لم تعد الأزمة بين واشنطن وطهران تُدار بقواعد الإشتباك التقليدية التي حكمت صراع الطرفين لعقود، بل تخطت مرحلة “حافة الهاوية” لتلج منطقة رمادية معقدة تتداخل فيها موازين القوة العسكرية مع تحولات استراتيجية كبرى على مستويات عدة.
بينما يختبر مضيق هرمز وممراته الملاحية هشاشة الأمن الاقتصادي العالمي، وتتصاعد الإنذارات الدبلوماسية والأمنية في عواصم المنطقة، تتقاطع على الطاولة الخلفية حسابات دقيقة كشفت عن تفاصيلها أحدث التقارير الاستخبارية والصحفية الدولية، بدءاً من تصدر الجيل القيادي المتشدد في طهران المفاوضات بقيادة محسن رضائي ومن خلفه مجتبى خامنئي، ولا تنتهي عند مأزق البيت الأبيض أمام كونغرس منقسم، مروراً بالحلول التقنية لنقل اليورانيوم نحو موسكو، ومخاوف عواصم الخليج التي ترفض أن تكون وقوداً لنيران الحرب.
طهران وصعود “الحرس الحديدي”: التفاوض من فوق البارود
لا يمكن فهم الشروط الإيرانية السبعة المتشددة، وفي مقدمتها رفع الحصار البحري كلياً، وإلغاء العقوبات، ودفع التعويضات، بمعزل عن التحول الجذري في بنية السلطة داخل طهران. فتولي مجتبى خامنئي مقاليد المرشد الأعلى لم يكن مجرد انتقال بروتوكولي، بل مثّل إيذاناً بصعود صريح لتيار “الحرس الحديدي” وأجنحة الحرس الثوري التي تؤمن بالردع الصلب وترفض التنازلات المجانية.
هذا التحول الداخلي يفرض عقيدة تفاوضية تقوم على “رفع السقف إلى أقصاه”، لقطع الطريق أمام أي مسار تسوية من موقع الضعف. وعليه، تنظر القيادة الإيرانية الجديدة إلى المقترحات الغربية بعين الريبة، معتبرة أن أي تراجع بلا ثمن استراتيجي ملموس يُعد انتحاراً سياسياً. وهو ما تفسره واشنطن بأنه “تعنت”، بينما تراه طهران تجسيداً لمعادلة “الندية بالندية”. وفي هذا السياق، جاء تصريح الحرس الثوري الإيراني ليزيد من حدة التوتر، مؤكداً أن “أي خطأ يرتكبه العدو ستكون صفعاته التالية مقابلة برد أقوى”.
صفارات الإنذار: تحذيرات واشنطن وحالة التأهب القصوى
على الأرض، تجاوزت التهديدات المتبادلة حدود الخطاب السياسي لتنعكس على الإجراءات الأمنية الفورية في المنطقة. فقد نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية صدور تحذيرات أميركية جديدة للبعثات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك السفارة في القدس المحتلة، إثر معلومات استخباراتية تفيد بوجود “محاولات إيرانية لإلحاق الأذى بمسؤولين أميركيين رفيعي المستوى في المنطقة”.
لم تقتصر التحذيرات على البعثات الدبلوماسية، بل امتدت لتشمل رعايا ومواطني الولايات المتحدة في كل من السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، حيث دعتهم الخارجية الأميركية إلى توخي الحذر الشديد والاستعداد لسيناريوهات طارئة تتضمن إلغاء الرحلات الجوية، وإغلاق المجال الجوي، والتعامل مع احتمال التصاعد السريع والمفاجئ للعمليات القتالية. هذه التحذيرات تؤكد أن أجهزة الاستخبارات الغربية ترصد عن قرب نقطة الغليان التي قد تسبق أي ضربة عسكرية استباقية أو ردة فعل انتقامية واسعة.
دبلوماسية عراقجي: الترتيبات الأمنية الذاتية
تزامناً مع الرسائل الأمنية العالية التوتر، فعّلت طهران حراكاً دبلوماسياً موازياً يقوده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أعلن عن إجراء سلسلة اتصالات هاتفية مكثفة خلال 48 ساعة شملت 12 من نظرائه في دول المنطقة، مركزاً على ضرورة “إرساء ترتيبات أمنية إقليمية تكون بمنأى عن تدخل القوى الخارجية من خارج المنطقة”.
يعكس هذا التحرك الدبلوماسي رغبة طهران في استباق التداعيات العسكرية، ومحاولة تحييد العواصم الإقليمية في أي مواجهة مفترضة مع واشنطن، فضلاً عن السعي لبناء حزام أمني إقليمي يُقلص من نفوذ التواجد العسكري الأميركي المباشر في الخليج، موازاةً مع مفاوضات الدوحة والكرملين.
آفاق الانفراجة ومعادلة الـ 6 مليارات؟
في خضم هذا المشهد، كشفت تقارير “أكسيوس” و”بلومبرغ” عن حراك دبلوماسي مكثف تقوده الدوحة لصياغة تسوية مرحلية تُعرف بصيغة “الإفراج مقابل حرية الملاحة”.
