
بقلم: خبات محمد….كاتب… مجلس سوريا الديمقراطية
منذ أن رُسمت الحدود الجغرافية الحديثة بموجب اتفاقية سايكس-بيكو، ثم الانتداب الفرنسي، لم يشهد السوريون تجربة “الدولة الحقيقية” بالمعنى الحديث القائم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والمؤسسات المستقلة. فدولة الانتداب، رغم اعتراف عصبة الأمم بسوريا كدولة مستقلة مؤقتاً تستحق التأهيل السريع، فإن التطبيق الفعلي من قبل فرنسا تمثّل في فرض إدارة استعمارية مباشرة قضت على أي سيادة حقيقية، إذ صُممت هذه الدولة لخدمة المصالح الاستعمارية عبر التقسيم الطائفي والإداري.
وما بعد الاستقلال، ورثت النخب السياسية دولة بلا هوية وطنية راسخة، فتتالت الانقلابات والصراعات على السلطة. ومع ذلك، تظل فترة الخمسينيات من القرن العشرين (1949–1958) الاستثناء الأقرب إلى نموذج بناء الدولة الحديثة، حيث برزت ملامح حياة برلمانية تنافسية، وصحافة حرة، وقضاء مستقل نسبياً، ودستور نصّ على فصل السلطات. لكن هذه التجربة بقيت هشة وقصيرة الأجل، بسبب تدخلات الجيش المتكررة، وهشاشة المؤسسات المدنية، وبروز التيارات القومية العابرة للحدود الوطنية، الأمر الذي قوّض أولوية بناء الدولة السورية المستقلة.
انتهت هذه النافذة الديمقراطية عملياً مع الوحدة مع مصر (1958)، ثم انقلاب 1961، وصولاً إلى وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 عبر انقلاب أنهى أي إمكانية لتلك التجربة.
ثم استمر حزب البعث في الحكم حتى عام 2024، منتجاً أطول وأشد مراحل الاستبداد في التاريخ السوري الحديث. تحولت سوريا في ظله إلى دولة أمنية بامتياز، غابت فيها الحريات العامة، وأُعدم أي مجال للتعبير أو المعارضة الحقيقية، واضمحلت المواطنة لتحل محلها علاقة خاضعة بين الرعية والنظام. وشُوّه القضاء وأصبح أداة لإضفاء الشرعية على القمع، وصودرت الصحافة وتحولت إلى جهاز دعائي للنظام، لتصبح المؤسسات كلها تابعة للأجهزة الأمنية، وتفكك النسيج الاجتماعي تحت وطأة القمع والتنكيل والتهميش الطائفي الممنهج.
هذا الإرث الطويل من غياب الدولة الحقيقية، بالإضافة إلى عقد ونيف من النزاع المسلح، انتهى بسيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة في الثامن من ديسمبر 2024. والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة في التعامل مع الداخل والخارج، والميل إلى فرض سيطرتها بالقوة على كامل الجغرافيا السورية، أبرزت جدلاً حاداً بين الموالين الجدد للسلطة الانتقالية الذين يرون أن الأولوية القصوى هي “بناء الدولة أولاً”، أي ترسيخ الأمن وبسط السيطرة وتأجيل النقاش حول الديمقراطية والحريات، وبين سوريين آخرين يرون أن التحول الديمقراطي هو الطريق الوحيد لبناء دولة حقيقية، ويخشون أن تؤدي سياسات فرض السيطرة بالقوة إلى تكرار نموذج “الدولة الأمنية” بلون مختلف.
