لا يتوقف الحديث عن النظرية النقدية، أو الأدب بشكل عام، بين أخذٍ ورد، حتى أصبح هذا الحقل ساحة للسجال بين مؤيد ومعارض يتجاذب فيها الطرفان الحجة والحجة المضادة. لا تدعي هذه الدراسة المختصرة مجد الادعاء بالانتصار لهذا الطرف أو ذاك، بل تحاول أن توضح أنه لا يمكن النظر إلى هذه المسألة السجالية من منظور قاطع جازم يعطي أحد الطرفين فضيلة الحق، والآخر رذيلة الباطل، بل تدعو إلى الاعتراف بهذه الجدلية قرينةً لتطور الحياة نفسها وإشكالياتها ما دام الأدب نفسه مرآة للحياة بأشكالها كافة، الأمر الذي يجعل هذا السجال باقيًا ما بقي الأدب، من دون أن يعني هذا أن يُمنح أصحاب النظرية النقدية صك براءة مفتوحًا على مصراعيه.
في كتابه “نقد العقل المحض” (ترجمة موسى وهبة، الطبعة الأولى، بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990، ص 75) يقول الفيلسوف كانط إن “الأفكار من دون مضمون فارغة، والحدوس من دون أفاهيم عمياء. فمن الضروري، إذًا، أن تُجعل الأفاهيم حسية (أي أن يُضاف الموضوع إليها في الحدس) بمثل ما هو ضروري أن تُجعل الحدوس مفهومة (أي تندرج تحت أفاهيم)”، أي إن النظرية بوصفها أفكارًا تبقى عقيمة إن لم تقترن بآلية عملية تجعلها “محسوسة”، وقابلة للتطبيق. لكن النظرية ـ أيًا كانت ـ هي في المقام الأول عملية اختزال تجريدي للوقائع العملية، أي حصيلة الملاحظة والتجريب. ولولا أن سقطت التفاحة على رأس نيوتن وهو جالسٌ تحت الشجرة، لما خرج علينا بنظرية الجاذبية الأرضية. ولو لم يلاحظ الفراهيدي بأذنه الحساسة الإيقاعات والأوزان التي كُتب الشعر العربي في عصره على مقاييس تفعيلاتها، لما وضع نظريته في العروض.
لا يختلف اثنان على أن نظرية الأدب هي نتاج مركّب من المعرفة والتحليل تراكم على مدى سنوات، ونتاج قدْر كبير من العمل الفكري في العديد من المسائل، مثل طبيعة الأدب، ووظيفته، وعلاقته بالجوانب الأخرى من الثقافة. إن ما يجعل النظرية ذات قيمة يقوم أساسًا على نوعية تحليلها وعمقه، وقابلية تطبيقها. نظرية الأدب هي فلسفة الأدب التي تطرح تساؤلات تجريدية كبرى مثل ما هو الأدب؟ وكيف تخلق اللغة المعنى؟ أما النقد فهو الجانب العملي التطبيقي الذي يستنبط ـ من النظرية ـ الأدوات التي يمكن استخدامها في فهم النص الأدبي بمقاربات متعددة، مثل الماركسية، والنسوية، والتفكيكية، سعيًا إلى تحقيق وظيفتيْه الرئيسيتيْن: التحليل والتقويم (حكم القيمة).