ترتكز هذه الصيغة على موافقة واشنطن على الإفراج عن أكثر من 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة كخطوة لبناء الثقة، مقابل تعهد طهران بضمان أمن الملاحة وفتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي. وتشير تقارير بلومبرغ إلى أن طهران أبدت أخيراً مرونة غير معتادة بالجلوس لمناقشة أجزاء من برنامجها النووي، مدفوعة بضغط الأزمة الاقتصادية، بينما تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ميزان “الضغط الأقصى المحدث”.
رسالة جي دي فانس: تراجع ضمني عن “تصفير التخصيب”؟
على الضفة المقابلة، تجد الإدارة الأميركية نفسها محاصرة بقيود داخلية قوية. إذ أسفرت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عن تعزيز دور الديمقراطيين في الرقابة والحد من صلاحيات إعلان الحرب المنفردة (AUMF)، بالتزامن مع قلق أسواق الطاقة.
في هذا السياق، برز موقف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ليعكس تحولاً استراتيجياً لافتاً في العقيدة التفاوضية لواشنطن. فقد أشار فانس إلى ضرورة تحقيق “خفض ملموس وجوهري” (Meaningful Reduction) في القدرات التخصيبية لإيران كشرط كافٍ لأي تسوية، وهو ما قُرئ على نطاق واسع باعتباره تراجعاً ضمنياً من واشنطن عن مطلبها السابق بـ “التصفير التام للتخصيب” (Zero Enrichment)، مقابل القبول بمستويات متدنية ومراقبة دولية صارمة داخل المنشآت الإيرانية.
تهدف إدارة ترامب من هذه البراغماتية إلى نزع فتيل الحرب وتفادي ارتفاع أسعار الوقود محلياً، على الرغم من إبقاء القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) خطط الطوارئ والضربات الخاطفة جاهزة تحسباً لأي انهيار مفاجئ للمسار الدبلوماسي.
المقترح الروسي: نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى موسكو
على رقعة الشطرنج الدولية، قدمت موسكو مخرجاً تقنياً حاسماً للتعقيد النووي. إذ ناقشت المباحثات التي توجت بزيارة رضائي إلى الكرملين ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتين، مقترحاً روسياً يقضي بنقل المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب (بنسبتي 60% و20%) إلى الأراضي الروسية ليُخزن تحت إشراف دولي.
يهدف هذا المقترح الروسي إلى تجريد واشنطن وإسرائيل من ذريعة “الخطر الداهم”، وحماية المنشآت الإيرانية من التدمير العسكري، مع تكريس موسكو كضامن استراتيجي لا غنى عنه لصياغة أمن الشرق الأوسط، مترافقاً مع تسريع مشاريع اقتصادية مشتركة بين موسكو وطهران كخطوط الغاز وسكة حديد رشت – آستارا.
يُشار إلى أن أساس كان أول من كشف عن المقترح الروسي لنقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى موسكو قبل أكثر من سنة.
سيناريوهات الحرب وتأثير “الميدان”
توضح قراءة أعدها “معهد دراسات الحرب” (ISW) الأميركي أن الاحتكاك الميداني، مثل إسقاط المسيّرة الأميركية MQ-1 قرب جزيرة قشم واستهداف ناقلات النفط، يسير بالتوازي مع العملية التفاوضية لإرسال رسائل ردع. ويعزز هذا الوضع احتمالات ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- سيناريو الانزلاق غير المقصود: اشتعال مواجهة نتيجة خطأ تكتيكي في المضيق يفرض على واشنطن رداً عسكرياً واسعاً.
- ضربة خاطفة محدودة: تنفيذ “CENTCOM” لضربات مركزة ضد أهداف محددة لإرغام إيران على خفض سقف مطالبها الـ 7.
- التسوية المشروطة: نجاح مقترح الدوحة وموسكو في إرساء اتفاق مرحلي يضمن خفض التخصيب ورفع الجزئي عن الأموال والملاحة.
الخليج: “معادلة الدوحة”
في قلب هذه المعادلة المشتعلة، تتخذ عواصم دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها الرياض، موقفاً استراتيجياً صارماً ومفاده: الرفض التام لأن تكون مقدرات الإقليم وأمن طاقته ساحة لتصفية الحسابات أو وقوداً لحرب إقليمية مدمرة.
في ظل الوساطة القطرية المتواصلة، تتصاعد التحذيرات الخليجية للطرفين من مغبّة إهدار الفرصة عبر التمسك بالسعي إلى “اتفاق مثالي” يبدو شبه مستحيل، في مقابل الدعوة الملحّة إلى القبول بـ”اتفاق جيد”، وفق تعبير رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، من شأنه ضمان استقرار سلاسل الإمداد البحري والحيلولة دون انزلاق الممرات الحيوية إلى نقطة اللاعودة.
يضع تقاطع هذه المعطيات، بدءاً من التحذيرات الدبلوماسية، وحراك عراقجي الإقليمي تجاه الوزراء الـ 12، مروراً بصعود تيار مُتشدد في طهران وتلويح الحرس الثوري بـ “صفعات”، وانفتاح واشنطن على مقترح خفض التخصيب لا تصفيره، والمقترح الروسي باحتواء اليورانيوم، الدبلوماسية أمام نافذتها الأخيرة. وتمثل “معادلة الدوحة – موسكو” طوق النجاة الأخير لتفادي كارثة كبرى. وإذا لم تتغلب البراغماتية السياسية على لغة البارود، فإن انفجار الخليج سيُعيد صياغة خرائط الجيوسياسة العالمية بأثمان باهظة للجميع.
