
على مدى عقود، لم أعرف سوريا من دون الأسد، كانت التماثيل تسبقني إلى المدن، تستقبلني عند مداخلها، وتراقبني من الساحات والمدارس والمؤسسات الحكومية. وجه واحد يتكرر بلا نهاية، حتى بدا وكأنه جزء من المشهد الطبيعي للبلاد؛ كالبحر في اللاذقية أو الجبال التي تحيط بالقرداحة.
لكنني، وأنا أعبر الحدود السورية في ربيع العام 2026، اكتشفت أن شيئاً أكبر من رئيس قد اختفى، اختفت الصور، واختفت التماثيل، واختفى معها جزء من الذاكرة.
أول تلفاز بالأبيض والأسود
تعود أولى ذكرياتي مع عائلة الأسد إلى يوم ماطر في ثمانينيات القرن الماضي، في قريتنا الصغيرة النائية في ريف القرداحة. يومها لم يكن الحدث زيارة مسؤول، أو افتتاح مشروع، أو وصول طريق معبّدة. كان الحدث أكبر من ذلك بكثير بالنسبة إلينا: وصول أول جهاز تلفاز أبيض وأسود إلى القرية. أحضره أحد عناصر سرايا الدفاع إلى منزله، فتحوّل البيت خلال ساعات إلى ما يشبه المهرجان الشعبي. توافد الرجال والنساء والأطفال من الأزقة والبيوت المجاورة، وجلس البعض على الأرض، فيما وقف آخرون عند النوافذ والأبواب، بينما راح الأطفال يتدافعون بحثاً عن زاوية تمكنهم من رؤية تلك المعجزة الجديدة.
كنت طفلة صغيرة لا تعرف عن العالم سوى حدود القرية والكهرباء التي وصلت حديثاً إلى بيوتنا، لذلك بدا لي التلفاز أشبه بنافذة سحرية فُتحت فجأة على عالم آخر.
بعد ذلك، صار صاحب الجهاز يخصص ساعة يومياً لأهالي القرية، نجتمع خلالها كباراً وصغاراً لمشاهدة ما يبثه التلفاز. وفي إحدى تلك الأمسيات، ظهر حافظ الأسد على الشاشة للمرة الأولى. كان يلقي خطاباً رسمياً، فقطعت إحدى المسنّات كلامه بعبارة ما زلت أذكرها حتى اليوم: “هلق هاد هو حافظ؟ طلع متلنا بيحكي… وشكلو متل شكلنا، والله كل رجال الضيعة أحلى منو”. انفجر الحاضرون ضاحكين، بدت العبارة يومها طريفة وعفوية، لكنها كلما مرّت السنوات بدت لي أعمق مما ظننت. فذلك الرجل الذي كانت أجهزة الإعلام تقدمه بوصفه القائد التاريخي الملهم، والبطل الذي لا يشبه البشر العاديين، ظهر فجأة أمام امرأة ريفية بسيطة كرجل عادي تماماً كان يشبه الناس أكثر مما حاولت الدعاية الرسمية أن تقنعهم.
أثار ذلك فضولي، أردت أن أعرف من يكون هذا الرجل الذي يتحدث عنه الجميع.
طفولة الأسد
بعد فترة، اصطحبتني والدتي إلى إحدى قريباتها في القرداحة، وكانت تعرف حافظ الأسد منذ طفولته الأولى. جلست المرأة تستعيد الذكريات وكأنها تروي حكاية أحد أبناء الحي، حدثتنا عن طفولته الصعبة، وعن الأيام التي كان يساعد فيها الأهالي في نقل المياه مقابل مبلغ بسيط من المال، وروت كيف أنه بعد وصوله إلى الرئاسة، زارها ذات يوم ومازحها قائلاً: “بتتذكري وقت ضربتيني لما كسرتلك جرة الفخار؟”.
كانت تتحدث عنه كجار قديم لا كرئيس دولة، قالت إنه خصص لها حراسة وراتباً شهرياً، وإنه كان يطلب منها أحياناً أن تطهو له بعض الأكلات التقليدية التي يشتهر بها الساحل السوري.
