ملخص
تواجه روسيا انتكاسة ميدانية متصاعدة في حربها ضد أوكرانيا، مع تراجع قدراتها اللوجيستية وتآكل الدعم الداخلي، مما دفع بوتين للدعوة إلى مفاوضات سلام. في المقابل، ترى كييف وحلفاؤها أن اللحظة قد تكون مناسبة لتكثيف الضغط وتحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.
إن روسيا تخسر حربها ضد أوكرانيا. وقد صدر الدليل على ذلك من فلاديمير بوتين نفسه، الذي أطلق نداءً يائساً للعودة إلى طاولة محادثات السلام في وقت تحترق فيه مصافي النفط التابعة له وتتعرض الجسور المؤدية إلى الأراضي المحتلة للقصف بصواريخ كييف.
لقد تعرض الرئيس الروسي لضربة قاسية. فقد أغلقت مطاراته، تعرضت سلسلة إمداداته العسكرية لانقطاع خطر، فيما بدأ الدعم الشعبي لهذه الحرب التي أطلقها يتضاءل، ولم تعد وسائل الإعلام الوطنية الروسية قادرة على توليد حماسة مصطنعة لها.
ويشتكي أتباعه من أن اتفاقاً يعتقدون أنه أبرم مع دونالد ترمب خلال قمة أنكوريج مع بوتين العام الماضي – يقضي بمنح موسكو ملكية ذات طابع استعماري لـ20 في المئة من أوكرانيا – قد تخلى عنه الرئيس الأميركي، مع استعداد الأخير للقاء الأمين العام لحلف “الناتو” مارك روته.
ما يحبه ترمب هو أن يدعم الطرف الفائز. وحتى الآن، أولى دعمه لروسيا التي غزت دولة أوروبية ديمقراطية على نطاق واسع في فبراير (شباط) 2022.
ربما حان الوقت الآن لكي يوضح روته للرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة أن حلفاءه في “الناتو” يضطلعون بدورهم بالفعل دون مساعدة من الولايات المتحدة (باستثناء الدعم الاستخباراتي) في أوكرانيا.
وما عليه سوى تكرار ما قاله بوتين في وقت سابق من هذا الأسبوع، عندما أكد أن هجمات أوكرانيا على البنية التحتية النفطية الروسية والعمليات اللوجيستية الأخرى هي محاولة لـ”زعزعة استقرار المجتمع”.
فمن الواضح أن بوتين يعتقد أن هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها. وقال الإثنين الماضي إن “روسيا، كما أعلن مراراً وتكراراً، مستعدة لإجراء مفاوضات سلام مع أوكرانيا”، في تصريح أشبه بمناشدة للعودة إلى الأيام التي كان فيها حلفاء أوكرانيا الغربيون يعتقدون أن كييف كانت تخسر وأنه ينبغي التوصل إلى نوع من السلام مع موسكو.
وأضاف “إنها مستعدة للمضي قدماً على أساس الاتفاقات التي أبرمت في إسطنبول – وهي اتفاقات أذكركم بأنها أبرمت في ذلك الوقت بمبادرة من الوفد الأوكراني”.
في ذلك الوقت، كان الرأي الذي أيده كثر في وزارة الخارجية البريطانية، وكذلك ضباط في الخدمة الفعلية في القوات المسلحة البريطانية، هو أنه على أوكرانيا أن تطلب السلام. كان رأيهم خاطئاً آنذاك، كما كتبت صحيفة “اندبندنت” ومن الواضح أنه خاطئ مرة أخرى الآن.
وما يدعم ذلك هو دليل آخر يظهره تكرار شكاوى مسؤولي الكرملين بأن حماس ترمب تجاه روسيا لا يبدو كما كان عليه خلال معظم الأشهر الـ18 الماضية – عندما قطع كل المساعدات العسكرية إلى كييف وبالغ في تقدير ما أنفقته الولايات المتحدة بنحو ثلاثة أضعاف، قائلاً إن المبلغ بلغ 300 مليار دولار (بينما كان أقرب إلى 120 مليار دولار)، ناهيك بالإهانات المتكررة وحملات الترهيب التي تعرض لها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وشهدنا هذا الأسبوع تحريفاً روسياً على النمط السوفياتي لما أسفرت عنه قمة أنكوريج. فقد اعتبرها حلفاء الولايات المتحدة استسلاماً لموسكو.
ولكن الآن، بعدما اكتسبت أوكرانيا مزيداً من النفوذ ضد روسيا بفضل سيطرتها الكاملة على البحر الأسود، وأجبرت موسكو على دراسة فرض حظر على صادرات الديزل عقب استهداف مصافي التكرير الروسية بصواريخ بعيدة المدى، تبدو تصريحات الناطقين باسم الكرملين مليئة بالغضب والوجع.
وقد تشتت انتباه ترمب بسبب حربه ضد إيران، مما أسهم أيضاً في تعزيز سمعة أوكرانيا بعدما عرضت كييف إمداد حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بأنظمة دفاعية مضادة للطائرات المسيرة.
لقد خسر حربه في الشرق الأوسط حتى الآن. وربما يبحث الآن عن انتصار سهل، ويدرك الكرملين أن هذه فرصة لزيلينسكي.
وقال يوري أوشاكوف، أحد المساعدين في الكرملين، يوم الأحد الماضي إن طرفاً واحداً فقط ظل على التزامه بالتفاهم الذي اتفق عليه في أنكوريج، والذي ينص على احتفاظ موسكو بجزء من أوكرانيا مقابل “السلام”.
وأضاف، في إشارة إلى الولايات المتحدة – وليس أوكرانيا “يبدو الآن أن الطرف الآخر لم يتمكن من الوفاء بالتزاماته بالكامل”.
