
علمت “المدن” أن ضابطاً إيرانياً كبيراً ونافذا في الهيكل العسكري الإيراني، كان قد وصل إلى العراق مؤخراً في مهمة حساسة ودقيقة، سمع في بغداد “لغة خشنة وغير معتادة” من شخصيات عراقية معروفة بأنها محسوبة على الخط الإيراني، بما بدا أنه أولى مؤشرات وعلامات “انشقاق وتمرد” الأذرع التي أنفقت عليها إيران الكثير في العقدين الأخيرين، وهو ما دفعه إلى اختصار زيارته والمغادرة.
وكانت “المدن” قد كشفت الاثنين الماضي عن وصول الضيف الإيراني في مهمة محددة وحساسة، قالت مصادر لـ”المدن”، إن هدفها قد يكون إيقاف “الانزلاق المحتمل” لفصائل عسكرية عراقية نحو التطبيع مع الدولة، كما فعل الزعيم الشيعي البارز مقتدى الصدر.
الحصيلة صادمة.. للزائر الإيراني
وقال مسؤول عراقي كبير لموقع “المدن”، ودعمته مصادر أخرى ومعطيات أمكن تجميعها خلال الساعات القليلة الماضية، إن الضابط الإيراني الكبير استمع في العراق إلى “تقييمات سلبية للغاية” بشأن ما وُصِف بأنه “حالة عدم اليقين” إزاء قدرة النظام في إيران على الصمود، وكذلك ضبابية مصير الأذرع الإيرانية في حال سقوط إيران دولة ونظاماً، وأن الأجسام السياسية والعسكرية العراقية التي أنشأتها ومولتها إيران، تريد أن تتهيأ للقفز من القارب الإيراني، بل حتى ان الضابط الإيراني قد سمع ما يفيد بأن تراجع هذه الفصائل والاستجابة لـ”بيت الطاعة” الأميركي هو طوق النجاة الوحيد المتاح.
والثلاثاءالماضي، أي بعد يوم على زيارة الضابط الإيراني، أعلن فصيلا “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” العراقيان المسلّحان والمقرّبان من إيران، أن القرار بشأن ألويتهما المسلحة المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي سيصبح في يد الدولة حصراً.
وقالت العصائب في بيان، إنها قررت تشكيل لجنة “تتولى استكمال جميع المتطلبات والإجراءات الخاصة بتنفيذ قرار (…) فكّ الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة”. وتشمل هذه الإجراءات أن يصبح “الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات والوسائل اللوجستية كافة” على “ارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة، بما ينسجم مع متطلبات الدولة ومؤسساتها الأمنية”.
بدورها، أعلنت كتائب الإمام علي “فكّ الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي والمباشرة بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة”، لافتة إلى أنها ستشكّل لجنة “لمتابعة عملية الجرد والتسليم والنقل تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة” وأخرى “لمتابعة شؤون الأفراد والمنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة”.
المهمة الإيرانية.. أخفقت
ووفق ما حصلت عليه “المدن” من معلومات، فإن الضابط الإيراني الكبير قد أخفق في مهمته، وقرر اختصار زيارته إلى العراق، بعدما بدا له أن محاولة إقناع فصائل عسكرية عراقية بتأجيل إعلان خضوعها للدولة أمر لا يبدو ممكنا في ظل خوف هذه الفصائل والأذرع من غضب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن التهديدات الأميركية المتواصلة سراً وعلناً، قد كان لها الدور الأكبر في تسابق الفصائل والأذرع الإيرانية في العراق على الاستجابة لتهديدات ترامب.
وأكد المسؤول العراقي لـ”المدن”، أن الضابط الإيراني غادر مسرعاً، بعدما تأكد له أن إيران لا تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة بشأن إقناع فصائل عراقية بالبقاء تحت جناحها، ومُتَرْجِمَة لأوامر الحرس الثوري، وسط تأكيد الفصائل بأنها بدأت بتحريك ونقل أسلحتها من أماكنها السرية نحو مخازن الجيش العراقي، وسط ترقب لحل الكثير من الأجسام العسكرية وانضوائها داخل تشكيلات القوات المسلحة العراقية، وهو ما كانت ترفضه الفصائل العراقية مدعومة من إيران.
قبضة إيرانية مرتخية
ولفت المسؤول العراقي إلى أن مؤشرات عراقية استشعرت “ارتخاء القبضة الإيرانية” في العراق، وأن إيران لم تعد قادرة على “فرض كلمتها” في الداخل العراقي حتى على حلفائها الأقرب داخل المعادلة السياسية العراقية، وسط مخاوف من مساع إيرانية في مرحلة لاحقة لإحداث “صدمة في الداخل العراقي” في توجه لإعادة خلط الأوراق، والسعي لإعادة نفوذها القديم عبر سلسلة من عمليات الفوضى والاضطرابات تستند إلى خلفيات دينية، في محاولة لشدّ العصب الطائفي.
وأتت زيارة الضابط الإيراني بعد محاولتين لم تكتب لهما النجاح لسفر قادة فصائل عراقية إلى إيران بسبب الرقابة الأميركية اللصيقة في الأشهر الأخيرة، فيما المؤكد أن الزائر الإيراني لم يكن قائد قوة فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني.