حين تُفتح صناديق الاقتراع لانتخابات الكونغرس النصفيّة في الثالث من تشرين الثاني، فلن تكون أميركا كلّها على قدم المساواة في التأثير، إذ تنكمش الخريطة السياسيّة للبلاد لتتلخّص في مساحات ضيّقة تُعرف بـ”الولايات المتأرجحة” (Swing States)، حيث يُصنع الفارق بحفنة أصوات معدودة. في هذه الساحات، لا يخوض الناخبون معركة حزبيّة تقليديّة، بل يمارسون محاكمة قاسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب في عامها الثاني من ولايته الثانية، محاصَرين بين التضخّم وضغط تكاليف المعيشة وتداعيات الصدام العسكريّ المحتدم مع إيران. كيف تتوزّع خريطة هذه الولايات؟ ما الذي يحرّك مزاج ناخبيها المتردّدين نحو حسم مصير واشنطن؟
الولاية المتأرجحة هي الولاية التي لا يمتلك فيها أيٌّ من الحزبين (الجمهوريّ أو الديمقراطيّ) أغلبيّة سياسيّة حاسمة أو استقراراً انتخابيّاً ثابتاً، ما يجعل نتائجها غير متوقّعة وتتغيّر من دورة انتخابيّة إلى أخرى. تتوزّع جغرافيا الصدام في هذه الانتخابات النصفيّة على جبهات متعدّدة، تتنوّع بين ولايات التماسّ التقليديّة ومعاقل تاريخيّة طالها التأرجح:
– بنسلفانيا، ميشيغين، ووسكونسن (مثلّث “حزام الصدأ”): تُعدّ هذه الولايات الشماليّة الغربيّة المصنع الأساسيّ للطبقة العاملة الأميركيّة و”بيضة القبّان” في أيّ معادلة انتخابيّة. التنافس هنا محتدم للغاية على مقاعد مجلس الشيوخ والكونغرس، حيث يتأرجح الناخبون بحسب مدى تفاعلهم مع التحسّن الاقتصاديّ. يمنح تراجع التصنيع المحلّيّ وارتفاع أسعار السلع الأساسيّة الديمقراطيّين فرصة ذهبيّة لاختراق هذه القلاع عبر مخاطبة العمّال والنقابات.
– جورجيا وكارولاينا الشّماليّة (الجنوب المتغيّر): تحوّلت جورجيا في السنوات الأخيرة إلى ولاية متأرجحة بامتياز بفضل التحوّلات الديمغرافيّة ونموّ ضواحي أتلانتا وتزايد أعداد الناخبين الشباب ومن الأقلّيّات. المعركة على مقاعد الشيوخ هنا شرسة للغاية. وفي الجارة كارولاينا الشماليّة، تشهد الولاية سباقاً محتدماً على حاكميّة الولاية ومقاعد الكونغرس، وسط تقارب شديد في استطلاعات الرأي يعكس انقسام الشارع بين محافظين ومستقلّين.
– أريزونا ونيفادا (الغرب السّاخن): تمثّل هاتان الولايتان بؤرة لا تتوقّف فيها السخونة السياسيّة. فإلى جانب التحدّيات الاقتصاديّة، تلعب قضايا الهجرة وأمن الحدود الجنوبيّة وتكلفة الإسكان دوراً محوريّاً في توجيه أصوات الجاليات اللاتينيّة الكبيرة. الناخب في أريزونا ونيفادا يتميّز بميله المستمرّ لمعاقبة الحزب الحاكم إن لم يلمس حلولاً فعليّة لأزماته المعيشيّة اليوميّة.
– المفاجآت في تكساس وكنساس: المثير في دورة تشرين الثاني الحاليّة هو امتداد موجة التأرجح لتطال ولايات تُصنّف تقليديّاً كمعاقل صلبة للحزب الجمهوريّ مثل تكساس وكنساس. تشهد هذه الولايات سباقات غير مسبوقة على مقاعد الشيوخ، ما يجبر المرشّحين الجمهوريّين أحياناً على اتّخاذ مسافات آمنة من بعض سياسات الإدارة المركزيّة لحماية حظوظهم أمام الناخب المستقلّ.
