في السياسة، كما في البروتوكول العثمانيّ، لا يُختار المكان بلا معنى. لذلك حين يدعو الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان رئيس الحكومة نوّاف سلام وزوجته سحر بعاصيري إلى قصر دولمة بهجة في إسطنبول، لا يعود اللقاء موعداً ثنائيّاً عابراً. القصر الذي شهد فصولاً من تاريخ تركيا الحديثة يتحوّل هذه المرّة إلى منصّة جديدة لفتح الباب بين بيروت وأنقرة، وفي لحظة لبنانيّة شديدة الحساسيّة، للبحث في شؤون الجنوب، اتّفاق الإطار، إعادة الإعمار، وسلاح “الحزب”.
يستعدّ لبنان لزيارتين منفصلتين لتركيا: الأولى يقوم بها رئيس الحكومة نوّاف سلام غداً الجمعة. والثانية يقوم بها رئيس الجمهوريّة جوزف عون في التاسع والعشرين من هذا الشهر، بعد عودته من واشنطن، وفق معلومات “أساس”.
سلام في دولمة بهجة
كان سلام متوجّهاً إلى تركيا مع وفد وزاريّ، قبل أن يقرّر إردوغان رفع مستوى الزيارة سياسيّاً وبروتوكوليّاً. فبحسب معلومات “أساس”، دعا الرئيس التركيّ رئيس الحكومة وزوجته إلى قصر دولمة بهجة، على أن تتمّ الاستضافة يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة، بحضور وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان ومدير جهاز الاستخبارات التركيّ إبراهيم قالن.
ليست الدعوة شخصيّة فقط، وليست شكليّة أيضاً. في الشكل، في المضمون، هناك محاولة تركيّة لإعادة وصل العلاقة مع لبنان من أعلى مستوى حكوميّ، بعد مرحلة اتّسمت بالبرودة والتردّد.
سلام هو المسؤول اللبناني الثاني الذي يُكرَّم بالاستقبال في قصر السلطان عبد الحميد. الأول هو وزير الداخلية الأسبق في حكومة تمام سلام، نهاد المشنوق، الذي أقام له بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي الأسبق، مأدبة عشاء في القصر نفسه أثناء قيام المشنوق بزيارة رسمية إلى تركيا. على عكس ما حصل حين رافق الوزير المشنوق رئيسَ الحكومة سعد الحريري في زيارة رسمية إلى أنقرة، حين طلب الحريري من السفير اللبناني غسان المعلم إلغاء موعد للمشنوق مع رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان.
جاءت هذه البرودة في العلاقات، وفق المعلومات، على الأخصّ بعد جنوح الدولة اللبنانيّة في ملفّ ترسيم الحدود مع قبرص، وهو ملفّ تتابعه أنقرة بحساسيّة عالية. ومنذ ذلك الوقت، بدا أنّ العلاقة اللبنانيّة ـ التركيّة تحتاج إلى من يعيد فتح الباب. هذا الدور بدأه نائب رئيس الحكومة طارق متري، الذي زار تركيا والتقى مسؤولين فيها، وفتح الطريق أمام عودة التواصل السياسيّ بين الجانبين.
الجنوب أوّلاً
في لقاء إردوغان وسلام، سيكون الجنوب اللبنانيّ في قلب النقاش. بحسب معلومات “أساس”، سيبحث رئيس الحكومة مع الرئيس التركيّ التحدّيات اللبنانيّة في الجنوب، في ظلّ الوجود الإسرائيليّ واستمرار الضغط على لبنان.
لكنّ اللقاء لن يكون لبنانيّ الصوت فقط، فسلام سيستمع أيضاً إلى الهواجس التركيّة من اتّفاق الإطار المطروح للبنان. لا تقارب أنقرة الاتّفاق بوصفه ملفّاً تقنيّاً أو لبنانيّاً داخليّاً، بل تنظر إليه من زاوية أوسع مرتبطة بموازين المنطقة وبموقع تركيا في أيّ ترتيبات جديدة قد تطال لبنان والجنوب والسلاح.
هنا يصبح توقيت الزيارة جزءاً من رسالتها. فقد اختار إردوغان هذا الموعد بعد قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ، وبعدما تحدّث عن الملفّ اللبنانيّ مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. بحسب المعطيات، قال إردوغان إنّه ضغط على ترامب لكي يضغط بدوره على إسرائيل من أجل الانسحاب من الجنوب اللبنانيّ. بهذا المعنى، تريد أنقرة أن تكون حاضرة في لحظة لبنانيّة لا تُدار من بيروت وحدها. صار الجنوب على طاولة أكثر من عاصمة، وتركيا تحاول أن تحجز مقعدها بين العواصم المؤثّرة.
