
من جو فيلم “صبي الكونغو” (ملف الفيلم)
ملخص
فيلم “صبي الكونغو” للمخرج رفقي فريالا هو أحد أبرز الأفلام التي عرضت هذا العام في “بيازا غراندي”، قادماً من مهرجان “كان” السينمائي الأخير، إذ شارك في قسم “نظرة ما”.
كان فيلم “صبي الكونغو” قد نال في “كان” جائزة أفضل تمثيل لبرادلي فيومونا، الذي يؤدي دور البطولة، في أول ظهور سينمائي له، وهو لم يتجاوز الـ18. فيومونا يجسد شخصية المخرج نفسه في مرحلة مراهقته، في عمل يزاوج بين السيرة الذاتية والواقع الاجتماعي المضطرب. وبعد الأصداء الطيبة التي حظي بها في كان، لفت الفيلم الأنظار في مهرجان لوكارنو (الخامس إلى الـ15 من أغسطس – آب)، على أن يعرض تجارياً في الصالات السينمائية نهاية العام.
في بنغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث لا تزال الحرب تلقي بظلالها على الحياة اليومية، يجد شاب في الـ17، يدعى روبير (فيومونا)، نفسه أمام مسؤوليات تفوق سنه بكثير. فبعد اعتقال والديه، وهما مهاجران من الكونغو، يصبح المعيل الوحيد لأشقائه الأربعة الصغار، موزعاً وقته بين المدرسة وأعمال متفرقة لتأمين احتياجات الأسرة، فيما يقطع لوالديه وعداً بإخراجهما من الزنزانة. وبينما ينوء بهذا العبء المبكر، يحاول ألا يتخلى عن شغفه بالموسيقى.
وسط ضيق العيش ومشقات الحياة اليومية، يجد في الحفلات والمسارح متنفساً يتمسك من خلاله بحلم يبدو، في بلد تمزقه الحرب، أقرب إلى المستحيل: أن يصبح موسيقياً، وأن يفتح لنفسه ولأشقائه نافذة على مستقبل مختلف. وهكذا، يخوض معركته الخاصة في سبيل التوفيق بين الدراسة والعمل ورعاية الأسرة، من دون أن يسمح للواقع القاسي بأن يدفن حلمه الأكبر.
انطلق المخرج الكونغولي رفقي فريالا (28 سنة) مع فيلمه الوثائقي “نحن، الطلبة!” الذي عرض في منتدى برلين قبل أربع سنوات، قبل أن ينتقل إلى الروائي الطويل في باكورة يستعيد فيها، بصورة غير مباشرة، ملامح سيرته الشخصية. في قلب الفيلم شاب من أصول كونغولية يعيش في أفريقيا الوسطى، يواجه منذ سن مبكرة سلسلة من العوائق التي لا تتوقف عند ظروفه العائلية، بل تكشف أيضاً عن وجه مأزوم من واقع البلاد: التمييز، عجز المؤسسات، قصور المنظمات الدولية، وصعوبة تأمين أبسط متطلبات الحياة.
الإنتظار والحر
يمنح برادلي فيومونا الشخصية الرئيسة حضوراً مشبعاً بالعزم والكرامة، بأداء يبقى في الذاكرة. لكن قوة الفيلم لا تكمن في عرض المآسي وحدها، ففريالا يلتقط تفاصيل الحياة اليومية بذكاء وخفة، من المعاملة المختلفة التي يلقاها الأجانب، إلى الحيل الصغيرة التي يبتكرها الناس لتجاوز مشاق الانتظار والحر، وصولاً إلى تضامن الأشقاء وقدرتهم على تدبير شؤونهم بأنفسهم، حتى في أبسط احتياجاتهم.
هكذا يتحول الفيلم إلى بورتريه لجيل شاب يرفض أن تكون الحرب والفقر والقيود الاجتماعية قدره النهائي، محاولاً إيجاد مكاناً لنفسه داخل نوع سينمائي لا ينكر المعاناة، ولكن لا يتوقف عندها للبكاء على الأطلال. فهذا فيلم تتجاور فيه المأساة مع الأمل، من دون أن يقضي أحدهما على الآخر. يختار بطله لنفسه اسم “كونغو بوي”، كأنه يعيد اختراع ذاته وسط واقع يحاول باستمرار تضييق خياراته. وبين الطموح الشخصي وذاكرة عائلة اقتلعتها الحرب من وطنها، يصبح هذا العمل احتفاء بالإصرار في سلوك طريق مختلف، وبالوالدين اللذين دفعتهما الحرب إلى الهجرة، قبل أن يجد ابنهما نفسه مضطراً إلى حمل إرثهما ومواصلة الحلم من حيث توقفا.