بين تلك الحكايات الشعبية وصورته التي كانت تملأ الشوارع، بدأت تتشكل في ذهني مفارقة غريبة، في الروايات الشخصية كان يبدو إنساناً عادياً، أما في الفضاء العام فكان أقرب إلى أسطورة.
كبرتُ وكبرت الصور معي
في القرداحة كان تمثال حافظ الأسد يتوسط المدينة، وفي اللاذقية كان تمثاله الشهير يقف أمام مدرسة جول جمال رافعاً يده نحو الأفق، وعلى الطريق بين الساحل ودمشق كانت الصور تتوالد بلا نهاية، كنت أعدّها واحدة تلو الأخرى من نافذة السيارة صورة عند مدخل مدينة، وصورة فوق مؤسسة حكومية، وصورة في ساحة عامة، وتمثال هنا، وتمثال هناك، حتى أصبحت ملامحه محفورة في الذاكرة أكثر من أي مشهد آخر.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أتذكر تفاصيل ذلك الوجه البرونزي واليد المرفوعة التي كانت تبدو وكأنها تمسك البلاد كلها بقبضة واحدة.
ثم جاء بشار الأسد، وجاءت معه مرحلة جديدة من التقديس والشعارات، كان الشعار الأشهر بعد اندلاع الحرب: “الأسد أو نحرق البلد”، وبالفعل، احترقت البلاد، لكن الصور بقيت، والتماثيل بقيت، والخوف بقي، بقي كل شيء تقريباً، إلى أن جاء يوم لم يكن كثير من السوريين يعتقدون أنه سيأتي.
عندما انخفضت اليد
في الثامن من كانون الأول 2024، استيقظت كما أفعل كل صباح، كان التلفاز مفتوحاً منذ سنوات؛ اعتدت النوم على ضوء شاشته الخافت، والاستيقاظ على ضجيج نشرات الأخبار. فتحت عيني نصف فتحة، مرّ خبر عاجل على الشريط الأحمر أسفل الشاشة: “بشار الأسد يغادر سوريا”. لم أتوقف، واصلت طريقي نحو الحمّام وكأنني لم أسمع شيئاً، كانت الجملة أكبر من أن يستوعبها العقل فوراً. عدت بعد دقائق وجلست أمام الشاشة، قرأت الخبر مرة ثانية، ثم ثالثة، بعدها بدأت أتابع الصور: حشود في الساحات، أشخاص يصرخون ويبكون، تماثيل تسقط، صور تُنتزع من الجدران، مبانٍ أمنية تُقتحم، وأبواب سجون تُفتح.
لم أصدق، ربما لأن جيلي تربّى على فكرة واحدة أن هذا النظام باقٍ إلى الأبد، كان سقوطه يشبه سقوط جبل، أو اختفاء البحر من الساحل؛ أشياء لا يفترض أن تحدث، لكنها حدثت.
طوال ذلك اليوم بقيت مشدودة إلى الشاشة، أشاهد سوريا التي أعرفها وهي تتغيّر أمام عيني خلال ساعات، أشاهد التماثيل التي حفظت مواقعها واحداً واحداً وهي تتحطم، والوجوه التي كانت تنظر إلينا من أعلى المباني تُنتزع، والشعارات التي ملأت حياتنا تختفي فجأة.
في تلك اللحظة لم أفكر في السياسة، فكرت في الذاكرة، ماذا يحدث لإنسان أمضى عمره كاملاً تحت ظل صورة واحدة، ثم استيقظ ليجدها اختفت؟
كنت أتابع أيضاً صور السجون: الممرات الضيقة، الزنازين، الأبواب المعدنية، أكوام الملفات، لم تكن تلك المشاهد جديدة تماماً؛ عرفنا عنها كثيراً، وقرأنا عنها كثيراً، وسمعنا شهادات لا حصر لها، لكن ما تراه العين يختلف دائماً عما تقرأه الكتب، هناك فرق شاسع بين أن تتخيل السجن وأن ترى جدرانه، بين أن تسمع عن التعذيب وأن ترى الأماكن التي جرى فيها، لقد كانت الصور تفتح جروحاً جديدة فوق جروح قديمة.
