(1)
بين الفينة والأخرى، أقرأُ على وسائل التواصل الاجتماعي نقدًا يُوجَّه إلى البنية السلطويّة الحاكمة في سورية حاليًا، حول تعييناتٍ لأشخاصٍ في مناصب قياديّة وسياسيّة في أجهزة ومؤسسات الدولة. ينطلقُ النقد من المستوى التعليمي والكفاءة الأكاديميّة لِمَن تقوم السلطة بتعيينهم. يأتي النقد إما سلبيًا من نمط “فلان كان دهّانًا، ولا علاقة له بالسياسة” و”فلان كان نجّارًا، وكيف صار وزيرًا؟”، أو إيجابيًا من نمط “فلان حامل شهادة دكتوراه ويستحقّ منصبه” و”فلان دارس برّا، ويحقّ له الحديث في السياسة”.
دومًا، كان لديّ عدم ارتياح مبدئيّ حَدْسيّ من هذا الشكل من النقد، وحين قرأتُ التمييز الذي يقوم به الفيلسوف الأميركي جون رولز (1921 – 2002)، في كتابه المؤثّر في الفلسفة السياسيّة “نظريّة في العدالة”، بين مفهومي السياسيّ والتكنوقراطيّ، فهمتُ نفورَ أحاسيسي الأوّلي من هذا النمط من النقد أكثر. في السياسة، يكفي أن يكون لديك تصوُّرٌ ما عن الخير العام، والتكنوقراطي هو الجهاز التنفيذيّ- الإداريّ الذي يقوم بتنفيذِ تصوُّرٍ ما للخير العام. ليس بالضرورة أن يكون السياسي تكنوقراطيًا والتكنوقراطي سياسيًا، ولكن يمكن أن تجتمعَ الصفتان معًا في الشخص، ولكنهما مسألتان مُنفصلتان، هذا أمر هام جدًا فهمه، لأنَّ القرار السياسي تأثيره يطاول أي شخصٍ في المجتمع، لا يجب أن يُستثْنَى من السياسة أيّ شخصٍ في المجتمع. أيُّ شخصٍ، بلّاطًا كان أم دهّانًا. الحصولُ على أي منصب سياسي في مؤسسات الدولة، من مدير بلدية إلى رئيس الدولة، لا يجب أن يشترطَ أيّ معرفة تخصّصيّة مُسبقة.
شيءٌ يمسّ الجميع بالمطلق يصبح الحق فيه أخلاقيًا ومدنيًا.
معروفٌ مثلًا أنّ الاقتصاد ليس علمًا بالمعنى التجريبي الصارم كالفيزياء مثلًا، وهنالك في الدنيا وزراءُ اقتصادٍ كُثُر يتقلّدون منصب وزارة الاقتصاد، وكلُّ ما يمتلكونه هو رؤية عن سياسات اقتصاديّة تعطي الأولويّة في التوزيع للفئات الاجتماعيّة الأكثر هشاشة. مثلًا، كأن يدافع عن مبدأ أخلاقيّ- قيميّ، وهو أنّ التفاوتات الطبقيّة بين أفراد المجتمع هي مسموحةٌ ومبرَّرة، فقط إن كانت تساهم في تحسين أوضاع الفئات الأضعف اجتماعيًا. الجهاز التكنوقراطي المرافق للوزير يدرس إمكانيات التنفيذ وحدود التطبيق. بالتأكيد، إنّ التعليم العالي والكفاءة الأكاديمية تنمّي الحسّ بالخير العام، ولكن هذه ليست الحال دومًا. لا يجب أن ننسى أنّ مجرمًا معتلًّا اجتماعيًا مثل بشار الأسد تلقّى تعليمًا رفيعًا في المملكة المتحدة. وبالمقابل فإنّ الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، والذي يمتلك رؤية سياسيّة ليس فقط لبلده، وإنّما لكل العالم، ترك المدرسة في الصف الثاني الابتدائي!
لذلك، فإنّ المشكلة مع جماعة هيئة تحرير الشام التي استولت على السلطة في سورية ليست في قلّة شهادات الدكتوراه عند أعضائها، بل في تصوُّرها الذي صار واضحًا جدًا حول ما يجب أن تكون عليه سورية: “مجلس شعب” غير منتخب “ممنوع فيه التكتلات”، وجيش فئوي لا نعرف لِمَن سيقاتل في المستقبل، واقتصاد يسحق الفقير ممسوك من صندوق سيادي غامض يديره شخصٌ مُلاحَق دوليًا. المشكلة ليست أنّ فلانًا بلّاطٌ وفلانًا دهّانٌ، ولا يجب منع الناس من السياسة بسبب أشغالهم، لأنّ هذا ليس فقط معيبًا ومُهينًا، بل هو مرفوض أخلاقيًا.
