اختُتمت، أمس الخميس، في العاصمة بكين، الجلسة العامة الخامسة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، وكان لافتاً في ختام هذه الجلسات أن الاجتماع أقرّ عقوبات تأديبية بحق 18 شخصية مدنية رفيعة المستوى و16 شخصية عسكرية – جميعهم أعضاء كاملون أو مناوبون في اللجنة المركزية – وفقاً لبيان رسمي. ويمثل هذا العدد الإجمالي البالغ 34 عقوبة أعلى مستوى له في الجلسات العامة الأخيرة، في وقت شهدت هذه الجلسة أدنى نسبة حضور منذ عقود، إذ لم يحضر سوى 162 عضواً من أصل 205 أعضاء في اللجنة المركزية، أي ما يعادل 79% فقط.
وبلغ عدد الأعضاء المناوبين في اللجنة المركزية 117 عضواً، مقارنةً بـ147 عضواً في العام الماضي. وتأتي هذه الرسالة الصارمة والإجراءات المتعلقة بالانضباط قبل عام من انعقاد المؤتمر الوطني الحادي والعشرين للحزب، والذي سيشهد تغييرات كبيرة في أعلى مستويات المؤسسة السياسية والعسكرية في بكين.
وفي خطوة نادرة، سلطت الوثيقة التي صدرت في اليوم الختامي لاجتماعات اللجنة، التي استمرت أربعة أيام، الضوء على “القواعد غير المكتوبة” باعتبارها مشكلة بارزة تجب معالجتها. وتعهد الحزب الشيوعي الصيني بالتصدي بقوة لـ”القواعد غير المكتوبة” التي تسمح بالفساد في الحزب، ما يعمّق حملته طويلة الأمد لإبقاء المسؤولين ملتزمين بالقواعد. ولفترة من الزمن، كانت هناك بعض القواعد غير المكتوبة بدرجات متفاوتة داخل الحزب وخارجه، ما أدى إلى تقويض سلطة قواعد الحزب وانضباطه والقدرة على إنفاذها، الأمر الذي أثار ردات فعل قوية من الكوادر والجمهور، وفق شي تشون تاو، نائب الرئيس التنفيذي للمدرسة المركزية للحزب.
وقال شي في تفسير هذا الخطوة: “يؤكد القرار البدء بوضع قواعد واضحة، ويطرح تدابير مقابلة لتعزيز الانفتاح في شؤون الحزب والحكومة، وتعزيز التعليم والتوجيه، وتصحيح الظواهر الفوضوية ذات الصلة، وإنشاء وتحسين الآليات المؤسسية”. ولفتت وسائل إعلام صينية إلى أن القرار يمثل أهم نتيجة للجلسة العامة، وأن الرئيس شي جين بينغ قاد عملية صياغته بنفسه. ويدعو القرار إلى الحفاظ على ضغط عالٍ حتى لا يجرؤ المسؤولون، ولا يستطيعوا، ولا يرغبوا في الانخراط في الفساد، مع معالجة أعراض السلوك غير المشروع وأسبابه.
حملة مكافحة الفساد مستمرة
في مقال نُشر في وقت سابق من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي في مجلة “تشيوشي”، وهي المجلة النظرية الرئيسية للحزب الشيوعي، كتب الرئيس الصيني شي جين بينغ: “عندما لا تُطبّق القواعد الرسمية بحزم، تزدهر القواعد غير المكتوبة حتماً؛ وعندما تسود القواعد غير المكتوبة، تصبح القواعد الرسمية مجرد زينة”. وقال إن هذا سمح “للوسطاء السياسيين والمحتالين” بالاعتماد على العلاقات الشخصية للتقدم في الحزب. وللحدّ من القواعد غير المكتوبة، شدد على تشديد تطبيق القواعد الرسمية، وزيادة الشفافية في شؤون الحزب والحكومة، ومعاقبة الانتهاكات بشدة مع محاسبة القادة.
ونقلت وسائل إعلام صينية عن هوانغ جيان فا، نائب الوزير المسؤول عن العمليات اليومية في إدارة التنظيم المركزي، قوله إن قرار الجلسة العامة ركز، إلى جانب الانضباط الحزبي، على تحسين جودة الكوادر من خلال التعليم والاختيار والإشراف الصارم. وأضاف أن الحزب شدد على ضرورة الالتزام بالمعايير الصحيحة لاختيار المسؤولين، بينما طالب “بإزالة أولئك الذين لا يدينون بالولاء للحزب، والذين يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر، والذين يسيئون استخدام السلطة لتحقيق مكاسب شخصية”. وأشار إلى أن ذلك يؤكد أيضاً ضرورة تحقيق التوازن بين الرقابة الصارمة ودعم المسؤولين، وإنشاء أنظمة تكافئ وتحمي المسؤولين الذين يبادرون ويتصرفون بمسؤولية.
في تعليقه على هذه الخطوة، يقول أستاذ الدراسات السياسية في معهد قوانغ دونغ لين تشين، في حديث لـ”العربي الجديد”، إنه بعد مرور أكثر من 13 عاماً على حملة مكافحة الفساد التي أطلقها الرئيس شي، لا يزال عدد المسؤولين الذين أُطيحوا في ازدياد مستمر، وهذا دفع الحكومة المركزية إلى تحويل تركيزها نحو استئصال جذور الأزمة أو ما يُعرف بـ”القواعد غير المعلنة” التي تُغذي الفساد. ويأتي ذلك مع اقتراب المؤتمر الوطني الحادي والعشرين للحزب الشيوعي الصيني في الخريف المقبل، لذا تأمل بكين من خلال هذه الإجراءات غير المسبوقة القضاء على هذه الظاهرة، والحفاظ على استقرار الهيكل التنظيمي للحزب الشيوعي عبر فرض المزيد من القيود التأديبية، وتنفيذ عمليات تطهير مكثفة.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن شي مستمر في إحكام قبضته على سلوك المسؤولين في الحزب والدولة لاستكمال مشاريعه ومخططاته طويلة الأمد، سواء في ما يتعلق بتنمية البلاد، أو إدارة العلاقات الخارجية. في المقابل، يعتبر آخرون أن الرئيس الصيني يستخدم هذه الحملة أداةً لتصفية خصومه ومنافسيه، بهدف الاستمرار في السلطة إلى أطول وقت ممكن.
