إنه القاص والشاعر والموسيقي والفنان التشكيلي البارز فاتح المدرّس، الذي يُعد من التشكيليين المهمين في القرن العشرين. هو أول من أسس للتجريدية في سورية، بتجربته الخاصة والمتشعبة، التي اتسمت بالتمرد والعبقرية، كونه صاحب فلسفة إنسانية عميقة، وله عالمه الإبداعي الغني والمتنوع. مارس نزعته التهكمية بألوانه وكلماته ورموزه. تشكلت عوالمه الفنية والأدبية منذ طفولته من مفردات ريفية عاشها في تلك المرحلة. قُتل والده وهو في الثانية من عمره، فعاش مع والدته في ريف حلب طفولة قاسية ومحزنة. وعندما توفيت رثاها بحزن وبكاء مريرين: “أنتِ لستِ سوى حركة عود السوسن في الريح. رحلت أيقونتي ورغيف خبزي الذي كلما قضمته صار أكبر”.
هو “الساحر الذي أتى من الشرق”، كما قالوا ذات يوم. تلخيص تجربته الإبداعية والإنسانية في مقال، أو غيره، ضرب من الخيال، لأن حياته غنية ومتنوعة، ركض خلالها بين الوديان وشقائق النعمان ودروب الفقر والفلسفة والفنون: “إنني مواطن يشعر بمسؤولية البناء مع كل دقة من قلبي. وغرامي بالفنون يمثل وجودي. الفن يجعل الحياة محتملة، ويعطر الوجود. أنا شاهد على أحزان عصري”.
اكتسبت تجربته الفنية عمقًا ثقافيًا وإنسانيًا انطلاقًا من حساسيته المدهشة وثقافته الواسعة، خاصة تلك المرتبطة بخزان الشرق وأساطيره وموروثه. خاطبه صديقه، الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي اقتنى أربع لوحات متميزة له، وترجم مجموعة من قصائده من الإيطالية إلى الفرنسية قائلًا: “أعمالك تتراوح بين التجريد الرصين ووجود الطبيعة كما نراها في الحلم. حتى إنسانك يتمتع بالقوة والغربة والصمت”.
وُلد في قرية “حريتان” في حلب عام 1922، ودرس الفن في أكاديمية روما عام 1956. عاد إلى كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1961، واتخذ له مرسمًا هناك، ثم تابع الدراسة في ما بعد في “أكاديمية الفنون الجميلة” في باريس، وحصل على الدكتوراة عام 1972.
شكل المدرّس محطة حضارية إبداعية في تاريخ الفن العربي والعالمي، وهو أحد أبرز مؤسسي الحداثة التشكيلية في العالم العربي، وأستاذ الرسم السريالي السوري. تتميز لوحاته بالمزج بين التجريد التعبيري والرمزية المستوحاة من البيئة والأسطورة السورية، وهو كما قالوا عنه: “الراسخون لا يتبدلون”.
| (فاتح المدرس) |
امتلك رؤية خاصة بالفن التشكيلي، وكانت الألوان أشخاصًا بالنسبة إليه “تمتلك أصواتًا”. استخدم اللون الأزرق كثيرًا، وأعطاه وسام الحيوية واصفًا إياه بـ”المقاتل الذكي”. كما رفع من مكانة الأبيض في لوحاته التي تزخر بالقيم الفلسفية والمعاني الإنسانية التي عبر من خلالها عن هموم الإنسان وعلاقته بأرضه، وعن طفولته ورؤاه الذاتية وتجاربه الجديدة التي نبعت من ثقافته التي اكتسبها خلال دراسته في الأكاديميات الأجنبية، وموهبته التي برزت في مراحل مبكرة جدًا.