لابد أولًا من الاعتراف بأن إشكاليات النظرية النقدية الأدبية تنبع من إشكالية الأدب نفسه، كما يعرض رينيه ويليك، وأوستِن وارِن، في كتابهما الشهير “نظرية الأدب” (الطبعة الثالثة، هارت كورت وبراس، نيويورك، 1949)، وتحديدًا لجهة السؤال عن الفارق بين ما هو أدبي وغير أدبي. وانطلاقًا من الفكرة القائلة بأن الأدب هو في نهاية المطاف منتج لغوي، يتعرض الكاتبان لفكرة “أدبية” اللغة بصفتها مجازًا، أو آلية تعبيرية توصل فكرة الكاتب بهدف التأثير على المتلقي. تبدو هذه الفكرة عامة، بل وتنطبق على الكتابات الأخرى التي لا يمكن تصنيفها أدبية بالمعنى الحرفي للكلمة. إن استلهمنا الجواب من المفهوم العلمي الذي يقول إن طبيعة المادة ـ أي خواصها التي تنفرد بها، أو قد تتشارك بها مع مادة أخرى ـ هي من تحدد وظيفتها، سنجد أنفسنا أمام تلك العلاقة العضوية بين الأدب ووظيفته. من هذا المنظور، يرى الكاتبان أن “العمل الأدبي هو موضوع جمالي قادر على استثارة تجرية جمالية” (ص 241). لكن هل يكفي اعتماد المعيار الجمالي للحكم على أدبية الأدب؟ في هذه الجزئية على وجه التحديد، يثير الكاتبان مسألة الحكم القيمي على العمل الأدبي، كما يفتحان الجدل بشأن العلاقة بين الشكل والمضمون بقولهما “إن مسألة عظمة الأدب تُحيلنا إلى المعايير والأعراف. فالنقاد الحداثيون الذين يحصرون أنفسهم بالنقد الجمالي عادة ما يُطلق عليهم ’الشكلانيون’” (المصدر نفسه)، وهذا بالطبع يحيلنا إلى ربط شكل الأدب بوظيفته، أي بعبارة أخرى ما هي طبيعة التركيبة الجمالية للنص الأدبي التي يُقاس على أساسها ـ نقديًا ـ نجاح هذا العمل وعظمته؟ يطرح الكاتبان بديلًا عن هذه المتلازمة لثنائية ’الشكل والمضمون‘ باقتراح “المادة أولًا، ومن ثم الشكل الذي ينظّم ’مادته‘ جماليًا” (المصدر نفسه). في إطار هذه الفكرة، يندمج العمل الفني الناجح كليًا في الشكل، أي وحسب تعبير ويليك ووارن “ما كان عالَمًا أصبح لغة. فمادة العمل الأدبي، من جهة، هي الكلمات، ومن جهة أخرى هي التجربة الإنسانية، أفكار الإنسان ومواقفه” (المصدر نفسه).
ألا يعيدنا هذا الكلام إلى أرسطو وتمييزه بين التاريخ والشعر ’الأدب‘ عندما يقول إن الشعرية ’البوطيقا‘ تعلمنا الحقائق الجوهرية حول التجربة الإنسانية على عكس التاريخ الذي يقدم الواقع كما جرى؛ هذه الحقائق الجوهرية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة، وفي سعي الإنسان وراء احتمالات السعادة والشقاء؛ أي الرغبة بالحياة الكريمة التي ترشدنا إليها ـ كما يقول أرسطو ـ الحكمة العملية (phronesis)؟ ألا يمكن القول هنا إن الأدب ـ كما يرى أرسطو ـ يتعامل مع ما يمكن أن يحدث، أو كما يسميها ريتشارد كارني “بوطيقا الممكن” في كتابه “بوطيقا الحداثة” (هيومانتي بوكس، نيويورك، 1999)، في حين أن التاريخ يتناول ما حدث فعلًا. لذلك عدَّ أرسطو الأدب أكثر “فلسفيةً وأشد خطورة”، لأنه يركز على الحقائق العامة، وعلى ما هو ممكن، أو يجب أن يكون، حسب الطبيعة البشرية، لا على التفاصيل المحددة بوقائع زمنية انقضت. فيوليوس قيصر، الإمبراطور الروماني ـ الذي عاش بين 100 و44 ق. م ـ ليس هو يوليوس قيصر في مسرحية شكسبير، أي إن الأدب يقدم تجربة الحياة بمنظور افتراضي تتلاقى فيه المشتركات الإنسانية المحصورة بين قوسيْ الولادة والموت، لذا فإن مأساة هاملت عند شكسبير تتقاطع في المنظور العام مع مسرحية “الملك هو الملك” لسعد الله ونوس، بصفتها أدبًا يقدم تجربة جمالية تمنح القارئ كما يقول بول ريكور في كتابه “الزمن والسرد” (الجزء الثالث، جامعة شيكاغو، 1988، ص 249): “رؤية للعالم غير حيادية أخلاقيًا، بل تسعى، ضمنيًا، أو علانية، إلى المطالبة بتقويم جديد للعالم والقارئ أيضًا. بهذا المعنى، ينتمي السرد أصلًا إلى المجال الأخلاقي بفضل مطالبته، بمعزل عن سرديته، بالعدالة الأخلاقية”. ويأتي السرد في هذا السياق تعبيرًا دقيقًا عن الأدب بأنواعه كافة، لأن اللغة هي السرد، ولا شيء خارج السرد. لكن يبقى السؤال مطروحًا عن السبب الذي جعل النقد ونظرياته محط هجوم واسع، بل واتهامه بالخروج عن وظيفته الأساسية، وإن كانت النظرية هي من يقع عليها اللوم.
