ملخص
ينظر هايدغر إلى الشعر على أنه صنو الفكر، ينقل “جوهر ما في الإنسان، على حد ما يصف به شاعره المفضل هولدرلن. ويضيف أن الشاعر إذ يطلق نبرة الاستغاثة في شعره، يكون كمن يطلق على الملأ تحذيره، وهو على شفير هوة الكائن. ولعل من المفيد النظر إلى شعر عباس بيضون، الشديد التأثر بالفلسفة، وما يناظره من العلوم الإنسانية، شأن كل الآداب والفنون المعاصرة، ومنها الفنون والآداب العربية بعامة.
لا يستدعينا صدور كتاب الشاعر اللبناني عباس بيضون (1945) عن دار رياض نجيب الريس (2026)، بعنوان “الطرق تعود معنا” إلى الإطالة في مسألة ارتباط الشعر بالفلسفة، وبالفكر عامة، ولم يعد هذا الأمر في أوليات الكتابة الشعرية. فالشعر فن مركب وليس علماً ولا نظريات، وإنما المسألة في ارتباط مضمون الشعر بأحد روافده، التي قد ينهل منها الشاعر لتكوين أفكاره وتصوراته، عنيت به الفلسفة. ورب سائل عن لزوم ارتباط الشعر بالفلسفة، قبل أن ينظر إلى الشعر المقصود، نجيب بأن البت بهذا الارتباط يكون حكماً بعد القراءة.
تتألف مجموعة عباس بيضون الـ15 من 25 قصيدة، تتوزع بين قصائد مفردة تستغرق ثلاث صفحات على الأكثر، وقصائد طويلة نوعاً ما تتسع لـ10 صفحات، بالحد الأقصى.
الطريق والرؤية
لكن المدخل الأصعب إلى قراءة شعر عباس بيضون، والتي كان لنا محاولات في شأنها سابقاً، لا يكمن في فهم نصه الشعري فهماً مسطحاً وأولياً، وإنما في معرفة هوية المتكلم (الشاعر) في النص ومنطلقه، والمناخ الشعري العام الذي يزمع فيه بسط صوره ومشاهده وإعمال خياله في نسج قرابات غير مسبوقة بين الكائنات والشخوص والمناسبات والأمكنة والأزمنة. نظير ما يفعله الرسام التكعيبي لدى إعداده لوحة أو جدارية كبيرة، على حد قول الناقدة خالدة سعيد، لدى تقديمها الجزء الأول من أعمال الشاعر بيضون الشعرية. في قصيدة “المعركة”، على سبيل المثل، يتخذ الشاعر عباس بيضون صوت الرائي الذي يرى إلى المشهد بعيد حصوله، مستخلصاً رموزه وحركته الدرامية، بل مخترعاً إياها لتتناسب مع رؤيته الكابوسية التي تنسب إلى الأشياء والكلمات حصة في الانقلاب الجحيمي الموصوف، في العالم من حوله.
وعلى هذا تصير الذات، الشريكة غصباً عنها في هذا التحول، معنية برسم الجدارية حيث تكون ذات الكائن، والجماعة المنفعلة – لا الفاعلة – مسوقة للانتهاك والتشييء والموت، تحت تهديد “الكلمة القاتلة”.
وبدلاً من أن يكون مضمون القصيدة دالاً على معركة حقيقية واقعية، وأن يشير إليها بالبنان والكلام، صار الحديث عن ورطة المعركة، التي أخرجت الناس إلى العراء، وتحولت الكلمات إلى أسلحة، تستسقي الدماء: “الأسلحة لا تسمع/ الكلمات وحدها تريد دماً/ تريد ضوء أعينكم”
لكن استخلاص القارئ أحد هذه المعاني العميقة، حول مأزق الذات الفردية والجماعية حيال المعركة، ومن أشعل أوارها، لا يكاد يتم من دون صور شعرية ذات أسنة وضجيج عالٍ كالمعركة: من مثل “شدق آخر يترنم”، و”سلاح يرطن بكل الأصوات”، و”كلمة حولاء على باب القدس”، و”ليس لكم إلا أن تبلعوا أوشامكم”، وطائفة أخرى من الكنايات البعيدة والفريدة، في آنٍ.
الذات وشهداؤها
يظل الشاعر، أو ذاته العليمة التي تنوب عنه في الكلام، على موقفه السالف من مفتعلي المعركة، إلى أن تستوقفه صور الشبان الشهداء، فيمضي به مخياله إلى استحضار حياتهم الهانئة، المطمئنة، قبل أن تفجأهم عيون “من السماء/ أو من السقف” (ص:17)، وتفجرهم، وتحيلهم ذرات يستحيل بعدها التعرف إلى نثرة منهم، أو شلو، أقله. وقد يكفي، بظن الشاعر، قليل من السرد، ليحكي غرائبية المقتلة التي باتت تدار بعيون إلكترونية، تنقض من السماء تفجيراً وقتلاً وإبادة لحياة كاملة كانت لا تزال تهنأ بقدرها من السعادة على صفحة ’فيسبوك‘: “كانوا سعداء على صفحة ’فيسبوك‘/ الصغير بقي يضحك للعبته/ الجد بلا عمر/ السيدة بنصف جمالها”.