مالَ التشكيلي الراحل إلى السريالية، وعبّر عن الريف والتراث السوري وقضايا مجتمعه بأسلوب حداثي ربط بين الأصالة والتجديد، وقد أنتج مرسمه آلاف اللوحات الزيتية والمائية الكبيرة والصغيرة، وكانت الصور تتراكم في كل منها، وكأنه يغزل كلمات أسطورة قادمة من الشرق البعيد. رسم شخوصًا جدّية ورزينة معبرًا عنها بأسلوبه الذي يتميز بالرؤوس المربعة التي تحاكي التماثيل التراثية، كالآشورية والتدمرية، والأيقونات المسيحية، مستخدمًا الرمل في معظم أعماله، وركز على مظاهر الظلم والقهر في بلاده. حضرت والدته في لوحاته كثيرًا. صورها في البداية تصويرًا واقعيًا، لكنه في ما بعد أدخلها في أجوائه في السهول الحزينة وأشجار الجبال ورائحة الأرض: “كانت أمي كل شيء. كانت أمًا عميقة. تعيش شبابها بحزم تحت المطر والثلج، وتعيش من أجل أولادها”. ورسم أيضًا وجوهًا لرجال ونساء متعبين، ولفلاحات يعملن في الحقول بكل محبة وإخلاص: “غالبًا ما أرسم إمّا وجوهًا سياسية فيها تهجم وإدانة، وإمّا أرسم الأطهار، أي الفلاحات. أنا أراهنَّ من أطهر البشر في سورية، وأرى وجه المرأة من الوجوه الوحيدة التي لا تعرف استعمال أي قناع”.
توقف مطولًا في نتاجه التشكيلي عند القضية الفلسطينية وحق العودة والنزوح والمقاومة والدمار الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي نتيجة حروبه العدوانية ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني، وذلك بتجسيده معاناة وألم ومأساة هذا الشعب في لوحات عديدة أشهرها: “أطفال فلسطين”، التي تُعد واحدة من أبرز الأعمال السياسية والإنسانية المبكرة في مسيرته، وقد جسدت عذابات اللجوء والتهجير القسري عقب نكبة فلسطين، إضافة إلى بؤس الطفولة الفلسطينية في المخيمات والمنافي. وبرز في اللوحة أسلوب المدرّس الشهير القائم على تحوير الوجوه والأشكال، حيث تظهر الشخوص بعيون زائغة وخائفة تعبر عن حالة الرعب والتهديد المستمر الذي يعيشه الطفل اللاجئ. وعبر في لوحاته عن الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في نيسان/ أبريل عام 1975، قائلًا: “بعض الوجوه ولدت خرساء ثُبتت على جدار الليل في الحرب الأهلية اللبنانية”، وفيها اتحدت الأم بالأرض في لون بني أو عسلي أو ترابي، الألوان المتكررة في أعماله.
من أشهر لوحاته: “كفر جنّة” المسماة باسم قرية في ريف حلب، وصورت الإنسان شديد الالتصاق بالأرض، الأم التي تُطعم وتحنو على الجميع، وتبدو دائمًا فلاحة تحمل على رأسها المحصول وتلتحم مع شجرة راسخة وقوية، وقد سيطر اللون الأخضر القاتم على هذه اللوحة وأعطاها كثيرًا من الكآبة والوحشة.
| (فاتح المدرس) |
ولوحته: “التدمريون”، وفيها رسم ملامح لرجال أسطوريين ولآلهة الخصب بإحساس فطري يعكس الهوية والروح الشرقية، استخدم فيها خطوطًا عفوية وألوانًا تحاكي تربة مدينة تدمر السورية بحمرتها وسمرتها، وتضمنت أشكالًا تشبه “الدمى المضغوطة” المصنوعة من الخِرق متعددة الألوان.
دخلت لوحاته معظم متاحف الفن الحديث في العالم، واقتناها عدد من الشخصيات العامة والهامة، مثل: رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية الدكتور فالتر شيل، و جاك شيراك عندما كان رئيسًا لوزراء فرنسا، وغيرهم.
أسس الراحل لما يسمى اللوحة التي تتضمن شعرًا، واعتمدها فنانون كبار من بعده. كما اختزل حقبة طويلة من التجربة اللونية والثقافية، وقد قال عنه الفنان التشكيلي غازي الخالدي: “إنه يفتح العينين. ويجعلك تشعر أن الحياة تستحق العيش”.
امتدت معرفته إلى كل أنواع الثقافة والحياة والفلسفة وعلم الحيوان والطبيعة، وهذا ما جعل الشاعر أدونيس يقول: “لم أحضر يومًا في حضرته. إلا وتعلمت منه شيئًا جديدًا”.
كان ساخرًا مؤمنًا بأن على الرسام “أن يكون متصلًا بالتقاليد والتاريخ والذكريات”. شارك في أكثر من ستين معرضًا محليًا وعربيًا ودوليًا، وحصد كثيرًا من الجوائز والأوسمة، من فلوريدا، إلى روما، وسان باولو، وصولًا إلى دمشق.
