أسمرة- أعادت مدينة عصب الساحلية ملف العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا إلى واجهة التوتر في القرن الأفريقي، بعدما جدد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد تمسك بلاده بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، في وقت تتبادل فيه أديس أبابا وأسمرة الاتهامات بشأن تجدد القتال في شمال إثيوبيا، وتتجه العلاقات بين البلدين إلى قطيعة دبلوماسية ومواجهة عسكرية محتملة.
وفي أحدث مؤشرات التصعيد، قال وزير الإعلام الإريتري يماني قبرمسكل إن إثيوبيا «تقرع طبول الحرب علنا»، واتهمها بالسعي للوصول إلى ميناء عصب وبسط نفوذها على الساحل الإريتري، معتبراً أن الاتهامات الإثيوبية ضد بلاده تستخدم لتبرير حرب محتملة.
وتأتي تصريحات أسمرة بعد أيام قليلة من تأكيد أبي أحمد، عقب أدائه اليمين لولاية جديدة، أن حكومته ستعمل على ضمان وصول إثيوبيا إلى البحر. وقال أمام البرلمان إن بلاده ستسعى إلى ذلك وفق مبدأ «الأخذ والعطاء»، من دون أن يحدد ترتيبات بعينها أو يعلن المطالبة بالسيطرة على ميناء محدد. لكن عصب تظل حاضرة في الحسابات الإثيوبية والإريترية، باعتبارها أحد أهم الموانئ على الساحل الذي فقدته أديس أبابا بعد استقلال إريتريا عام 1993.
◄ بالنسبة إلى أديس أبابا، يمثل الوصول إلى البحر محاولة للخروج من قيود الجغرافيا، بينما تنظر أسمرة إلى الطموح الإثيوبي من زاوية حماية ساحلها وسيادتها
وتنظر إثيوبيا، الدولة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مئة مليون نسمة وتفتقر إلى منفذ بحري، إلى الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره مسألة اقتصادية وأمنية واستراتيجية. وقد كرر أبي أحمد وفريقه السياسي خلال السنوات الماضية أن وضع البلاد كدولة حبيسة يفرض كلفة كبيرة على تجارتها وأمنها، مع السعي إلى ترتيبات تفاوضية مع دول المنطقة.
غير أن هذا الطرح يصطدم بحسابات إريترية شديدة الحساسية. فأسمرة تنظر إلى أي محاولة إثيوبية للحصول على موطئ قدم عسكري أو اقتصادي على ساحلها باعتبارها مسألة سيادة وأمن قومي، خصوصاً بعد تاريخ طويل من الصراع بين الطرفين. وخاض البلدان حرباً حدودية بين 1998 و2000، قبل أن تتحسن العلاقات بصورة مفاجئة عام 2018، عندما وقع أبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي اتفاق سلام أنهى سنوات من القطيعة.
لكن المصالحة لم تصمد طويلاً. فقد تدهورت العلاقات مجدداً خلال حرب تيغراي بين 2020 و2022، التي شاركت فيها القوات الإريترية إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية. ومع اندلاع القتال مجدداً في شمال إثيوبيا منذ سبتمبر الماضي، عادت إريتريا إلى دائرة الاتهامات الإثيوبية.
وقطعت أديس أبابا وأسمرة العلاقات الدبلوماسية في الأول من أكتوبر، بعدما أغلقت إثيوبيا سفارتها في العاصمة الإريترية وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمة أسمرة بالقيام بأعمال عدائية ودعم تحالف معارض يقاتل الحكومة الفيدرالية. وردت إريتريا بإغلاق سفارتها في أديس أبابا، بينما حذر الاتحاد الأفريقي من أن التصعيد بين البلدين، إلى جانب الخلافات مع مصر، يهدد استقرار المنطقة ودعا إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
وزاد المشهد تعقيداً مع تقارير تحدثت، الأربعاء، عن مشاهدة جنود إريتريين داخل مدينة أديغرات في إقليم تيغراي، القريبة من الحدود الإريترية. ونقلت رويترز عن شاهدين قولهما إن شاحنات تقل عشرات الجنود الإريتريين عبرت المدينة، لكنها شددت على أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من رواياتهما. ونفت أسمرة وجود قواتها هناك، وقال وزير إعلامها إن هذه الادعاءات جزء من محاولة إثيوبية لتوفير مبرر لحرب ضد إريتريا.
ويأتي ذلك بينما اتسعت رقعة القتال في شمال إثيوبيا، مع اشتباكات بين القوات الحكومية وتحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي. وكانت قوات مرتبطة بالحكومة قد دخلت عاصمة الإقليم، ميكيلي، في الرابع من أكتوبر، بعد انسحاب مقاتلي الجبهة منها، فيما حذر الاتحاد الأفريقي من أن عودة القتال تهدد مكتسبات اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022.
وتحاول إثيوبيا من جانبها ربط ملف البحر الأحمر بأمنها القومي والتنمية الاقتصادية، بينما ترى دول ساحلية، بينها إريتريا ومصر والصومال والسودان، أن إدارة البحر الأحمر يجب أن تبقى من اختصاص الدول المطلة عليه. ويضيف هذا الخلاف بعداً إقليمياً إلى الأزمة، خصوصاً أن البحر الأحمر وممراته باتت جزءاً من تنافس أوسع على الموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي.
ولهذا تبدو عصب أكثر من مجرد خلاف على ميناء. فبالنسبة إلى أديس أبابا، يمثل الوصول إلى البحر محاولة للخروج من قيود الجغرافيا، بينما تنظر أسمرة إلى الطموح الإثيوبي من زاوية حماية ساحلها وسيادتها. وبين الموقفين، يهدد تجدد الحرب في تيغراي بتحويل الخلاف البحري إلى عنصر إضافي في صراع أمني أوسع.
ومع انتقال العلاقات إلى القطيعة الدبلوماسية، وتبادل الاتهامات بشأن التدخل في الحرب الداخلية، يصبح خطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أكبر مما كان عليه خلال السنوات الماضية، حتى وإن لم تعلن أي من الدولتين رسمياً قراراً بالحرب. وقد دعت الولايات المتحدة بالفعل الطرفين إلى ضبط النفس، محذرة من أن اندلاع مواجهة بينهما سيقوض التعاون مع البلدين.
وبذلك تعود عصب إلى قلب معادلة الأمن في القرن الأفريقي: منفذ بحري تطمح إثيوبيا إلى الوصول إليه، وساحل تعتبره إريتريا جزءاً من سيادتها، وحرب في تيغراي يمكن أن تجعل الحدود بين البلدين أكثر قابلية للاشتعال. وفي حال فشلت القنوات الدبلوماسية في احتواء هذه الملفات مجتمعة، فقد يتحول الخلاف على منفذ إلى البحر الأحمر من ورقة تفاوض إلى أحد محركات الصراع الإقليمي.