لكن تظهير الغرائبية لا يبطل الكلام على مأسوية الحدث النموذجي، الذي قد يصح في أي حرب يساق إليها الناس، فيهلك الأبرياء بجريرة المقاتلين المفترضين. ولكن الشاعر لا يكتفي بمجرد الإشارة إلى حصول المأساة، وإنما يعمد أيضاً إلى تنمية صورها، والتصعيد في نبرة التأسي حيالها، عبر تأويل المقتلة، بافتراضها انتقاماً من جمالهم وفتوتهم، وإدراك غفليتهم التي صاروا إليها، بعيد المقتلة: “ارتباك صغير لم يلتقطه أحد/ الموت لا هيئة له/ السبعة لملموهم عن الأرض/ بالأحرى لملموا صورهم”، أو “لم يأت أحد ليرفع البيوت، ليجمع القتلى/ المعركة تحفظ أحجاراً وأسماء منذ قرون”.
لغة الأنا/نحن
وفي استبطانه المأساة العمومية، عبر قصيدة “شرق منفصل”، التي تتبدى مظاهرها أمام الشاعر، ولا سيما استفحال التدمير الذي لحق بالمدينة حيث يقيم، جراء حملات العدو على من يعدهم معادين له، يجد القارئ أن ضمير المتكلم، العائد إلى ذات الشاعر العليمة والمتأثرة، لا يلبث أن يخلي الساحة للضمير الجمعي (نحن) المتكلمين، في إشارة إلى حصول التحول من تعبير الذات عن ضيقها من حلول عامل غير مذكور (في النص)، يؤدي إلى موت طفل (“تأكل طفلاً”) في الجنوب، ويقضم مبنى، ومن دون أن يكون لهذه الذات أي قدرة على رد هذا العامل. ويروح يعلل ذلك بأن ما كان يجري كناية عن “صدع في السماء”، أو “حريق يبدأ من فكرة”، أو “شق في قلب”.
ذلك أن الصور الشعرية المبتدعة قادرة وحدها، بحسب لغة الشاعر عباس بيضون، على تبيين فداحة النازلة وآثارها المقيتة. وهذا إن دلَّ فعلى تزاوج فعاليتين في شعر عباس: الوعي بحوادث الخارج وأثرها في من حوله، والتخييل الميسر لديه، في خدمة تظهير هذه الآثار. أما الضمير الجمعي أو المتكلمين الذي ظهر في منتصف القصيدة (“لا نثق بالغيم ولا نصدق الفضاء/ يهطلان حجارة وتلك الأكذوبة/ لا تستحق هذا الريف/، هو أيضاً باع ترابه” فقد يكون انزياحاً نحو توسيع طيف الأنا، وجعل الجمع المعني بالخطاب شريكاً في رد فعل الأنا المتأسي والمواسي حيال العنف اللاحق بالإنسان والمدينة.
درامية اليباب
يمكن قول كثير في العلاقة التداولية بين ضمير الأنا المواسي، عند الشاعر عباس بيضون، وبين ضمير الـ”نحن” الذي يستكمل به الشاعر رسم المناخ الشعوري في الجدارية الناقصة، أعني بها القصيدة المعتدلة الطول. ولكن الماثل بقوة، في كتاب الشاعر الأخير، هو هذا السعي إلى لملمة شواهد الخراب الواقع في نفس الكائن، الممثلة بذات الشاعر وفي المكان على حد سواء، باعتبارها علامات صارخة على درامية صارت، بقوة طغيانها الفعلي، على ما تفرضه رؤيته للعالم، مادة الشعر الأولى عنده، وأحد موتيفاته الرمادية والمسننة أيضاً.
فمن يواصل قراءة القصائد، على التوالي (الحجر، والخطر في السقف، على سبيل المثال)، يتنبه إلى ثيمة الانكسار متبوعاً بالفراغ تعيشهما الذات الشاعرة، بل الكائن المتيقن من أصله الحجري، والمدرك فراغ زمنه الباقي من الحياة: “ليس لي عينان لصنع هذا الفراغ/ ولا قلب لهذه الدقيقة/ ليس سوى الخلاء/ الذي لا محل فيه لحجر آخر/ الثمانون تنسى أن تتنفس/ الثمانون دون حكاية…”.