والثلاثاء الماضي، أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أن قمة أنكوريج ربما كانت “حيلة أميركية لكسب الوقت من أجل إعادة تسليح نظام كييف”. كما اتهم نائبه، سيرغي ريابكوف، الولايات المتحدة بالخروج عن “التفاهمات الأساسية” التي توصل إليها في ألاسكا، وفقاً لوكالة “إنترفاكس”.
ونقلت وكالة الأنباء الروسية “ريا” عن ريابكوف قوله “نرى أيضاً أن موقف واشنطن يقترب أكثر فأكثر من أشد سياسات معاداة روسيا التي ينتهجها أقرب حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين – أي المملكة المتحدة وفرنسا”، وذلك عقب لقاء زيلينسكي وترمب على هامش قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي.
وقد تعرضت شبه جزيرة القرم، التي استولت عليها روسيا بصورة غير قانونية عام 2014 وما زالت تحتلها منذ ذلك الحين، إلى ضربات شديدة بصورة خاصة جراء الحملة الجوية الأوكرانية.
أعلن ميخائيل رازفوجاييف، الحاكم الذي عينته روسيا في سيفاستوبول، مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود، عن فرض “تدابير موقتة إلزامية” هذا الأسبوع، تشمل إيقاف حركة النقل العام في الساعة 10 مساءً، وإغلاق المتاجر الكبيرة والمقاهي في الساعة 8 مساءً.
وقد بدأ نقص الوقود يشل أهم مكاسب لروسيا في أوكرانيا.
يعاني كل من المملكة المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون من صعوبة في إيجاد سبل لتوسيع قدراتهم الدفاعية بسرعة دون إضعاف موازناتهم الوطنية.
أسهم وزير الدفاع البريطاني السابق، جون هيلي، ونائبه آل كارنز، في انهيار حكومة كير ستارمر بعد استقالتهما بسبب ما وصفاه بأنه تمويل غير كافٍ لوزارتهما.
وقد اعتبرت موسكو الاضطرابات التي شهدها مقر رئاسة الوزراء البريطانية انتصاراً لجهود الكرملين الرامية إلى زعزعة الاستقرار.
وعندما استقال ستارمر، قال كيريل دميترييف، المبعوث الرئيس للكرملين لدى الولايات المتحدة، على منصة “إكس”، “لقد حققنا ذلك بصورة مشتركة من خلال فضح ميول ستارمر نحو الحرب وسياساته الفاشلة باستمرار في مجالات الهجرة والجريمة والطاقة والاقتصاد. لقد فشل في حماية بريطانيا وكان يعمل على تدمير الحضارة الغربية”.
وتخوض روسيا بالفعل حرباً هجينة ضد المملكة المتحدة وغيرها من حلفاء كييف. فقد عرقلت الجهود الرامية إلى دعم أوكرانيا، في جميع أنحاء القارة وداخل المملكة المتحدة، من خلال التفجيرات وهجمات الحرق المتعمد.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تعمل روسيا على إشاعة معلومات مضللة على نطاق عالمي تهدف إلى النيل من القادة، وإثارة التطرف اليميني المتطرف، وتكريس الأكاذيب التي تزعم، على سبيل المثال، أن لندن هي بؤرة للجرائم العنيفة، في حين أن معدل الجرائم العنيفة في العاصمة هو في أدنى مستوياته منذ عقود.
لكن روسيا أربكت الغرب، الذي يواجه بدوره صعوبة في تحمل نفقات دفاعية تفوق قدراته المالية من أجل التصدي للتهديد الناجم عن اقتصاد روسي صغير نسبياً، وهو اقتصاد يعاني أصلاً الشلل بسبب الحرب والعقوبات المفروضة على قطاع النفط.
ومع ذلك، يمكن لأوروبا وحتى الولايات المتحدة الاستفادة من خيار بديل، وهو تعزيز انتصارات أوكرانيا في مواجهة روسيا، لمساعدة كييف ليس على تجميد خطوط الجبهة فحسب، بل على كسر العمود الفقري للعمليات اللوجيستية الروسية إلى أن تنهار جبهة موسكو بالكامل.
وقد تتمكن أوكرانيا من تحقيق ذلك على أي حال، بفضل حملة الهجمات الشرسة التي تشنها بالفعل على أهداف متوسطة المدى داخل الأراضي التي تحتلها روسيا.
يشكل الجيش الروسي المهزوم خطراً على المقيمين في الكرملين. وبوتين يدرك ذلك: بصفته دارساً لتاريخ بلاده، لا بد أنه يذكر جيداً كيف عادت قوات موسكو بعد هزيمتها الذليلة في الحرب العالمية الأولى لتسهم في إطاحة القيصر.
إن روسيا هي اتحاد جمهوريات، إمبراطورية يديرها رجال بيض في الغالب من موسكو. قد يرحب قادة ومواطنو إنغوشيا وداغستان وتتارستان وبشكيرستان وساخا وتوفا وبورياتيا بانهيار الجيش الروسي، ويثورون ضد حكم موسكو الاستعماري على حياتهم. فهم، في نهاية المطاف، من يزودون بوتين بكمية هائلة من الرجال الذين يذبحون بمعدل يبلغ نحو 35 ألفاً شهرياً في حربه ضد أوكرانيا.
وبدلاً من الموافقة على استئناف المحادثات بناءً على مطالب سخيفة تتعلق بحياد أوكرانيا، وضعفها العسكري الدائم، وخسارتها للأراضي، يمكن لحلفاء أوكرانيا (إضافة إلى أميركا) اغتنام الفرصة التي تحدث عنها بوتين، والمساعدة في تخليص الغرب من تهديد الكرملين هذا – أقله في الوقت الحالي.