هذا الجدل الدائر حول ما إذا كان التحول الديمقراطي في سوريا يسبق بناء الدولة أم يأتي كأحد ركائزها، يفترض مسبقاً الفصل الزمني بينهما، وهو غير موجود في الواقع. فالتجارب التاريخية والنظرية السياسية تشير إلى علاقة تشابكية بين العمليتين: فلا يمكن قيام ديمقراطية حقيقية دون مؤسسات دولة قادرة على احتكار القوة وتطبيق القانون، كما لا يمكن بناء دولة سليمة وعادلة دون آليات ديمقراطية للمساءلة والمشاركة وحماية الحريات. لذلك، في السياق السوري ما بعد النزاع، لا تكمن الإجابة في أحدهما قبل الآخر، بل في مسار متزامن ومتوازن: تأسيس مؤسسات الدولة الأساسية (كالقضاء والإدارة والأمن) بالتزامن مع تطبيق مبادئ الحوكمة الديمقراطية (كالانتخابات المحلية الحرة وشفافية القرار وحماية حقوق المكونات). والتحدي البنيوي الأكبر يكمن في أن غياب هذا التزامن يُفضي إما إلى فوضى تقوض أي تحول ديمقراطي، أو إلى استبداد جديد.
لكن الجدل حول أولوية الديمقراطية أو بناء الدولة يبقى ناقصاً إذا لم ننزل إلى المستوى الأكثر حسية وشمولية: الملف المعيشي والخدمي والاقتصادي. فحتى لو تجاهلنا – جدلاً – ما ارتكبته السلطة الانتقالية من مجازر وانتهاكات بحق السوريين، أو خياراتها العسكرية بعقلية فصائلية تستند إلى مقولة “من يحرر يقرر”، فإن الإخفاقات التي مُنيت بها بعد عام ونيف من حكمها في تحسين الحياة اليومية للسوريين تكشف عن طبيعة هذه السلطة أكثر من أي خطاب سياسي.
فالمواطن السوري، أي سوري بغض النظر عن انتمائه السياسي أو القومي أو الطائفي، يختبر السلطة يومياً عبر أسئلة بسيطة لكنها قاسية: هل يتوفر الخبز؟ هل عادت الكهرباء؟ هل يمكنه الحصول على دواء؟ هل انفتحت الطرق التجارية؟ هل انخفضت الأسعار؟ هل يشعر بالأمان في شارعه؟ إن فشل السلطة الانتقالية في هذا الملف الحساس – رغم الوعود الكبيرة التي قطعتها على نفسها – ليس مجرد قصور إداري أو ظروف قاهرة، بل يكشف عن أولوياتها الحقيقية. فمن يضع فرض سيطرته العسكرية وإخضاع الجغرافيا بالقوة فوق إعادة بناء البنى التحتية وتأمين لقمة العيش، ومن يستخدم الموارد المتاحة لتوسيع نفوذه الأمني لا لتحسين الخدمات، هو أقرب إلى “زعامة فصيل مسلح” منه إلى “حارس للدولة ومؤسساتها”. وعندما يغيب الأمل المعيشي، يغيب أي مبرر لشرعية السلطة، بغض النظر عن شعاراتها التحررية أو الدينية أو الوطنية.
في الواقع السوري، لا بد من الاعتراف بحجم التحديات الهائلة التي تواجه السوريين اليوم في بناء دولتهم. فهذه التحديات ليست فقط مادية أو أمنية، بل وجودية وبنيوية. فالانقسام السياسي والمجتمعي العميق الذي رسّخه النزاع المسلح، حيث لم يعد هناك أي إجماع وطني حول شكل الدولة أو هويتها أو نظام الحكم، بل تعددت الرؤى المتضاربة بين علمانية وإسلامية، ولامركزية ومركزية، وبين من يريد دولة مدنية ومن يرى أن الشرعية الدينية هي الأساس. وانهيار البنى التحتية والاقتصاد بشكل شبه كامل، حيث تحتاج سوريا إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، في وقت تعاني فيه السلطة الانتقالية من شح الموارد، وتتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ دون التزام حقيقي بإعادة البناء.
