لكل كتاب في أيّ اختصاص كان حياته ومساراته التي يرسمها له القدر مثله مثل الإنسان تمامًا، فهذا كتاب يموت لحظة ولادته، وآخر يكتب له الخلود، وثالث ينتظر فرصة للتألق والبروز، ورابع يمسك بتلابيب أخيه الذي نال الشهرة أو المجد.
في إطار هذه المفارقة الطريفة، سمعنا بخبر التتويج بالجائزة قبل أن نسمع ونطّلع ونقرأ عن الكتاب ذاته.
انطلق إشعاع هذا الكتاب البحثي المهمّ الصادر عن الدار التونسية للكتاب سنة 2021: “مرائي النساء: دراسات في كتابات الذات النسائية العربية”، للدكتورة جليلة الطريطر، الباحثة في الجامعة التونسية، واشتهر وانتشر بين القراء منذ لحظة تتويجه بجائزة الشيخ زايد، فرع الفنون والدراسات النقدية، سنة 2023. كانت تلك اللحظة قدريّة بالنسبة إلى الكتاب، إذ أخرجته إلى بريق الضوء من كيس ضخم تراكمت فيه مئات البحوث العربية (286 بحثًا مشاركًا في ذلك الفرع في تلك الدورة).
استحق الكتاب الجائزة عن جدارة لما تميز به هذا البحث الضخم من فرادة، إذ جاء على شكل مجموعة من الدراسات الخاصة بكتابات الذات النسائية العربيّة، وقد أنفقت عليه الباحثة خمس عشرة سنة من عمرها وهي تدقّق وتبحث في تفاصيل التفاصيل مثل مفتش بوليس في قضية عويصة ومتشعّبة.
وقد أشادت لجنة التحكيم بالكتاب عند الإعلان عن الجائزة، ووصفته بأنه “من الدراسات الجادة في حقل السيرة الذاتية النسوية”، مثمنةً منهجه العلمي وقدرته على “قراءة السير الذاتية لمبدعات عربيات”، وهو ما يعكس عمق رؤية المؤلفة للهوية الأنثوية في السياق الاجتماعي العربي.
الجديد الذي أضافته الدكتورة الطريطر في بحثها هذا “مرائي النساء” تمثل في حقيقة كانت غائبة نهائيًا عن الأذهان، وهي أنّ المرأة قادرة على أن تكتب نفسها بنفسها، وأنّ نضالها في المجال قديم، إذ لم تكن يومًا بحاجة إلى وصاية قلمٍ ذكوري مثل قاسم أمين أو الطاهر الحداد ليرى هذا النضال النور.
الصدح بهذه الحقيقة الصادمة، ربّما، في قضية تحرير المرأة العربية التي اقترنت في الأذهان بأسماء ذكورية عربية عُرفت بمساندة هذه القضية، قد يسقط كل تلك المساندة في هوّة التشكيك في سوء نيّتها لتحرير المرأة العربية وفق منظور أو رؤية ذكورية بحتة.
لذلك لم يكن من السهل على الباحثة الطريطر أن تقدّم هذه الحقيقة بدون أدلّة وبراهين، ممّا جعلها تنكب على عملها الأكاديمي هذا، الفريد والخطير ربّما، مدّة خمس عشرة سنة أنفقتها في البحث والتنقيب بكل الصبر الذي منحته الطبيعة إلى المرأة. فكانت الرّحلة مضنية في أرشيف الذاكرة النسائية العربية، تتبعتها المؤلفة من أواخر القرن التاسع عشر حتى اللّحظة الراهنة، أي على مدى أكثر من قرن من الزمن، وهي تفتش وتقرأ ما كتبته النساء عن أنفسهن، في المذكرات المنسية واليوميات المهملة والسير الذاتية التي ظلت حبيسة الأدراج لعقود.