يروي فريالا أن أحداث الفيلم تعود للسنة التي دخل فيها والداه السجن، وهي السنة التي وجد فيها نفسه وحيداً مع أربعة إخوة وأخوات أصغر منه، مضطراً إلى إيجاد وسيلة للبقاء على قيد الحياة. في تلك الفترة تحديداً، أصبحت الموسيقى بالنسبة إليه شريان حياة، مؤكداً أن كل ما نراه في الفيلم تقريباً حدث له بالفعل.
كان والداه قد فرا من الحرب في الكونغو ولجآ إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، لكن، عندما بدأت الأوضاع في البلاد تتدهور، قررا المغادرة مجدداً. ولأنهما لم يكونا يملكان الأوراق المطلوبة، وحين رفضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إصدار وثائق سفر لهما، لجآ إلى شراء أوراق مزورة. غير أن أمرهما انكشف، فألقي القبض عليهما وأرسلا إلى السجن. كان كل ما أراداه، كما يقول فريالا، هو الهروب من الحرب وحماية عائلتهما، هروب جديد يضاف إلى هروب سابق.
وجد فريالا نفسه عندها مسؤولاً عن الأسرة، فيما كان والداه خلف القضبان. لجأت العائلة إلى عقيد في قوات الدرك استضافهم وتكفل بهم، لكن ذلك كان في مقابل أن يعمل فريالا لديه. وفي الوقت نفسه، كان الشاب يحاول بكل الطرق العثور على المال اللازم لإطلاق سراح والديه، من دون أن يملك حتى تكاليف امتحان البكالوريا.
جاء الحل من الموسيقى، فقد أطلقت آنذاك النسخة الأولى من مسابقة “مواهب المراهقين والشباب”، التي نظمها المجلس الوطني للشباب في جمهورية أفريقيا الوسطى بالشراكة مع اليونيسف. كان فريالا يعرف أنه يجيد الغناء، وكانت المسابقة تتضمن جائزة مالية. فاز بها، ثم وقع عقداً مع “اليونيسف” لإنتاج إعلان توعوي ضد استغلال الأطفال في المناجم، والدفاع عن تعليم الفتيات، والأهم أن الجائزة مكنته من دفع كفالة والديه، فعادا للمنزل.
للموسيقى مكان محوري في الفيلم، وفريالا ألف جميع أغانيه، وهو أمر يرتبط، في نظره، بعلاقته القديمة بالموسيقى، إذ كان مغنياً قبل أن يصبح مخرجاً. لذلك ظلت الموسيقى جزءاً أساسياً من حياته، يلجأ إليها في لحظات الفرح والحزن على السواء. في الفيلم، كما في حياته الواقعية، يرى فيها وسيلة للتنفس، بل يعتبر أنها أنقذته وكانت مصدر قوته. وتعود أغنية “غيغي” لأقدم مؤلفاته، إذ كتبها عام 2013، قبل أن يعيد صوغها وتكييفها لتناسب برادلي فيومونا. أما “أتالاكو”، فقد ولدت أثناء التصوير، خلال التدريبات. وفي مساء اليوم نفسه، عمل فريالا على صقل اللحن والكلمات، مستلهماً الأجواء الموسيقية التي يسمعها عادة في النوادي.
أما الأغنية الأخيرة، التي تعني “الدجاجة الأم”، فقد احتاج فريالا إلى وقت طويل قبل أن يجد فكرتها المناسبة. كتبها قرب نهاية مرحلة كتابة السيناريو. كان يسبح في البحر عندما وجد نفسه يدندن لحناً، ثم عاد في المساء وكتب الكلمات دفعة واحدة. كان يعلم أن الفيلم ينبغي أن ينتهي بتحية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، بلده بالتبني، والبلد الذي نشأ فيه، الذي يصفه بـ”أمي الدجاجة”.
من خلال “صبي الكونغو”، يريد فريالا تغيير الصورة النمطية عن اللاجئين الأفارقة، ولا سيما الشباب منهم. لا جديد في هذا الطموح، وهي حال معظم الأفلام التي تأتي من الجنوب، لكن فريالا يفعلها بذكاء ومن دون استدرار رخيص للعواطف. ففي نظره، غالباً ما يختزل مفهوم اللجوء في أولئك الذين يصلون إلى أوروبا، بينما في الحقيقة يغادر مئات الآلاف من الأفارقة بلدانهم لبلدان أفريقية أخرى، كما كانت حال كثير من أبناء الكونغو الذي يتحدر منه المخرج الشاب. ومن خلال شخصية روبير، يسعى إلى تذكيرنا بأن اللاجئ ليس متسولاً، بل إنساناً يكافح من أجل عائلته ويحمل أحلاماً وطموحات.