وما خلّفه الاستبداد الطويل لم يقتصر على الفساد والقمع، بل أنتج ثقافة سياسية مشوهة تجعل السوريين – حكاماً ومحكومين – غير معتادين على مفاهيم كالمساءلة، والتداول السلمي للسلطة، أو قبول الآخر. يُضاف إلى ذلك تحدي المصالحة الداخلية والعدالة، حيث لا يمكن بناء دولة دون معالجة جراح الماضي، لكن أي محاولة لفتح ملفات الماضي قد تؤدي إلى انفجار جديد، في حين أن تجنبها يكرّس الإفلات من العقاب. كما يُضاف احتكار القوة العسكرية بيد السلطة قبل أن ترتقي مؤسسة الدفاع لتكون مؤسسة وطنية جامعة، وهو إرث يتقاطع مع عقود من الوعود الكاذبة ليُنتج أزمة مركبة: غياب الثقة، سواء بين السوريين أنفسهم، أو بينهم وبين أي سلطة قادمة.
كل هذه التحديات تجعل مهمة بناء الدولة في سوريا أشبه بمهمة مستحيلة، ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية وحلول تدريجية واقعية.
يبقى السؤال الأعمق: ما تقوم به السلطة الانتقالية اليوم – بحكم منطق الصراع المسلح وضرورات السيطرة على الأرض – هل هو بناء لمؤسسات الدولة أم عملية إعادة إنتاج لهياكل نظام جديد؟
الواقع السوري حتى الآن يشي بالميل إلى فرض السيطرة بالقوة، والمركزية الشديدة، وغياب المشاركة الواسعة، واستبعاد قطاعات واسعة من السوريين من صنع القرار، ما يرجّح كفة “إنتاج هياكل لنظام جديد” أكثر من “بناء مؤسسات دولة حقيقية”. ليس لأن النوايا شريرة بالضرورة، بل لأن منطق أي فصيل مسلح ينتصر في حرب هو منطق الولاء أولاً.
والخطر هنا أن هذا المسار، إذا استمر دون تصحيح، سيعيد إنتاج ما قاتل السوريون من أجله: دولة أمنية جديدة بقناع مختلف، واستمرار الهياكل القمعية وآليات الإقصاء. إن التحول الديمقراطي ليس مجرد نتيجة لبناء الدولة، بل هو أحد ركائز بنائها السليم، شريطة أن يقترن بإعادة هيكلة فعلية للمؤسسات لا مجرد انتقال سطحي للسلطة، وأن يُرافق ذلك آليات حقيقية للمساءلة وتحقيق حد أدنى من العدالة، كي لا يظل الماضي ثقلاً يمنع الولادة الجديدة.
والتصحيح الوحيد هو التحول الفوري نحو مسار تزامني: بناء مؤسسات محايدة مع تطبيق مبادئ المشاركة والشفافية، بدءاً من إعلان ميثاق وطني انتقالي، وليس مجرد إعادة توزيع المناصب بين الموالين. وإلا، فلن تنتقل سوريا من استبداد إلى ديمقراطية، بل من استبداد بعثي إلى استبداد جديد بأدوات مختلفة، وستبقى الدولة الحقيقية – تلك القائمة على المواطنة والعدالة والمؤسسات – حلمًا مؤجلًا، في وقت تتراكم فيه التحديات فوق قدرة السوريين على الاحتمال.
لكن هذا التشخيص الموجع، رغم قسوته، لا ينبغي أن يتحول إلى حكم بالإعدام على الأمل. ففي سوريا اليوم، تبقى الهوامش متاحة لمن يبحث عنها، وإمكانات “النحت في الحجر” ليست معدومة. إن الطريق إلى الدولة الحقيقية لن يكون ثورة واحدة أو دستوراً مثالياً. التحدي الحقيقي ليس في غياب الإمكانات، بل في القدرة على رؤيتها واستثمارها. يجب أن نعي، كسوريين، والسلطة الانتقالية في المقدمة، أننا محكومون بالعيش المشترك، ونتحمل مسؤولية إعادة بناء دولتنا. وأول اختبار لهذا الوعي أن تتحول السلطة الانتقالية من “فصيل منتصر” إلى “حارس مؤقت” لمؤسسات تنشأ للمواطنة، لا للولاء.