
يُنفق أحفاد اليوم نصف أعمارهم في تصنيف الناس وتطهير الجدران من “رجس الآخر”، بينما يرقد أسلافهم تحت التراب في وضعية المساكنة الروحية! في بلد لا يعترف أرشيفها الحجري بالعفة المذهبية؛ فهي مسرح تقاسم فيه القياصرة والخلفاء والأنبياء والهراطقة نفس الأساسات ونفس المقابر وتشاركوا حتى الوسائد، كأنهم اتفقوا على أن الأرض مثل السماء يمكن أن تتسع للجميع.
تخيّل حجم الجلطة الفكرية التي قد تصيب حُرّاس العقيدة الجدد لو علم أحدهم بوجود نقش فوق الباب الجنوبي للجامع الأموي يقول: “مُلكك أيها المسيح مُلك كل الدهور”. أربعة عشر قرناً وملايين المسلمين يدخلون لأداء صلواتهم تحت نقش صريح بمُلك السيد المسيح الأبدي، دون أن يسقط السقف على رؤوسهم، ودون أن يكلّف الخلفاء أو عشرات الأئمة الذين تعاقبوا على المنبر أنفسهم عناء مسح النص!
ثم ادخل إلى المصلى لتجد النبي يوحنا المعمدان—المعروف إسلامياً باسم “يحيى”—يرقد في مقصورة حولها مصلين محظوظين يركعون بجوار النبي الذي عمّد السيد المسيح. وعلى مسافة رمية حجر مزار رأس الحسين بن علي، بينما ينام في الجوار يزيد بن معاوية. هكذا، بمزيج شامي، جُمع يزيد والحسين والمعمدان وصلاح الدين في شقة واحدة، تاركين لنا متعة اللطم والشتم.
اصعد نحو حلب، فستجد مسجدها الكبير اسمه جامع زكريا، أو كما يلفظونه: “جيمع زكريا”-والد يوحنا نفسه-. ثم انعطف أينما شئت على الأرض السورية فستصطدم بموقع يخص يوحنا المعمدان (الذي يبدو أنه كان يستثمر في العقارات السورية أكثر من شركات إعادة الإعمار)؛ فالجامع النوري الكبير في حمص بدأ كمعبد لإله الشمس، ثم تحول إلى كنيسة للقديس يوحنا، قبل أن يستقر كمسجد يدمج تيجاناً كلاسيكية مع بقايا نصوص مسيحية وآيات قرآنية.
وليس بعيداً عنه، تقبع كنيسة “أم الزنار” التي اعتاد جيرانها المسلمون حفظ ترانيمها السريانية كأنها وصلة غنائية فلكلورية. وهناك في قرية “دير شرقي” بريف إدلب، يرقد الخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز وزوجته، داخل دير للرهبان، مفضلين الدفن في حضن دير مسيحي على المقبرة الرسمية.
أما في الساحل، فالخروج عن النص يأخذ طابعاً بحرياً، حيث يتنفس كل ضريح مقدس برئة مسيحية ورئة إسلامية، فعلى جبل عرامو يجلس شيخ بجانب كاهن، حيث مار جرجس هو الخضر، هناك حيث تختلط الأدعية بالترانيم، وفي الجوار يتسابق صيادو البحر إلى مقام النبي يونس، غير مكترثين بما إذا كان صاحب الضريح نبياً هرب من نينوى، أم راهباً يونانياً تعطلت سفينته.
وفي أزقة الصليبه العتيقة، يتشابك الفضاء الحجري لجامع المغربي مع كنيسة مار نقولا (النسخة الأصلية لبابا نويل). ولعقود كان مار نقولا شفيعاً لمراكب الصيادين المسلمين والمسيحيين يقصدونه بمختلف أطيافهم لمباركة شباكهم ومراكبهم قبل الإبحار. هناك حيث تمتزج الأجراس مع التكبيرات في تشويش حميد، جعل أطفال الحي يعتقدون أن بابا نويل هو المسؤول عن تحضير وجبات الإفطار في رمضان.
لتفهم هذه الثقافة يمكن للمسجد الاموي ان يعطيك درساً في الصمود والتصدي وهو الذي صمد لأكثر من أربعة الاف عام ليكون أقدم مبنى بالعالم ما زال يمارس نفس الوظيفة: الصلاة للرب، فقط قف خارجاً وتأمل جدار القبلة، فسترى جدار معبد جوبيتر الروماني مرتكزاً على أساسات معبد الإله الآرامي حدد، ويجثم فوقهما جدار الكنيسة، وفوق كل هذا الخليط تأتي القفلة بالكورنيش الإسلامي! ولو فكرت اليوم بإزالة حجر من تلك الأساسات، لانهارت فوق رأسك الأديان الوثنية والسماوية دفعة واحدة.
