منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، الذي وُقّع خلال إدارة اوباما ، بقي السؤال مطروحًا في الأوساط السياسية والدبلوماسية: هل يمكن لواشنطن أن تعود يومًا إلى صيغة مشابهة لاتفاق عام 2015 مع طهران؟ ومع عودة ترامب إلى المشهد السياسي بقوة، يتجدد الجدل حول إمكانية التوصل إلى تفاهم جديد مع إيران، سواء بصيغة معدّلة أو عبر اتفاق يشبه اتفاق أوباما من حيث الجوهر.
يرى كثير من المراقبين أن ترامب، رغم خطابه المتشدد تجاه إيران، يدرك أن الخيار العسكري يحمل تكلفة هائلة على الولايات المتحدة والمنطقة والعالم. ولذلك، فإن فكرة العودة إلى التفاوض ليست مستبعدة بالكامل، خصوصًا إذا كانت تحقق له مكسبًا سياسيًا يتمثل في تقديم “اتفاق أفضل” من الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما.
لكن السؤال الأهم: من يدفع نحو هذا المسار؟ وهل تلعب الصين وروسيا دورًا حقيقيًا في الضغط على واشنطن للوصول إلى تسوية؟
لا شك أن لكل من روسيا والصين مصالح استراتيجية في منع انفجار مواجهة كبرى مع إيران. فالصين تعتمد بصورة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج، كما أنها ترتبط بعلاقات اقتصادية متنامية مع طهران ضمن مشروع “الحزام والطريق”. أما روسيا، فترى في إيران شريكًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا في مواجهة النفوذ الغربي، وخاصة في ملفات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
لهذا تعمل بكين وموسكو، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تشجيع الحلول الدبلوماسية بدل التصعيد. غير أن الحديث عن “ضغط” فعلي على ترامب قد يكون مبالغًا فيه، لأن القرار الأمريكي في النهاية تحكمه اعتبارات داخلية أمريكية أكثر من أي تأثير خارجي.
فالداخل الأمريكي نفسه يشهد انقسامًا واضحًا حول كيفية التعامل مع إيران. هناك تيار داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الأمريكية يفضّل تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان. كما أن قطاعات اقتصادية ودبلوماسية ترى أن استمرار التوتر مع إيران يرفع أسعار الطاقة ويزيد من الاضطراب العالمي، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد الأمريكي.
في المقابل، توجد قوى سياسية محافظة وحلفاء إقليميون لواشنطن يعارضون أي اتفاق يمنح إيران تخفيفًا للعقوبات دون قيود صارمة على برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي. لذلك فإن أي اتفاق محتمل سيكون مختلفًا عن اتفاق 2015، وربما أكثر تشددًا من حيث الشروط وآليات الرقابة.
أما فيما يتعلق بالشروط الإيرانية، فإن طهران تسعى منذ سنوات إلى ضمانات حقيقية تمنع تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق جديد، إضافة إلى رفع فعلي للعقوبات الاقتصادية. وهذه النقطة تحديدًا تمثل العقدة الأساسية، لأن النظام السياسي الأمريكي لا يمنح أي رئيس القدرة على تقديم ضمانات دائمة للإدارات القادمة.
وفي ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن احتمال الوصول إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران يبقى قائمًا، لكنه لن يكون نسخة مطابقة لاتفاق أوباما. بل سيكون أقرب إلى تسوية مؤقتة أو تفاهم مرحلي يوازن بين مصالح الطرفين ويمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان ترامب سيختار سياسة “الضغط الأقصى” من جديد، أم أنه سيفضّل في النهاية العودة إلى طاولة التفاوض، ولكن بشروط يعتقد أنها تمنحه انتصارًا سياسيًا داخليًا، وتُظهره كرئيس استطاع انتزاع تنازلات أكبر من إيران مقارنة بما حققته إدارة أوباما.
وفي عالم تحكمه المصالح لا الشعارات، تبقى الدبلوماسية — مهما تعثرت — الخيار الأقل كلفة للجميع.