ثم جاءت أحداث الساحل: المجازر، الانتهاكات، حالات الثأر والفوضى، وازدادت حيرتي، هل انتهى الكابوس فعلاً؟ أم أن البلاد دخلت كابوساً جديداً؟
كنت أتنقل بين الأمل والخوف، بين الرغبة في الفرح والخشية من المستقبل، تماماً كما فعل ملايين السوريين، ومع مرور الشهور، بدأ سؤال واحد يطاردني بإلحاح هل أستطيع العودة؟
من القرداحة إلى إدلب
مرّت الشهور، لكن سؤال العودة لم يغادرني، فمنذ سنوات طويلة، كانت فكرة الحدود السورية تثير في داخلي خوفاً يصعب شرحه لمن لم يعش التجربة السورية، كنا نسميها “عقدة التفييش”.
مجرد الاقتراب من الحدود كان كفيلاً برفع نبضات القلب: ماذا لو كان هناك تقرير أمني؟ ماذا لو كتب أحدهم شيئاً كيدياً؟ ماذا لو ظهر اسمك فجأة على شاشة الحاسوب؟ ماذا لو تحولت رحلة عادية إلى كارثة؟
كان الخوف يبدأ قبل الوصول إلى الحدود بأيام، ويستمر حتى لحظة عبورها، هكذا عاش السوريون لعقود، وهكذا تربّت أجيال كاملة.
قبل رحلتي إلى دمشق بأيام، كنت أظن أن كل ذلك انتهى، لكنني اكتشفت أن الأنظمة تسقط أسرع بكثير مما يسقط الخوف.
في الليلة السابقة للسفر لم أنم جيداً، وفي الصباح، وأنا في الطريق نحو الحدود، كانت الأسئلة تتدافع في رأسي: ماذا سأرى؟ كيف تبدو سوريا من دون الأسد؟ هل سأشعر أنني في وطني؟ أم في بلد آخر؟
والأغرب أنني لم أكن أخشى ما سأجده، بل ما لن أجده، كنت أخشى الفراغ؛ ذلك الفراغ الذي تركته الصور بعد اختفائها.
كلما اقتربت السيارة من المعبر، ازداد إحساسي بالتيه، أنظر من النافذة: لا صور، لا تماثيل، لا شعارات، لا وجوه عملاقة تراقب المارة، كأن أحداً محا طبقة كاملة من المشهد السوري، طبقة رافقتنا نصف قرن تقريباً.
عندها فقط أدركت أنني لا أعبر حدود دولة، كنت أعبر بين زمنين: بين سوريا التي عرفتها، وسوريا التي لم أتعرف إليها بعد.
على المعبر
عندما وصلت إلى المعبر، لم أشعر بشيء في البداية، ربما لأنني كنت ما أزال مشغولة بالبحث عن الماضي، أنظر حولي وكأنني أحاول التأكد من أن كل ما رأيته خلال الأشهر السابقة كان حقيقياً.
أين الصور؟ أين الشعارات؟ أين الوجوه التي كانت تملأ الجدران؟ وأين عناصر الفرقة الرابعة الذين كانوا يحضرون إلى الذاكرة قبل أن يظهروا على الطريق؟ وأين ذلك الإحساس الدائم بأن أحداً يراقبك؟
لم أجد شيئاً من ذلك، وجدت حدوداً عادية، وكان ذلك، بحد ذاته، أمراً غير عادي.
تقدمت نحو النافذة وقدمت هويتي الشخصية، تناولها الموظف، كان شاباً صغير السن، هادئ الملامح، نظر إلى البطاقة، ثم رفع رأسه نحوي قائلاً: من القرداحة؟ أجبته: نعم، ثم سألته بدوري، وأنت من أين؟ ابتسم وقال: من إدلب. ساد صمت قصير، صمت لم يكن ممكناً تخيله قبل سنوات قليلة فقط، القرداحة وإدلب: مكانان حمّلهما السوريون خلال سنوات الحرب ما يفوق قدرتهما على الاحتمال من الرموز والأحكام المسبقة والكراهية والخوف.