ما الذي يوجّه مزاج النّاخب؟
لا يتحرّك الناخب في هذه الساحات وفق ولاء أيديولوجيّ أعمى، بل تحكمه دوافع يوميّة ضاغطة ومباشرة تتبلور في ثلاثة محاور رئيسيّة:
– الأسعار والتّضخّم: تؤكّد استطلاعات الرأي أنّ أكثر من ثلثَي الناخبين المستقلّين يضعون الاقتصاد على رأس أولويّاتهم. فبعد حُزَم الرسوم الجمركيّة والسياسات الاقتصاديّة التي فرضتها الإدارة مطلع ولايتها الثانية، قفزت أسعار السلع الاستهلاكيّة، وشعر المواطن في بنسلفانيا أو أوهايو بضغط هائل على دخله اليوميّ. هذا الوضع منح المعارضة الديمقراطيّة ورقة ضغط كبرى لتصوير السياسات الحاليّة عاجزةً عن حماية الطبقة الوسطى.
– كلفة “حرب إيران” وارتفاع أسعار الوقود: على غير عادة الانتخابات النصفيّة التي تركّز عادة على القضايا المحليّة البحتة، تقتحم الحرب الأميركيّة والتصعيد العسكريّ مع إيران الوجدان الانتخابيّ الأميركيّ بقوّة:
- أدّى التوتّر في مضيق هرمز ومناطق الإنتاج النفطيّ إلى اضطراب أسواق الطاقة العالميّة، وقفز متوسّط سعر غالون الوقود والديزل بشكل ملحوظ داخل السوق الأميركيّة.
- هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة لم يشكّل ضغطاً على جيوب المستهلكين فحسب، بل أثار نقمة واسعة حتّى داخل قواعد ناخبي ترامب أنفسهم ممّن انتخبوه أساساً لشعاره المتمثّل في “تجنّب التورّط في حروب خارجيّة مكلفة”. وباتت “حرب إيران” تهمة يرفعها الخصوم للتأكيد على أنّ السياسة الخارجيّة للإدارة تأتي على حساب لقمة عيش المواطن.
– تآكل ولاء الناخبين المستقلّين: تُظهر البيانات الانتخابيّة تفوّقاً ديمقراطيّاً طفيفاً في أوساط الناخبين المستقلّين داخل الولايات المتأرجحة. هؤلاء الناخبون، الذين يملكون القدرة على ترجيح كفّة أيّ مرشّح، يشعرون بحالة من التململ تجاه تداعيات الصراعات الدوليّة المفتوحة. هذا الشعور دفع قطاعاً كبيراً منهم للتلويح بمعاقبة الحزب الحاكم عبر التصويت لمصلحة تقليص قبضته التشريعيّة في الكونغرس.
خريطة معلّقة على حافة التّغيير
لا يعتبر ما يجري في صناديق الاقتراع في أريزونا أو بنسلفانيا أو جورجيا أو غيرها من الولايات المتأرجحة مجرّد جولة انتخابيّة روتينيّة، بل محاكمة شعبيّة كبرى لنهج السلطة أو تجديد التفويض. إذ بينما يحاول الجمهوريّون التمسّك بالأغلبيّة عبر التجييش القوميّ ومواجهة الخصوم، يراهن الديمقراطيّون على سخط الناخب المستقلّ المتأثّر بغلاء المعيشة وأكلاف حرب إيران. ستحدّد هذه الولايات المحدودة ما إذا كانت واشنطن ستتّجه نحو عرقلة سياسيّة وتقليم لأجنحة البيت الأبيض، أم ستجدّد التفويض الكامل لاستكمال المشروع السياسيّ للرئيس دونالد ترامب حتّى نهاية الولاية.
