ملخص
من الصعب على ترمب أن يتعلم درس مترنيخ الذي هندس “كونسرت أوروبا” عام 1815 بعد حروب نابليون بالاتكال على توازن القوى في القرن الـ19، إذ قال “لا سلام مع قوة ثورية”.
ليس هناك بالطبع نسختان مختلفتان من “مذكرة التفاهم” بين أميركا وإيران، لكن الكلام المعلن للمسؤولين في البلدين يوحي أن كليهما يقرأ في نسخة مختلفة. وليس التناقض في التصريحات حول الالتزامات المتبادلة في المذكرة، سوى تعبير عن تناقض أعمق في نظرة کل منهما إلى العلاقات مع الآخر. فالرئيس دونالد ترمب يتوهم أنه استعاد “الجوهرة” التي خسرتها أميركا منذ سقوط الشاه، واستطاع أن يصنع ما لم يستطع أسلافه صنعه، وهو السلام مع إيران. لا بل يتصور أنه يصنع “سلاماً في الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ ثلاثة آلاف عام”.
أما المرشد الغائب مجتبى خامنئي وأركان “الجمهورية الإسلامية”، فإنهم مثقلون بذاكرة تاريخية ضد أميركا، ويدركون أن مواجهة أميركا لإخراجها من غرب آسيا هي من أسس الثورة التي حددها الإمام الخميني. وإذا كان المرشد علي خامنئي الذي اغتالته أميركا في بداية الحرب على إيران اعتبر أن “التفاوض مع أميركا ليس ذكياً ولا حكيماً ولا مشرفاً”، فإن نجله مجتبى أجاز التفاوض بسبب ظروف الحرب وما بعدها.
ذلك أن الجدل لا يزال مستمراً منذ سقوط الشاه حول سؤال “من خسر إيران؟”، كارتر وحده أم الرؤساء قبله وبعده ورجال الدولة العميقة؟ ريتشارد هيلمز، السفير الأميركي لدى بلاط الشاه والمدير سابقاً للاستخبارات المركزية، يرى أن إيران هي “مسمار العجلة” و”المركز الجيوبوليتيكي للعالم”، ولا بد من استعادته. وكوندوليزا رايس ترى العكس، وهو أن إیران “دولة توتاليتارية ويجب ألا نرتكب معها الغلطة التي ارتكبناها مع الاتحاد السوفياتي، وهي القبول بشروطه”.
وكان طموح أوباما وبايدن استعادة العلاقات مع طهران عبر الاتفاق النووي للتخلص من سياسات كلينتون وبوش الابن عبر وضعها في “محور الشر”. أما ترمب، فإنه بدأ من “شيطنة” إيران ووضعها في “محور الاضطراب” للوصول إلى أفضل العلاقات معها بعد حرب مدمرة.
وفي الاتجاه الآخر تتحرك إيران الإسلامية. ففي كتاب “إيران” يسجل المؤرخ علي أنصاري أن “الطموحات الإمبراطورية للبريطانيين والروس والأميركيين قوت الارتياب حول التدخل الخارجي”. وفي كتاب “استراتيجية إيران الكبرى” يقول ولي نصر إن “الرؤية الاستراتيجية لإيران ارتبطت بنشر الأيديولوجيا الإسلامية بأقل مما ارتبطت بالأمن القومي في العداءات الإقليمية”. وحين سأل صحافي باكستاني الخميني عن فائدة الثورة أجاب: “الآن صارت القرارات تؤخذ في طهران”، لا مع الاتحاد السوفياتي ولا مع أميركا.
ولم يغفر الإيرانيون حتى قبل الحرب لأميركا أن استخباراتها أسقطت رئيس الوزراء الوطني ومؤمم النفط محمد مصدق عام 1953 وأعادت الشاه إلى العرش بواسطة انقلاب الجنرال زاهدي. وما كان اقتحام السفارة الأميركية لدى طهران عام 1979 سوى مفاجأة لرفسجناني وخامنئي اللذين تخوفا، لكن الخميني طلب منهما دعم الطلاب المحتلين للسفارة، إذ هو رأى في الخطوة غير المألوفة “نقطة تحول لتثبيت هيمنة التيار الإسلامي وإبعاد شركاء الثورة من اليساريين والعلمانيين وإعادة تشكيل المجال العام باسم الثورة والهوية والمقاومة” وبالطبع مواجهة أميركا، حسب هوما كاتوزيان في كتاب “إيران والثورة”.
وكان على ترمب الذي يريد “إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في الدورة الاقتصادية العالمية” أن يقرأ أبسط علامة من الرموز المعبرة أمامه في مفاوضات سويسرا: لا مصافحة ولا صورة مشتركة. ولا شيء يوحي أن طهران تريد من المفاوضات ما هو أبعد من تحقیق الالتزامات الواردة في المذكرة، وخصوصاً الالتزامات الخمسة الأميركية. فكل تطور في المفاوضات نحو “الاتفاق النهائي” يقود إلى طرح أمور محرجة لطهران، من بينها السلام. وهي تعرف أن السلام ليس مجرد نهاية الحرب، وتحرص على الاكتفاء بإنهاء الحرب وضمان عدم العودة الأميركية اليها. وهي تجاهر بأن شكوكها کثيرة في سلوك واشنطن التي لجأت إلى الحرب مرتين خلال التفاوض. لا بل ترى اليوم أن الضرورة صارت أكبر للعمل ضد الهيمنة الأميركية.
ومن الصعب على ترمب أن يتعلم درس مترنيخ الذي هندس “كونسرت أوروبا” عام 1815 بعد حروب نابليون بالاتكال على توازن القوى في القرن الـ19، إذ قال “لا سلام مع قوة ثورية”.
فهو يتصور أنه قادر على صنع سلام مع قوة ثورية أيديولوجية دينية لا مثال لها في القرون الأخيرة الماضية، لكن الحد الأقصى لما يمكن التوصل إليه هو شكل جديد من إدارة الصراع بعد حرب لم تكتمل بقرار من ترمب نفسه والذي يكرر المفاخرة بأنه “سحق إيران” في الأسبوع الأول وتركها بلا بحرية ولا طيران ولا دفاعات جوية قوية.
وإذا كان كل طرف يدعي الانتصار، فإن من الوهم الحديث عن نصر كامل في حرب ناقصة. والمعادلة التي يميل عدد من الخبراء إلى التركيز عليها هي أن أميركا ربحت عسكرياً وخسرت استراتيجياً، في حين أن إيران خسرت عسكرياً وربحت استراتيجياً. ولا شيء ثابتاً في شرق أوسط متغير بسرعة مثل رمال الصحراء. والمفارقة، وسط الكلام الكبير لترمب، أن في الإدارة الأميركية وخارجها خبراء يرون أن الوظيفة الاستراتيجية لمذكرة التفاهم هي تخفيف الأعباء والالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط، وليس الانخراط أکثر کما كانت الحال في الحرب.