لكن شيئاً من ذلك لم يكن حاضراً في تلك اللحظة، كنا مجرد شخصين يتبادلان الحديث عند نافذة حدودية، لا أكثر. وربما لأنني كنت أحمل معي ذاكرة ثقيلة، حاولت أن أختبره. قلت له: ليس منذ زمن بعيد كان يجلس هنا شاب من قريتي. ضحك، ثم نادى زميلاً له، اقترب شاب آخر اسمه حيدر قال الموظف مبتسماً: هذا من العهد القديم. ضحكنا جميعاً، كان المشهد بسيطاً إلى حدّ الإدهاش، لكن بساطته هي ما جعلته مؤثراً. لم يكن هناك انتقام، ولا شماتة، ولا لغة غالب ومغلوب، فقط أشخاص يحاولون إدارة يوم عادي في بلد خرج لتوه من زلزال تاريخي.
عندما أعاد إليّ هويتي، تمنى لي إقامة سعيدة، شكرته، ثم تابعت طريقي، فتحت نافذة السيارة، اندفع الهواء إلى صدري دفعة واحدة، شعرت بحاجة عارمة إلى التنفس، كأنني كنت أحبس أنفاسي منذ سنوات طويلة من دون أن أدرك ذلك.
الطريق إلى الساحل
على طول الطريق نحو دمشق، ثم نحو الساحل، كنت أراقب المشهد خارج النافذة: الجبال نفسها، الحقول نفسها، القرى نفسها، لكن شيئاً ما كان مختلفاً، أو ربما كنت أنا التي تغيرت.
كانت الأعلام الجديدة ترفرف فوق المباني، أتوقف أمامها طويلاً، أراقبها، وأحاول أن أعتاد عليها، ثم باغتتني فكرة أربكتني: اشتقت إلى العلم القديم.
فوجئت بنفسي أكثر مما فاجأتني الفكرة، كيف يمكن لإنسان أن يشتاق إلى رمز ارتبط في ذاكرته بكل هذا الألم؟
لاحقاً فهمت الأمر بطريقة مختلفة، لم يكن الأمر حنيناً سياسياً، بل حنيناً إلى المألوف، فالذاكرة البشرية تتعلق بما اعتادت عليه، حتى عندما يكون مؤذياً، ولهذا فإن تغيير الأنظمة أسهل كثيراً من تغيير ما تتركه داخل النفوس.
في إحدى اللحظات، لمحت صورة قديمة لبشار الأسد ما تزال معلقة في مكان نسيه الجميع. كانت باهتة ومتآكلة، وربما مرّ بها عشرات الآلاف من الناس من دون أن ينتبهوا إليها، أما أنا فتوقفت عندها.
شعرت بشيء غريب يصعب تفسيره، كأن قطعة صغيرة من الماضي خرجت فجأة من بين الأنقاض، كأن جزءاً من الخريطة التي أحفظها عاد للظهور.
لم أشعر بالراحة لأنني رأيت صورة الأسد، شعرت بالراحة لأنني عثرت على شيء أعرفه، وهناك فرق كبير بين الأمرين.
حديث على الطريق
في الطريق، صعد إلى السيارة شاب من إدلب، كان في عمر أبنائي تقريباً، بدأنا نتحدث، سألته عن سنوات الحرب، عن الحياة هناك، وعن الرئيس أحمد الشرع. لم يجبني بلغة السياسيين، ولم يكرر شعارات أو خطابات جاهزة، قال ببساطة إنه كان يعيش في منطقة تتعرض للقصف، وإنه أمضى سنوات داخل مدجنة هرباً من الغارات، وقال إن أحمد الشرع كان يتنقل بين الناس كواحد منهم. ثم أنهى حديثه بهدوء، وعندما وصل إلى بلدته، نزل من السيارة ومضى في طريقه. أما أنا فبقيت أفكر: كم من السنوات يحتاج السوريون ليعودوا إلى الحديث مع بعضهم بعضاً بهذه البساطة؟ بعيداً عن الخوف، بعيداً عن الشعارات، بعيداً عن روايات الحرب التي حوّلت الجميع إلى معسكرات متقابلة.