كتب عددًا من المؤلفات، منها: مجموعته القصصية “عود النعناع”، استخدم فيها الكوميديا السوداء والسخرية بألوان تشبه لوحاته، وفيها: “كان القلم ريشة تلون الكلمات المكتوبة. والورقة قماشة تحتضن مسرحًا تتحرك عليه أرواح إنسانية موجعة. تتصارع مع ذواتها وفضاءاتها. لقد رسم بالكلمات لوحات انطباعية”، وجمع بين التصوير الفوتوغرافي والأدب.
كما ترك مجموعتين شعريتين: “القمر الشرقي يسطع على شاطئ الغرب”، و”زمن اللاشيء” نهاية الثمانينيات، وقد عبرت أشعاره عن فلسفته العميقة واختياره للكلمات بدقة: “يبدو لي أننا في حياتنا نبحث عن الخطأ، نمارس الخطأ، إنها لذة النهايات التافهة. ما هذا العبث الكوني المسكين”.
كتب أيضًا مقالات في صحيفة “تشرين” السورية آنذاك، وأبرز المجلات الثقافية التي كانت تصدر منذ أربعينيات القرن الماضي. وله مؤلفات أخرى: “دراسات في النقد الفني المعاصر” أصدره عام 1954، وعرض فيه موجزًا لتاريخ الفنون وتطور النقد، و”تاريخ الفنون في اليمن ما قبل الميلاد”، وهو دراسة تاريخية وفنية متخصصة تركز على الفنون القديمة اليمنية في فترة محددة، وتستعرض جذورها التي نشأت مع الحضارات الموغلة في القدم. إضافة إلى قراءة تحليلية للنقوش والآثار اليمنية.
كان مرسمه يعج بالمثقفين والفنانين التشكيليين وطلاب كلية الفنون الجميلة الذين كانوا ينظرون إليه بحالة من القدسية، ويرونه رمزًا وقدوة بعد أن اختصر في ذاته روح الفن السوري وكل مفهوم التجديد، كما قال النحات مصطفى علي. تحول اليوم إلى مكان رتيب تسكنه خيوط العنكبوت، لكن جدرانه ما زالت تحمل أوراقًا كُتب عليها: “المطر لا يهطل على الفقراء”، و”يستطيع رجل واحد أن يغلّف جيلًا بالظلام”، وما زالت مقتنيات المدرّس وآثاره فيه، بانتظار ترميمه وإعادة تأهيله بعد قرار رسمي صدر بهذا الخصوص ضمن برنامج: “ترميم الذاكرة التشكيلية السورية”.
كانت مواقفه ثابتة وجذرية تجاه فلسطين والعدالة الإنسانية، آمن بالشعوب المقهورة وحقها في الحياة الكريمة، رسم الجنرالات بشكل قبيح وتهكمي، ونادى بالعدالة والسلام: “كلنا أخلاقيون ونكتب الشعر ونزرع أزهار المحبة. لكن ماذا نفعل لو وقفنا جميعًا أمام مقبرة جماعية تحوي آلاف جثث البشر الذين قُتلوا أمام بعضهم البعض رشًّا ودراكًا. هل نرسم زهرة في إناء”.
لكن، ورغم كل ما قدمه للثقافة والحضارة، واجهت أعماله التشكيلية بعض الانتقادات لميله إلى السريالية والتجريد وابتعاده عن الواقع، ولإغراق لوحاته بالرمزية المعقدة، وتمرده على النسب التشريحية الصارمة، حيث كان يعتمد تشويه الأشكال وتحويرها، كالوجوه، والأطراف، لإبراز التعبير الداخلي النفسي بدلًا من نقل الواقع البصري كما هو.
قال لطبيبه الخاص بعد إصابته بالمرض الخبيث، والسكري، ومعاناته الكبيرة من الألم الذي لا يُحتمل: “أنا على حافة الموت. تعال أعطني حقنة أريد أن أرتاح”.
رحل كما ترحل الطيور الجميلة قبل الأوان، بعد أن اضطُر لبيع لوحاته بسعر زهيد ليعيش بكرامة في زمن سوري مظلم لم يحصل المبدعون فيه على ما يستحقونه من التكريم والاحترام والحياة المريحة الآمنة. وبعد رحيله وُضعت أعماله إلى جانب أعمال الرسام والنحات الإسباني الشهير بيكاسو وأهم فناني العالم، وبيعت بأغلى الأثمان، لمبدعها المعلّم الذي بقي حتى اليوم الأستاذ و”الساحر الذي أتى من الشرق”.
المراجع:
ــ جمر تحت الرماد- فاتح المدرّس (رحلة الحياة والفن).
ــ مواقع إلكترونية.
ــ بوابة سورية.