لقد كان اختيار الطريطر لكتابات الذات النسائية اختيارًا واعيًا وذا دلالة عميقة. فهي التي اختارت منذ بدايتها وهي طالبة أن تخلق هذا الاختصاص في البحث، والذي لم يكن موجودًا قبلها في الجامعة التونسية، بمساندة كل من الدكتور المنجي الشملي وأول دكتورة تونسية في الفلسفة حياة حدّاد. شغفها بهذا المبحث الذي عثرت فيه على الحقائق التاريخية عن كتابة المرأة من ناحية، ومن ناحية أخرى على متعة في اكتشاف خبايا الذات الأنثى، عبّرت عنه الدكتورة الطريطر في لقاءاتها الإعلامية العديدة التي انهالت عليها بعد نيل الجائزة، ممّا جعلها نجمة هذا الاختصاص العلمي في الكتابة النسائية.
ولم تكتف الباحثة بتوثيق نضال المرأة العربية فحسب، بل أصرّت أيضًا على إثبات أصالته، وعلى أن المرأة العربية لم تنتظر من يمنحها صوتها، وكتبت بيدها وقلمها ما سيؤكد لاحقًا أنّ لها صوتها الخاص الواثق والواضح. فنجدها في بحثها قد تجنّبت عمدًا العودة إلى المرجعيات الذكورية المعروفة التي ارتبط اسمها بقضية تحرير المرأة، لتضيء بدلًا من ذلك على الأصوات النسائية التي سبقت كل من تبنّوا قضية المرأة من الرجال. غير أنّ تلك الأصوات النسائية الرائدة ظلت رهينة الصمت والتكتّم بعد أن تعمّدت السلطة الذكورية طمرها في قبر المسكوت عنه.
ضد الهيمنة الذكورية
نجحت جليلة الطريطر إذًا، بعد صبرها الطويل، في إبراز تجربة نضالية فريدة في الكتابة الذاتية عند المرأة العربيّة ظلّت طيّ الكتمان على امتداد قرن كامل تقريبًا، قامت بها مجموعة من النساء اللاتي يعتبرن هنّ الرائدات الحقيقيات في هذا المجال، إذ لم ينتظرن من يأخذ بأيديهن لمسك القلم وإرشاده للكتابة عن تفاصيلهنّ الذاتية، بل عمدن إلى ارتكاب فعل الكتابة عن ذواتهن بصدق، وكنّ يعلمن أنّ الدرب أمامهن مغلق للنشر والانتشار، فطرّزن بكتاباتهن أصواتهن التي انتهت إلى الانبعاث من دهاليز الصمت من خلال هذا البحث، بعد أن حفرت عنهن الباحثة تراب القبر، فانطلقت أصواتهن في مواجهة الهيمنة الذكورية “الناعمة” من داخل المجموعة التي زعمت رفع لواء الدفاع عن المرأة، ممّا دفع إلى إعادة تعريف معنى “تحرير المرأة”.
ومن أبرز هذه الشخصيات النسائية التي كشف عنها الكتاب وسلّط على تجربتها الضوء، الشاعرة المصرية عائشة التيمورية (1840-1902)، التي سبقت قاسم أمين في المطالبة بتحرير المرأة، فقد كانت تكتب الشعر وتناقش قضايا المرأة في زمن كان يُعد فيه صوتها تجاوزًا جذريًا للتوقعات الاجتماعية، وهي بذلك تكون قد طالبت بحقوق المرأة قبل أن يكتب قاسم أمين كتابه “تحرير المرأة”، الذي صدر عام 1899.
شخصيّة أخرى مهمّة كشف عنها هذا المبحث، هي ملك حفني ناصف (1886-1918)، المعروفة باسم “باحثة البادية”، التي ثارت ضد تعدّد الزوجات بعد أن اكتشفت أن زواجها كان مجرد زواج ثانٍ، فكرّست حياتها للكتابة عن حقوق المرأة والتعليم، واختارت لنفسها ذلك اللقب لتخفي شخصيتها الحقيقية وتواصل بحثها المستمر داخل ثقافتها في مجتمع تلك الحقبة، في إصرار منها على تحقيق العدالة المنشودة.