“أفاد” على خطّ الإعمار
إلى جانب السياسة، تحمل الزيارة عنواناً عمليّاً: إعادة الإعمار. فبحسب معلومات “أساس”، ستقدّم تركيا مساعدات للبنان عبر مؤسّسة “أفاد”، الذراع الحكوميّة التركيّة لإدارة الكوارث والطوارئ، مستفيدة من خبرتها الكبيرة في إدارة الكوارث، ولا سيما بعد الزلازل التي ضربت تركيا.
ليس هذا البعد تفصيلاً. فالجنوب اللبنانيّ لا يحتاج فقط إلى مواقف سياسيّة وضمانات أمنيّة، بل إلى ورشة إعادة إعمار فعليّة. وتركيا تعرف أنّ الدخول من باب المساعدات والإعمار يفتح لها حضوراً مختلفاً: حضور الدولة القادرة على العمل الميدانيّ، لا الدولة التي تكتفي بالتصريحات. من هنا، تبدو “أفاد” كأنّها الذراع العمليّة للانفتاح التركيّ على لبنان، في مرحلة تحاول فيها بيروت البحث عن شركاء لا يقدّمون الكلام فقط، بل وأدوات تنفيذيّة وخبرة مباشرة.
السّلاح وشبكة الضّغط
الأهمّ أنّ الحركة التركيّة لا تقف عند الجنوب والإعمار. بحسب معلومات “أساس”، هناك معطى عن احتمال أن تقوم تركيا ومصر والمملكة السعوديّة وباكستان بضغط لمساعدة الدولة اللبنانيّة في ملفّ سلاح “الحزب”.
إذا تبلور هذا المسار، فهذا يعني أنّ ملفّ السلاح لم يعد يُناقش فقط في الدائرة اللبنانيّة الداخليّة، ولا في القناة الأميركيّة وحدها. بل يدخل تدريجاً في شبكة ضغط إقليميّة أوسع، تشارك فيها دول تمتلك علاقات مختلفة مع لبنان وواشنطن والقوى الفاعلة في المنطقة.
هذا ما يجعل زيارة سلام، ثمّ زيارة عون، أكثر من إعادة دفء إلى العلاقة مع أنقرة. فتركيا تبدو كأنّها تقترب من أكثر الملفّات حساسيّة في لبنان: كيف يمكن دعم الدولة؟ وكيف يمكن التعامل مع السلاح؟ وكيف يمكن ربط أيّ حلّ أمنيّ بإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيليّ من الجنوب؟
عون بعد واشنطن
في التاسع والعشرين من هذا الشهر، وبحسب معلومات “أساس”، يتوجّه رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى تركيا، بعد عودته من واشنطن. تأتي الزيارة الرئاسيّة منفصلة عن زيارة سلام، لكنّها تكملها سياسيّاً. فلن تستقبل أنقرة رئيس حكومة فقط، بل ستفتح أيضاً قناة مباشرة مع رئاسة الجمهوريّة.
ليس هذا التتابع بين واشنطن وأنقرة تفصيلاً. فالرئيس عون يعود من العاصمة الأميركيّة ليتوجّه إلى تركيا، في وقت تتكثّف الاتّصالات من أجل الجنوب، اتّفاق الإطار، السلاح، ودور الدولة اللبنانيّة. وهكذا تبدو تركيا جزءاً من الخريطة التي يحاول لبنان التحرّك ضمنها بين واشنطن والعواصم الإقليميّة.
تجدر الإشارة إلى أنّ وزير الخارجيّة اللبنانيّ كان قد تلقّى أكثر من دعوة إلى المشاركة في مؤتمرات وندوات في تركيا، لكنّه لم يلبِّ هذه الدعوات. لذلك تأتي زيارتا سلام وعون لتقولا إنّ العلاقة التي تعثّرت في الأشهر الماضية تعود الآن من الباب الأعلى.
في قصر عثمانيّ يطلّ على البوسفور، لا تستقبل تركيا ضيوفاً فقط، بل تفتح صفحة جديدة في دفتر لبنانيّ قديم: الجنوب، الإعمار، والسلاح.
