رنا زيد – كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية… موقع درج
كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
لم يكن الشاعر الجاهلي عروة بن الورد، كما يدّعي، عفيف الإزار، أي أنه لا يمسّ ما حُرّم عليه من النساء، فقد تفاخر بسبي نساء القبائل الأخرى واغتصابهن، كان صعلوكاً خرج عن قبيلته، فلا مال له ولا اعتماد كصعلوك، سوى غزواته مع رجاله، كما كلّ صعاليك زمانه في الجاهلية.
ورغم ما يُعرَف عنه بأنه كان عادلاً في قسمة الغنائم بين رجاله، ولذلك سُمّي بعروة الصعاليك، فتراه يجمع القوي من قومه، وإذا به أغار فجأة، وجعل لأصحابه الباقين في الدار من ذلك نصيباً. يأتيه قومه ويجلسون أمام بيته، فإذ بان، صرخوا وقالوا: “يا أبا الصعاليك، أغِثْنا”، فيخرج ليغزوا بهم.
ومن هذه الأخبار أو الترجمات، أن نرى عروة بن الورد يعيّر عامر بن الطُفَيل، في زمن تتابع السبايا جاهلياً، بأخذه ليلى بنت شَعْواء الهلالية:
كمأخذنا حسناء كرهاً ودمعها/ غداة اللوى معصوبةً يتصبّب
يرد البيت الشعري في سياق آخر، وكلمة مغصوبة أي مغتصبة، بدلاً من معصوبة.
وكم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
غزوات فصائلهم هذه هي جاهلية وليست أموية ولا تشبه الإسلام، بل هي تابعة لمرحلة الغزو والسبي في التاريخ الجاهلي العربي ما قبل الإسلامي؛ والجاهلية كما نعلم، من الجهل، أي ضدّ العلم، لأن الإسلام حينما أتى وضع المنطق القانوني والديني لما استفحل في المجتمع العربي الجاهلي.
الزمن السوري الحالي إذاً، ليس أموياً، بل هو زمن جاهلي، زمن تظهر فيه الشابّة السورية العلوية بتول سليمان علّوش، في فيديو منذ أيّام، مرتدية زيّاً يذكّر بأزياء المتشدّدات، تقول فيه إنها “هاجرت في سبيل الله”، بعد أن أعلن أهلها عن خطفها، وفقدان أثرها من جامعة تشرين، في نهاية شهر نيسان/ أبريل الماضي. ليست بتول إلا مثالاً على إخضاع النساء السوريات بالقوّة والعنف والظلم، وإن كانت بتول تقول صراحة إنها اختارت هذا، فأيّ خاطف يقف بسلاح وراء الكاميرا، سيُرغمها ويُخضعها لتقول أكثر من ذلك، وطالما أنها لم تعد حتى الآن إلى بيتها، فهي مختطفة.
إذاً، لا يمكن في أيّ حال، مهما تردّى وضع النساء السوريات، القبول بأن حكومة دمشق، نظيفة الملفّ أمنياً… وليست مسؤولة عن هذا السبي الجاهلي، لا سيّما بعد مجازر الساحل، والتنكيل والحصار والقتل الممنهج والطائفي في السويداء.
ولفهم عقلية السبي، لنعد إلى عروة بن الورد، وإلى منطق الجهل، وإلى الجاهلية، علّنا نفهم صمت بعض المثقّفين السوريين اليوم أيضاً، هل هو تواطؤ مقصود في تجسيد سياسة الإذلال القائم على العقاب الطائفي؟ أنت معاقب لأنك من طائفة أخرى، أنت كبش الفداء.
فهل ستجعلون من طائفة كاملة، بديلاً عن رأس الهرم في عائلة الأسد ومن شاركه إجرامه، بديلاً يعاقب قبلياً؟ اليوم تعاقب الطائفة العلوية، ومعها الطائفة الدرزية، وغداً يعاقب حتى المتصوّف في دمشق، حتى الموحّد، وحتى الخاشع. وكما كان نظام الأسد يظنّ نفسه الله في سوريا، فقد أتى إلى سوريا من يظنّ أنه ربّ السوريين في الهداية الدينية، فيما الله هو الله.
ومن ملامح تصوير الجاهلية في الأدب العربي القديم، التي تنطبق على ملامح السياسة السورية الداخلية في العصر الحالي، يمكن العودة إلى ما ورد في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، الذي يتمسّك في كتابه بتركيب الأسانيد وصحّة النصوص التي يرويها، مع كلّ علامات الجدّية العلمية، ذاكراً أي الأصفهاني، خبراً عن عروة بن الورد، وغزواته، يقول:
“وقال ابن الأعرابي في هذه الرواية أيضاً: كان عروة قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صَعْصَعة يقال لها: ليلى بنت شعواء، فمكثت عنده زماناً وهي معجبة له تُريه أنها تحبّه، ثم استزارته أهلها فحملها حتى أتاهم بها، فلما أراد الرجوع أبتْ أن ترجع معه، وتوعّده قومها بالقتل، فانصرف عنهم، وأقبل عليها، فقال لها: يا ليلى، خبّري صواحبك عني كيف أنا؛ فقالت: ما أرى لك عقلاً! أتُراني قد أخترت عليك، وتقول: خبّري عني!”.
ويرد أن ليلى اسمها سلمى في خبر آخر من أخبار عروة بن الورد، الذي اعتقد أن السبيّة أحبّته، إذ أظهرت له ذلك طيلة فترة سبيها.
اختارت ليلى أهلها، حينما أعادها عروة بن الورد للزيارة بعد سنين من السبي، وفي ظنّه أنها مولعة به، وعيّرته بأن لا عقل له، فكيف يمكن أن تختاره وهي المبعدة ظلماً عن أهلها؟ هي فعلاً غير راضية بسبيه لها، فكيف يسألها عن رأيها فيه؟ أيّ سبيّة تلك التي سترضى بسبيها؟ أعيدوا بتول سليمان علّوش إلى أهلها، لنرى من ستختار.