنا تسقط عملية التحرير والضبط التحريري. وأستطيع في الوقت ذاته أن أكون التشويش (Noise): فحين أعيد نشر رسالة ما، وأعلّق عليها، أساهم في إقناع الجمهور، أو التأثير عليه، فتتحول الرسالة إلى ضجيج، وإلى رجع صدى (Feedback) في آن واحد. وكل ذلك يرتبط بما ذكرته عن السمعة الرقمية، لأن هذه الحركة الدائمة بين العناصر الاتصالية هي التي تسهم في تكوين تلك السمعة.
والذكاء الاصطناعي أساسي في هذا كله، لأنه بات المتحكم: هو الذي يحدد أي رسالة تصلني، ومن أي مرسِل، وهو الذي يولّد التشويش نفسه، وهو الذي أصبح قادرًا، عبر الروبوتات، على إنتاج رجع الصدى. نحن، إذًا، أمام وجه جديد للإعلام ولسلطته، لا تستطيع نظريات الاتصال التقليدية وحدها تفسير سلوكه؛ فكيف نفسّر، مثلًا، بالأدوات الكلاسيكية، فيديو غريبًا لا يحمل أي مضمون ويحصد ملايين المشاهدات؟
(*) ما هي أبرز الفرص والتحديات التي يفرضها الميتافرس على المؤسسات الإعلامية في بناء التفاعل مع الجمهور؟
كان الميتافرس مشروعًا جريئًا جدًا، لكنه لم يعد ضروريًا، ولا يملك الأولوية نفسها، خصوصًا مع توسّع سوق الذكاء الاصطناعي نحو مجالات وأسواق أخرى، وتحديدًا مع نشأة وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents). بل يمكن القول، بين هلالين، إن هؤلاء الوكلاء خلقوا الميتافرس الخاص بهم: فقد ظهرت منصات اجتماعية مخصصة حصرًا لوكلاء الذكاء الاصطناعي، لا يستطيع أي بشري الدخول إليها، وكان هؤلاء الوكلاء ينشرون محتوى يصل إلى حدّ السخرية من البشر. وهذا مؤشر إلى أن أمورًا بدأت تخرج عن السيطرة.
أما الميتافرس بصيغته الأصلية، فكان عبارة عن واقع افتراضي تستطيع شركة ميتا من خلاله بيع منتجاتها، لأنها شركة قائمة على الربح، وكانت أولى الجهات التي دخلته علامات كبرى، مثل ديور، ولويس فيتون، ونايك، وهي مؤسسات لا تهدد ميزانياتها مغامرة من هذا النوع. لكن مع تطور الواقع الافتراضي والواقع المعزز، بات الإنسان قادرًا على العيش في هذه البيئة من دون الحاجة إلى ميتافرس بوصفه عالمًا موازيًا إلكترونيًا منفصلًا؛ إذ أصبح قادرًا على المزج بين العالم الذي يعيش فيه، والعالم الموازي.
ومن هنا نشأ النقاش حول الترانسهيومانيزم (ما بعد الإنسانية): علاقة الارتباط بين الإنسان وبيئة موازية غير موجودة حسيًا بالمعنى المادي، لكنها حاضرة في الحواس، في النظر والسمع وسواهما. والترانسهيومانيزم يطرح قضية بالغة الأهمية، إذ لا يتحدث فقط عن تبدّل في السلوك البشري، بل عن تبدّل في الإدراك الجماعي للأفراد.