
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره… المصدر الثورة السورية.دمشق

بدأت أعمال الحفر غير المشروعة في المواقع الأثرية في البلاد تزداد منذ بدايات الثورة السورية، حيث ساد الاضطراب، وضعفت سلطة الدولة في كثير من المناطق. وأدى ذلك إلى تشويه معالم كثير من الأبنية الأثرية، وسرقة كثير من القطع الأثرية المتنوعة، والاتجار بها خارج البلاد. ولا يزال مصير معظمها مجهولاً.
وما زال الوضع نفسه مستمراً في بعض المناطق؛ ولا سيما في الأجزاء الجنوبية من الجزيرة السورية؛ كما حصل منذ أمد قريب في موقع تل طابان (طاباتو) جنوبي الحسكة، وتل الحريري (مدينة ماري الشهيرة) قرب البوكمال. ولم نسمع عن نشاط للمديرية العامة للآثار والمتاحف ووزارة الثقافة في مواجهة هذا التخريب.
وليس من المستغرب أن نظل نسمع بين حينٍ وآخر عن تعديات تطول مواقع هنا وهناك؛ فثمة وضع اقتصادي صعب مضطرب، وتجار الآثار القدامى لم ينتهوا، ويجيدون استغلال الظروف، وقد يضللون كثيرين من المحتاجين، ويغرونهم ويدفعونهم إلى الحفر والنبش.
لذلك فالضمانة الأمثل للردع، إلى جانب الرقابة الأمنية، هو وضع برنامج مستدام لنشر الوعي الأثري، من خلال شرح أهمية هذا التراث الثقافي، والتعريف به، وتشجيع الاهتمام به بدلاً من تخريبه، وهو أمر يمكن أن يجدي في المنظور المستقبلي. ونأمل أن تلتفت الجهات المعنية في وزارة الثقافة إليه.
نعلم أن عدد المواقع الأثرية في سوريا ضخم جداً، ولا يمكن مراقبتها بسهولة، والمراقبة الإدارية والأمنية الشديدة مطلوبة، ولكنها لا تكفي، بل لا بد من أن تتعاون جهات حكومية عديدة، وأن تهتم وزارة الثقافة بهذا الأمر بشكل جاد. ولكن من الملاحظ أن أنشطة مديريات الثقافة التي تقتصر على عدد معين من مراكز المحافظات، تركز على عقد محاضرات وندوات كثيرة في مجالات الأشكال الأدبية، ولكنها لا تولي اهتماماً مناسباً بنشر الوعي الأثري؛ وكأنها تنظر إلى الآثار نظرة أخرى، ولا تراها مجالاً ثقافياً.
وتتركز هذه النشاطات في مراكز المدن الكبرى غالباً، والصغرى أحياناً، وتهمل الريف الذي هو أحوج إليها، ففيها تقع مواطن الآثار القديمة التي تتعرض للتخريب. دعوا الأثريين ليعقدوا لقاءات في المراكز الثقافية في المدن الصغرى قبل الكبرى، ويشرحوا ويوجهوا بأساليب مبسطة تقنع بسطاء الشعب بأهمية تراث أسلافهم.
وتضم المديرية العامة للآثار والمتاحف مركزاً للبحث الأثري، له مقر وكادر وظيفي مستقلان، وكان يصدر مجلة باسم “مهد الحضارات”. ويمكن لهذا المركز أن يؤدي دوراً علمياً وثقافياً في مستويات عديدة، ويهتم بالمنشورات الأثرية العامة بدلاً من الهيئة العامة السورية للكتاب، وأن يتابع إصدار المجلة، وربما مجلة أخرى، تكونان في مستويين؛ علمي وشعبي، وتكونان إلكترونيتين متاحتين للجميع كي تنتشرا على نطاق واسع. وفي هذا السياق نقترح تغيير اسم المركز ليصبح “مركز خالد الأسعد للثقافة الأثرية” تقديراً للرجل الذي ضحى بحياته في سنة 2015 من أجل الحفاظ على ما تبقى من آثار مدينة تدمر.
ولوزارة التربية والتعليم دور مهم في نشر الوعي الأثري، ويمكن أن تؤكد الوزارة على تخصيص ساعة شهرية في المدارس الأساسية والثانوية لهذا الغرض، وعلى إدراج زيارة المتاحف ضمن الأنشطة الطلابية. ويمكن للمتاحف أن تؤهل كوادر وظيفية مناسبة تتعاون مع المدارس، وتسهم في تحبيب التلاميذ بالآثار، بأساليب جذابة صحيحة متطورة.
ولا شك أن الأمر يقع ضمن مجالات وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أيضاً، ومن واجبها أن تسهم في تخصيص برامج لنشر الوعي الأثري، بأسلوب جذاب مقنع مؤثر. وينطبق الواجب ذاته على الصحافة؛ فالصفحة الثقافية في صحيفة؛ كما في صحيفتنا هذه، ليست مجرد مساحة لعرض الأخبار والنشاطات الفنية والأدبية؛ بل هي أداة رئيسة من أدوات نشر الوعي الثقافي في المجتمع، وجسرٌ بين المعرفة التخصصية والجمهور المهتم بالشأن الثقافي، وغيره ممّن يهمّه أن يطلع على تراثه والإنجازات الحضارية في بلاده، فتنشأ في داخله علاقة حميمة مع التراث، ويتعزز لديه الشعور بضرورة الاهتمام به.
إن إطار الثقافة أوسع بكثير مما نراه. إنه يشمل اللغة والتاريخ والآثار والفنون، وكل ماله قيمة مضافة في تشكيل الوعي الثقافي.
الآثار شواهد دالة على تاريخ إنساننا السوري القديم، وإبداعاته، وأفكاره. ومن واجب الخلف أن يكونوا أوفياء يهتمون بجهود السلف، والثقافات القديمة عامة، ولكنهم قد يحتاجون إلى موجّهين يعون الأمر أكثر، ويمتلكون القدرة على الشرح وإثارة الاهتمام، والإقناع.