ربما كان ذلك الحوار القصير أكثر ما منحني أملاً خلال الرحلة كلها، لأنه أعاد إليّ شعوراً افتقدناه طويلاً: أن السوريين قادرون، أخيراً، على أن يروا بعضهم بعضاً كبشر، لا كرموز سياسية أو طائفية أو عسكرية.
اليد التي غابت عن الساحة
عندما وصلت إلى اللاذقية، كان هناك مكان واحد أردت زيارته قبل أي شيء آخر: ساحة جول جمال، هناك، حيث أمضى تمثال حافظ الأسد عقوداً طويلة رافعاً يده فوق المدينة.
ذهبت مباشرة إلى الساحة، وقفت في المكان نفسه، ونظرت نحو الفراغ، لم يكن التمثال موجوداً، للمرة الأولى منذ طفولتي، كان المكان نفسه، لكن شيئاً أساسياً اختفى منه.
بدا المشهد غريباً، كأن المدينة فقدت جزءاً من صورتها القديمة، أو كأنني أنا التي فقدت إحدى العلامات التي كنت أستدل بها على الطريق.
وقفت طويلاً أحدّق في المساحة الفارغة، لا حنين إلى التمثال، بل دهشة فقط. دهشة الإنسان حين يرى مشهداً ظن أنه أبدي، ثم يكتشف أنه كان مؤقتاً مثل كل شيء آخر.
هناك فقط أدركت أن اليد التي بقيت مرفوعة فوق رؤوس السوريين نصف قرن قد انخفضت أخيراً، وأن سوريا التي أمامي دخلت زمناً جديداً، أما إلى أين سيقودها هذا الزمن، فذلك سؤال لم يكن أحد يملك إجابته بعد.
الحرية والفراغ
في مساء اليوم نفسه، جلست في البار الذي كنت أرتاده قبل سنوات، المكان نفسه، الطاولات نفسها، رائحة البحر نفسها، حتى الموسيقى بدت مألوفة، لكنني لم أكن الشخص نفسه. جلست أراقب المارة خلف الزجاج، وأفكر في سؤال واحد: هل يستطيع الإنسان أن يتحرر بسهولة من جلاده؟
بدا السؤال قاسياً، لكنه كان صادقاً، فالعلاقة بين الشعوب والأنظمة المستبدة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في الخطب السياسية أو التحليلات السريعة، الاستبداد لا يكتفي بالسيطرة على الدولة ومؤسساتها؛ إنه يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة إلى اللغة، إلى ردود الأفعال، إلى طريقة التفكير، إلى الخوف المزروع في الجسد، وإلى الخرائط الخفية التي نرسم بها العالم داخل رؤوسنا.
طوال سنوات عملي في الصحافة دفعت ثمن تلك الخرائط، عرفت معنى أن تزن كلماتك قبل أن تنطقها، أن تعيد قراءة الجملة الواحدة عشر مرات قبل نشرها، أن تتوقع الأسوأ دائماً، أن تنظر خلفك قبل أن تتحدث، وأن تتحول الرقابة، مع مرور الوقت، من جهاز أمني إلى صوت يسكن داخلك، حتى عندما يغيب الرقيب. لهذا لم يكن غريباً أن أشعر بالارتباك في سوريا الجديدة، كل شيء من حولي كان يدعوني إلى الفرح، لكن شيئاً في داخلي كان يقاوم، شيئاً تربّى على الحذر، على الشك، على انتظار الخطر.
كان جزء مني يحتفل، وجزء آخر يراقب الأبواب والنوافذ، كأن الكابوس قد يعود في أية لحظة، ربما لهذا السبب لم أشعر بالانتصار كما تخيلت دائماً، ولم أشعر بالطمأنينة الكاملة، بل بشعور أكثر تعقيداً؛ شعور يشبه الوقوف بين عالمين: عالم انتهى، وعالم لم يولد بعد.