أمّا مي زيادة (1886-1941) فهي الشخصيّة التي اعتبرتها الدكتورة الطريطر أكثر الشخصيات التي ظُلمت، باعتبارها اشتهرت بأنّها امرأة جميلة فتحت صالون بيتها للمثقفين، بينما وجدت الباحثة في تجربتها الملامح الأولى للمؤسِّسة العربية لنقد أدبي نسوي، حيث ضبطت في نقدها لسير نساء عصرها آليات التمييز الجندري، لكن أعلام “الثقافة الذكورية” الذين كانت تستقطبهم في صالونها اختزلوا صورتها في إطار “المرأة الجميلة” فحسب، وحجبوا عمدًا وجهها الفكري والنقدي الأكثر جمالًا وخلودًا.
سيّدة أخرى كشفت عنها الدكتورة جليلة النقاب هي هدى الشعراوي (1879-1947)، الرائدة التي قادت حركة تحرير المرأة في مصر، والتي كانت تدرك جيدًا ألّا فائدة من فكرة التحرير بالوصاية، فسعت إلى بناء وعي أنثوي مستقل.
واللافت في تحليل الطريطر لهذه الأسماء وغيرها من النساء الرّائدات أنّهنّ تحدّين النظام الأبوي، وتحدّين أيضًا التحرير بالوصاية الذي كان يقدمه المتنوّرون الذكور أنفسهم. فتشير مثلًا إلى أن قاسم أمين والطاهر الحداد ولطفي السيد، رغم جهودهم، ظلوا رهينة العقلية الذكورية المحدودة الخاضعة لتقاليد عصرهم. وتوضح الباحثة في كتابها هذا أنّ هؤلاء الرائدات كنّ يكتبن ويناضلن بدون القدرة على الانفصال الكلّي عن الروح الدينية والثقافية لمجتمعهن؛ كنّ يقاومن الهيمنة الذكورية، لكن بلغة تنبع من داخل السياق العربي الإسلامي، وليس من موقف رافض له كليًا. وهذا ما تسميه الباحثة “التحرير بالأصالة” في مقابل “التحرير بالوصاية”. وهنا تكمن الصدمة المعرفية الكبرى: ما كنّا نعتقد أنّه نضال نسوي بدأ مع الحركات النسوية المعاصرة اليوم، هو في حقيقة الأمر نضال قديم بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر، على أيدي نساء كنّ يعرفن تمامًا ما قيمة حقوقهن المسلوبة باسم العادات والتقاليد المستمدة خطأً من الدين الذي فُصل على قياس السلطة الذكورية التي لم ولن تكون مستعدة للتفريط في مكاسبها على حساب المرأة التي ستؤكد عبر المستقبل أنها منافس شرس. لقد كانت لتلك المجموعة من الرائدات استراتيجيات واضحة لنيل حريتهن وحقوقهنّ.
إنّ كتاب “مرائي النساء” للباحثة التونسية جليلة الطريطر هو مشروع معرفي متكامل يعيد رسم خريطة الدراسات النسائية في العالم العربي وكتابة الذات تحديدًا، ويثبت بالحجّة والدليل، وبعد خمسة عشر عامًا من البحث، أن الذاكرة النسائية العربية ليست خالية الوفاض كما كان يُعتقد، بل كانت مُغيَّبة عمدًا عن المشهد العام. كما يؤكد أن النساء العربيات لم ينتظرن حقًّا رجلًا ولا أيّ أحد ليحررهن. لقد كنّ سبّاقات إلى الورقة والقلم ليكتبن تفاصيل حكاياتهن بأوجاعها ومتاعبها النفسيّة، وكشفن عن أسرار علاقاتهن المعقدة والمتشابكة مع الرجل في كل مواقعه، وواجهن تلك الهيمنة الذكورية بالكلمة المدوّنة على ورق سيظل حافظًا للأمانة طيلة قرن من الزمن ليبلغ أفكار ومواقف وأسرار تلك المجموعة النيّرة من النساء ليفزن بلقب الرائدات في مجال تحرير المرأة لذاتها بذاتها، ممّا يمنح هذا الكتاب جائزة أخرى معنوية إلى جانب نيله الجائزة العلمية المرموقة عن جدارة، وذلك لأنه جاء بمثابة الشهادة الأكاديمية على أن ذلك النضال لم يذهب سدى، لأن امرأة أخرى شجاعة وصبورة بحثت ونقّبت وحفرت وجاءت بالدليل الذي يثبت أنّ المرأة عبر التاريخ لم تكن قط امرأة خانعة.