ينطوي الوضع السوري الناشئ بعد سقوط الأسد على توتر بين الخلفية الجهادية للقوى التي استلمت الحكم في سورية، قوى ليس في مفرداتها لا الدولة الوطنية ولا مبدأ المساواة الذي لا يمكن بناء دولة حديثة مستقرّة من دونه، والتوافق العالمي الجلي على “تجريب” التعاون مع هذه القوى بدلاً من مواجهتها، وتسليمها الحكم على أمل أن يغرق دافع الجهاد في مستنقع بيروقراطية الحكم. ومن الواضح أن هذه التجربة تعطي، حتى الآن، نتائج مرضية للغرب، أولاً من حيث وقف الصراع المسلح في سورية عبر حذف نظام الأسد من المعادلة العسكرية، ونشوء سلطة بديلة ممتنة للغرب وتتمتع بشعبية وسط المسلمين السنة الذين شعروا بالرضى، وبنوع من رد الاعتبار لمجرد الخلاص من حكم الأسد الذي تكرّس في وعي نسبة كبيرة على أنه حكم أقلوي علوي مزمن، نالهم منه أذى فظيع منذ 2011 بصورة خاصة. في السياسة يبقى ما يتصوّره الناس وما يستقر في أذهانهم المهم وهو المحدّد، بصرف النظر عن مدى قربه أو بعده عن واقع الحال وحقيقته. وثانياً من حيث أن خطر تنظيم داعش تراجع عقب التحول الكبير الذي جرى في نهاية العام 2024 في سورية، ما يشير إلى أن هذا التحول ساهم في إخماد جذوة التنظيم وامتصّ نسبة كبيرة منه إلى جسد الدولة الجديدة.
العقدة السورية اليوم تكمن بين حاجة السوريين الماسّة، من أجل أمانهم واستقرارهم وازدهار بلدهم، إلى بناء دولة وطنية (تعتمد مبدأ المساواة والمواطنة) من جهة، وبين أن هذه المهمّة ملقاة على عاتق قوى لا تتلاءم في وعيها وفي عقيدتها السياسية مع فكرة الدولة الوطنية، من جهة أخرى. من هنا ينبع السؤال الدائم الذي يوجَّه إلى كل من لا يرفض السلطة الجديدة في دمشق رفضاً قاطعاً، ولا يطالب بإسقاطها، وهو: هل تراهن على هذه القوى؟ وكيف تأمل من هذا النوع من القوى أن يبني دولة وطنية حديثة، دولة قانون ومساواة؟
لا يمكن إنكار وجاهة هذا السؤال، والذي تردّده فئة من السوريين الرافضين أي تطبيع مع سلطة إسلامية ذات خلفية جهادية، جعلت في رصيدها، من دون اضطرار، مجزرتين طائفيتين صريحتين في غضون ستة أشهر من استلامها الحكم، بما يكشف عن ضعف شعور بالمسؤولية الوطنية، فضلاً عن غياب الأفق الوطني لديها. ولئن كان هذا السؤال “الجذري” منطقياً ومريحاً، لأنه يريح من التفكير في المهمة الأصعب التي هي كيفية منع السلطة الحالية من بناء دولة تمييز ذات عصبية غير وطنية، فإنه فقير سياسياً، ذلك لأن السياسة لا تقوم على المنطق المجرّد، فهذا السؤال أو هذا التوجه، على سلامته المنطقية، لا يستطيع أن يكون أساساً لسياسة عملية اليوم، لسببين: الأول أن السلطة الحالية في دمشق تتمتع برصيد شعبي غير قليل لمجرّد أن نهاية نظام الأسد المجرم جاءت على يدها، وهذا الرصيد يحمي السلطة الجديدة التي تدأب على بناء أسس استمرارها في قوى الجيش والأمن وفي دمج السلطات بدلاً من فصلها، لكي تجعل أي تغيير سياسي صعب المنال وعالي التكلفة. لا يلقى الرفض الجذري لسلطة هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها اليوم جمهوراً مؤثراً بالرغم من التدهور الاقتصادي والمعاشي المتزايد الذي يعاني منه الناس.
تتمتع السلطة في سورية بشعبية غير مرشّحة للتراجع جدّياً في المدى المنظور
من هذه الزاوية، يشبه حال جمهور سلطة اليوم حال جمهور سلطة الأسد من قبل. في الحالتين، تغلبت التصوّرات الذهنية على الحقائق الواقعية، في الحالتين، كان تعلق الجمهور بالسلطة وتصوّره (وهمه) حيالها، أقوى من تأثير الجوع والإفقار. بقي جمهور سلطة الأسد متمسّكاً بها، رغم كل الأهوال، خوفاً من سلطة إسلامية بديلة، والأمل ليس كبيراً في ألا يكرّر جمهور السلطة الجديدة الأمر نفسه، خوفاً من نكوص “أسدي” بات يشكّل رهاباً لدى غالبية السوريين، رغم كل ما تكشفه هذه السلطة من مؤشرات ودلائل غير وطنية صارخة، إن لجهة تسميم (وتفجير) العلاقات بين الجماعات الأهلية السورية، أو لجهة ضعف حماية الحقوق الوطنية في وجه الدول التي تستغل الضعف السوري الراهن.
في كل حال، لا يخلو موقف الرفض القطعي لسلطة ما بعد الأسد من الجاذبية، ككل المواقف الجذرية. ولكن المضي في هذا الموقف، بصورة ثابتة، يقود إلى الرهان على الخارج، لأن الرهان على حراك شعبي واسع ضد السلطة الحالية ضعيف، ذلك أنها تتمتع بشعبية غير مرشّحة للتراجع جدّياً في المدى المنظور، كما أن سورية خالية من أي قوة قادرة أن تفرض نفسها على قوة السلطة الأمنية التي يجري بناؤها اليوم، لتكون حرساً جاهزاً لسحق أي محاولة تغيير سياسي داخلية. على هذا، يبقى التدخل الخارجي الوسيلة الوحيدة لإحداث تغيير جذري في سلطة ما بعد الأسد. وإذا أخذنا في الاعتبار مدى التوافق العالمي على المضي في هذا “التجريب”، نصل إلى أن مثل هذا التدخل الخارجي الحاسم غير متاح. وهذا يضعف قدرة الموقف الجذري من السلطة الإسلامية في دمشق على أن يكون أرضية لسياسة عملية ومنتجة في سورية اليوم.
على ما سبق، يصبح السؤال الأهم: نحن اليوم أمام توافق عالمي يجعل اليد العليا في سورية لجماعة تمييزية لا تؤمن بالمساواة وتنظر إلى الدولة أنها غنيمة، فما هي السبل الممكنة لمنع الآثار الداخلية السيئة وبعيدة المدى على المجتمع؟ إذا كان الرفض القطعي لسلطة هذه الجماعة لا يحظى بجمهور واسع، فإن الاحتجاج في وجه السعي الحثيث للجماعة لبناء دولة استبداد جديد، ومنعها من إغلاق سبل التغيير السياسي السلمي، يمكن أن يكسب جمهوراً مؤثراً.