ثم لا يلبث أن يبين، عبر قوالبه النافية الإليوتية (في “الأرض اليباب”)، سيادة المناخ السوداوي العابق بالأجواء “المسممة” و”الأطياف الملعونة”، والمشحون بعدوانية ظاهرة لا تنجو “السماء” منها، إذ هي شريكة فيها. بالطبع، يعود الفضل لقدرة الشاعر بيضون على حشد معجمه الشديد الإيحاء، وصوره القارصة والعنيفة ومشاهده المختزلة حالات الموت والفساد والدمار والعطب، على ترتيب كوكتيل من العناصر كفيلة باستحضار لوحة الخراب المادي والروحي، يصيبان الكائن والحجر على السواء: “لا ترفعي بصرك/ صوتك أو يدك/ كوني كلك في الأسفل/ حيث نية سيئة تحكم وحدها/ حيث التراب يحلم وحده/ حيث الوقائع بنفس عطب المبادئ/ والجثث كانت أقوالاً/ وكل هذه البدايات/ التي سرعان ما هلكت في المضيق”…
رثاء المكان
وفي خضم هذا الجو المشحون بالمشاعر السلبية، المشار إليها أعلاه، والتي تقف عند عتبة الغنائية، لا يفوت الشاعر العودة إلى ثيمة المكان الأول، مسقط رأس والده (بلدة بنت جبيل الجنوبية)، ليرثيه في قصيدتين (بلد أبي، مهداة إلى أحمد بيضون، وبيت أبي) فياضتين بغنائية حزينة، فيها من الفقد والحنين، وتحفير صوته الأجش بالتراب – إن بقي منه أثر – على ما آل إليه بلد أبيه، من دمار سعت وحشية الاحتلال أن يكون دمارا كلياً، على ما تدعو إليه النزعة التلمودية المستحدثة، عند عتاة العدو، حجراً، وبشراً، وحيواناً، وعمراناً، ومكتبات ومقاهي، وطرقاً، وتراباً، وهواءً كان لا يزال موئلاً لكل من يحب الحياة.
وفي الرثاء المشبع بأنات الأسى توصيف لدمار، لن يعود ممكناً معه النوم في ثراها، ما دام محيت آثار البيوت في بنت جبيل، فبات الشاعر، وآله، كأن بلا أسماء، وكأن الذكريات صارت بلا كلمات، بعدما تجردت من مادتها، أي البيوت: “كان لنا بيت لم نسمه/ وخرجنا منه بلا اسم/ الذكريات لا كلمات لها/ فقط رسوم وأحياناً مجرد شطوب” .
أما المفاجئ في هذا الرثاء، وهو من خاصيات أسلوب الشاعر بيضون، إطلاق الأخير نداء فيه من النوستالجيا والغنائية المرة الشيء الكثير، داعياً مخاطبيه المفترضين، سواء منهم الميتون، والأحياء، القريبون، والبعيدون، ممن نسجوا ذكرياتهم في أرجاء تلك البيوت المندثرة، إلى العودة، ومكرراً النداء خمس مرات، في حركة غنائية نادرة، للدلالة على عظيم الألم الذي أصاب الشاعر، من اندثار مرتع الطفولة لديه، وثرى الآباء والراحلين: “ألا عودوا/ إن كان هناك باب بعد/ عودوا دون أن تدري الجدران/ ولا الكتب التي سكناها في يوم/ السجاجيد التي أطعمناها عيوننا/ أو الذكريات التي طارت إلى السقف…”، أو: “عودوا بأسمائكم وحدها/ بقبور آبائكم التي سرقوها/ عودوا إلى حيث لن تناموا…”.
الأصدقاء بين حدين
ولكن ظاهرة لافتة، وغير مستغربة في شعر عباس بيضون، وفي قيمه الفكرية الماثلة في شعره، عنيت بها مكانة الأصدقاء، تكاد تحتل حيزا لا بأس به من قصائد المجموعة، إذ بلغت القصائد المهداة إلى كل من (أحمد بيضون، ومنذر جابر، ووضاح شرارة، وحازم صاغية)، أربعاً، تراوحت فيها الثيمات، بين رثاء المكان المشترك وقد صار خرابا، وبين تفكيك أسطورة البيوت بعد اندثارها، وارتباطها بالكلمات، وبين ثيمة الذكريات الطفولية في صور، وإرهاصات من ذلك الزمن، ومآلات العمر الحاملة انكسارات الكائن، على “باب السماء”، وبين نظرات مريرة في المرض والألم، والوجود بلا حياة.
شعر، بل قصائد هي خلطة أسلوبية من كل ما سبق للشاعر عباس بيضون حبكه، على قياس الأناشيد ذات المقطعات الشعرية والقصائد المفردة، تنبني على توازنات جديدة، قوامها ثنائيات (سطرين شعريين) شعرية ورباعيات، وخماسيات، وسداسيات، وسباعيات، كان الشاعر قد باشر بتكوينها، في عهود سابقة. ولن يبالغ القارئ، شأني إذ يصف عالمه الشعري بخليط، هو الآخر، من صور شعرية بالغة الثراء، وفريدة، لأنها تخدم مساراً فكرياً وجمالياً لا يني يحفر عميقاً في ذات الكائن، والعالم، مسوقاً بمحمول آلامه وذكرياته، وآثارهما في الوجود: “كانت حياتنا هي ما نؤلفه/ من أي باب وبأي بداية/ ربما كان الحكي مراح ذلك/ نعيش في كلامنا/ نجد كلمة البدء ونبني عليها/ نجدها حيث لا نكون”.