(2)
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر سنة 2024، ارتكبَت الفصائل الإسلاميّة الجهاديّة والميليشيات المدنيّة غير النظاميّة وقوات العشائر مذبحتَيْن كبريَيْن في سورية. الأولى في الساحل السوري في آذار/ مارس من عام 2025 ضد العلويين، والثانية في السويداء في تموز/ يوليو من عام 2025 ضد الدروز. وثّقت منظّماتٌ حقوقيّة مقتل ما لا يقل عن 1300 شخص في المجازر الأولى، وما لا يقل عن 1700 شخص في المجازر الثانية. الآن، في سياق المقارنة بين المجزرتين، انتشرت نظريّة غريبة الأطوار، عبّرت عن نفسها بأكثر من مقولة، منها أنّ “سياق مجازر الساحل يختلف عن سياق مجازر السويداء”، أو “مجازر السويداء خطأٌ لا يمكن أن يُغتفَر”، أو “مجازر السويداء لا يمكن تبريرها”. هذه المقولات تشير ضمنيًا إلى أنّ مجازر الساحل هي خطأ يمكن أن يُغتفَر أو أنها قابلة للتبرير. منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام كان كثير من الناشطين السوريين يتحدثون بإعجاب عن المجزرة التي لم تقع بحق العلويين والإبادة التي لم تحصل. حين تقولُ عن مجزرة إنها كانت بحكم الأكيدة ولم تحصل، فإنّك تخفف من وطأتها الأخلاقية إن حصلت.
الشائع والمعروف أن يحصل المتوقع والغريب والاستثنائي ألا يحصل.
نظريّة السياق العبقريّة هذه، مُؤسَّسة على فكرة أنّ العلاقة التاريخيّة المتداخلة للطائفة العلوية مع البنية الأمنيّة والعسكريّة لنظام بشار، كانت العامل الحاسم في تفعيل وإطلاق ديناميكيّات المجزرة ضدّهم. فلأنّ العلويين هم “طائفة النظام” (وهي مقولة خطيرة، خاطئة جملة وتفصيلًا، وسبق أن نشرتُ في “ضفة ثالثة” مقالًا بعنوان “هل كان النظام السوري علويًا” يفندها)، ولأنّ “النظام قتل مليون سوري”، فإنّ ما حصل هو “رد فعل طبيعي” و”لحظة انتقامية من ذوي ضحايا سنوات الحرب”. علمًا أنه لا توجد دراسة تجريبية إحصائية موثوقة واحدة تؤكد لنا أنّ مرتكبي المجازر هم ذوو ضحايا نظام الأسد، أو أنّ ضحايا المجازر كانوا جزءًا من البنية الأمنية والعسكرية لنظام الأسد. الإشارة إلى علاقة العلويين مع النظام السوري في سياق مجازر آذار الأسود في الساحل يكسب هذه المجازر درجة ما من المعقولية ويحقنها بجرعة ما من التبرير، بالرغم من أنّ من يشيرون يُظهرون أسفًا وإدانة ورفضًا لهذه المجازر.
الآن، لفحص ما إذا كان “عامل العلاقة” المزعوم هو فعلًا الإنزيم المُفعِّل لديناميكيّات المجزرة ضدّ العلويين، يكفي أن ننظر إلى مجازر السويداء. في السويداء حصلت مجزرة عناصِرُها مطابقة تمامًا لعناصر مجزرة الساحل، من دون أن يكون هنالك أي سياق علاقة بين أهالي السويداء ونظام بشار. بالعكس، منذ عام 2018 ودروز جبل العرب لا يشاركون في الحرب الأهلية، إذْ لا يرسلون أولادهم إلى الخدمة العسكريّة الإلزاميّة للقتال في جيش بشار، وكانت السويداء ملاذًا آمنًا للمعارضين السياسيين الهاربين من دمشق والمنشقّين من الخدمة العسكريّة الإلزامية.
العناصر الأساسيّة بين المجزرتين متطابقة، وهي: القتل العشوائي على الهوية، والتحريض الطائفي من على منابر المساجد، والنفير العشوائي الذي وزَّع السلاح بشكل اعتباطي بين المدنيين، والإذلال النوعي المشتق من صفة نوعية تميز الجماعة كحلق الشوارب في السويداء وإجبار الضحايا على مديح بني أمية قبل إعدامهم في الساحل، والتكفير الديني الفقهي، وإنزال عشائري نورماندي ظهر على شكل زحف هائل إلى الساحل والسويداء. 150 ألف إنسان توجه إلى الساحل و300 ألف إنسان توجه للسويداء. لدينا إذًا مجزرتان، ظهرت فيهما نفس أنماط العنف، وارتكبهما نفس الأشخاص، وبنفس الطريقة ضد جماعتين. الجماعة الأولى هي “طائفة النظام” والجماعة الثانية لا علاقة لها بالنظام. هذا يعني حتمًا أنّ عامل العلاقة مع النظام ليس له فعالية في التعبئة ودوره صفر في التحشيد.
والعامل الذي ليس له أي دور في تفسير الفعل قبل وقوعه يصبح دوره الوحيد هو تبرير الفعل بعد وقوعه… يصبح دوره تبرير فعل التحريض على القتل.