ما الذي يفعله الخوف بالإنسان؟
بعد عودتي بفترة، قررت زيارة طبيب نفسي، كنت بحاجة إلى تفسير لما أشعر به. كنت أظن أن المشكلة سياسية، لكنه تحدث عن الذاكرة، عن الصدمات الممتدة، عن المجتمعات التي تعيش عقوداً طويلة تحت الخوف. قال إن الإنسان قد يغادر المكان الذي تسبب له بالأذى، لكنه يحتاج وقتاً أطول بكثير كي يغادر الأذى نفسه، كانت تلك الجملة كفيلة بإعادة ترتيب كثير من الأشياء داخلي.
فهمت فجأة ما حدث لي على الحدود، وفهمت لماذا ظللت أبحث عن الصور، ولماذا أربكني اختفاء التماثيل، ولماذا شعرت بالحنين إلى أشياء لم أحبها يوماً.
لم أكن أحن إلى النظام، ولم أكن أفتقد رموزه، كنت أودّع زمناً كاملاً من حياتي. فالأماكن لا تترك آثارها في الجغرافيا فقط؛ إنها تتركها في النفوس أيضاً، والأنظمة لا تسقط في يوم واحد حتى عندما تسقط على الأرض، تبقى آثارها معلقة في الذاكرة سنوات طويلة.
لهذا بدت لي رحلة العودة أكثر من مجرد رحلة إلى الوطن، كانت رحلة داخل نفسي أيضاً؛ رحلة لفهم ما فعلته عقود الخوف بنا، وما الذي تبقى منها بعد انهيار الجدار الذي بدا طويلاً غير قابل للسقوط.
وأنا أكتب هذه السطور الآن، أعود بذاكرتي إلى تلك الطفلة التي وقفت مبهورة أمام أول جهاز تلفاز دخل قريتها في ثمانينيات القرن الماضي، أتذكر الشاشة البيضاء والسوداء، ووجوه أهل القرية المتحلّقة حولها، وتلك المرأة العجوز التي نظرت إلى حافظ الأسد للمرة الأولى وقالت ببساطة: “طلع متلنا”.
ربما كانت ترى ما لم نكن نراه، ففي ذلك الزمن، كانت ماكينة الدعاية تعمل بلا توقف لتصنع من الحاكم شخصية فوق البشر، وكان الخوف يضخم الصورة أكثر فأكثر، لكن المرأة العجوز اختصرت كل ذلك بكلمات قليلة، رأت رجلاً عادياً، بينما كنا نرى نحن أسطورة.
ربما لهذا بقيت عبارتها عالقة في ذاكرتي كل تلك السنوات؛ لأنها كانت، من دون أن تدري، أول من كسر الهالة التي أحاطت بذلك الوجه، وأول من أعاد الإنسان إلى حجمه الحقيقي.
لا أعرف إلى أين ستصل سوريا، ولا أعرف إن كان السوريون سيحصلون على الدولة التي حلموا بها طويلاً، ولا أعرف إن كانت السلطة الجديدة ستنجح في بناء ما عجزت عنه عقود طويلة من الاستبداد والفساد، ولا أعرف إن كان الطريق إلى الاستقرار سيكون أقصر مما نخشى أو أطول مما نتوقع. لكنني أعرف شيئاً واحداً: عندما فتحت نافذة السيارة بعد عبور الحدود، وأخذت نفساً عميقاً من هواء بلادي، شعرت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن الخوف لم يعد السيد المطلق للمكان.
كان ذلك الإحساس بسيطاً، لكنه كان عميقاً بما يكفي ليغيّر شيئاً في داخلي، ربما كانت الحرية ما تزال ناقصة، وربما كانت مشروطة بامتحانات صعبة تنتظر السوريين في السنوات المقبلة، وربما كانت مجرد خطوة أولى في طريق طويل ومليء بالعقبات. لكنها كانت، على الأقل بداية، وبالنسبة إلى شعب عاش نصف قرن تحت ظل الخوف، فإن البدايات ليست أمراً صغيراً، إنها، أحياناً كل ما نملك، وكل ما نحتاج إليه لكي نواصل السير.