بادئ ذي بدء، وُلد النقد من رحم الفلسفة، وليس من الأدب، ووظّف منهجيتها وأدواتها، بل وحتى مصطلحاتها في قراءة النص الأدبي، ليضيف على إشكالية الأدب إشكالية الفلسفة ومصطلحاتها، ويتحول إلى لغة متعالية “ميتالغة”، ويستورد من حقول معرفية أخرى ـ لا تقل صعوبة وتميل إلى التخصص العلمي ـ مفاهيم ومقاربات في تأويل النص ليعتمدها معايير لإصدار حكم القيمة، ليختلط ذلك الجمالي بالمعرفي بالأيديولوجي. هنا تحديدًا يمكن تلخيص مشكلات النقد ـ كما يتناولها مناهضو النظرية ـ بالنخبوية، وتعقيد المصطلح بجذوره الفلسفية، إلى جانب محاصرته بأسوار المؤسسة الأكاديمية.
يطرح الأكاديمي الأميركي فنسنت بي ليتش في كتابه “النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين” (بلومزبيري، 2014، ص 29) أن النظرية أصبحت في الآونة الأخيرة “تقاطعًا بين التخصصات يجمع ما بين النقد الأدبي، واللسانيات، والفلسفة، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي، والسياسة”. هذا المزيج الواسع الطيف جعل من النظرية النقدية تخرج عن ميدان الأدب، وتنحو نحو مجالات تحتاج إلى تخصص علمي. لا يُخفى من قراءة هذا المقطع ـ وهو لواحد من الأكاديميين المدافعين عن النظرية ـ إشارته الواضحة إلى أن تاريخ النظرية النقدية على مدى الأربعين سنة الماضية تعني التفكيك (Deconstruction)؛ أي جاك دريدا، ومن حذا حذوه في جامعة ييل، ومن ثم في أماكن أخرى. أما العبارات التي كانت تنادي بـ”ما بعد النظرية” في العديد من الكتب والدراسات في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فلم تخرج عن دائرة الاعتراف بنجاح التفكيكية وانتشارها في الثمانينيات، ومن ثم استبدالها بنظريات ما بعد الكولونيالية، والإثنية، والتاريخية الجديدة، والدراسات الثقافية. اللافت للنظر أن مناهضي النظرية لم يفعلوا شيئًا بعدئذ سوى أنهم قدموا نظريات جديدة تأثرت بطريقة أو بأخرى بالتفكيكية، ليحاربوا النظرية بالنظرية، وليؤكدوا استحالة الاستغناء عن النظرية.
هذا لا يمنع القول إن عددًا من مناهضي النظرية النقدية تطرقوا إلى مسائل جوهرية ترتبط بتعاطي مدارس نقدية بعينها مع النص، وتحديدًا تلك التي تبعت رولان بارت في إعلانه موت المؤلف، والفصل بين قصدية الكاتب والمعنى الذي يقدمة النص بنيويًا ليصبح المعنى مشاعًا تفسيريًا. ومن الدراسات التي تناولت هذه الخاصية، جاءت مقالة “ضد النظرية” للأكاديمييْن الأميركييْن ستيفن ناب، ووولتر بِن مايكلز (مجلة الاستقصاء النقدي، العدد 8، صيف 1982) اللذيْن اتهما النظرية بأنها تسعى إلى “حل ـ أو الاحتفاء باستحالة حل ـ مجموعة من المشكلات المألوفة: دور قصد المؤلف، وما هي اللغة الأدبية، ودور الافتراضات التأويلية” (ص 723). يرى الكاتبان أن المشكلة الأساسية للنظرية النقدية تكمن في ميلها إلى خلق مشكلات بإصرارها على الفصل بين أمور لا يمكن الفصل بينها أصلًا، مثل العلاقة بين “قصدية المؤلف”، وبين “معنى النص”، في حين أنهما يعنيان الشيء نفسه، إذ لا انفصال بين قصدية المؤلف، ومعنى النص. يستشهد الكاتبان في جدليتهما بمقولة الناقد الأميركي إيريك دونالد هيرش (الابن) في كتابه “صحة التأويل” (نيو هافن ولندن، جامعة ييل 1967، ص 216) إن النص هو نتاج علاقات لغوية تجعله “موضوعًا عامًا تحدد سماته معايير عامة” تفرضها اللغة نفسها على مستوى المبنى والمعنى، لكن “لا يمكن لتسلسل ما من الكلمات أن يمثل المعنى الفعلي من خلال الإحالة إلى المعايير العامة وحدها” (المصدر نفسه)، أي لا بد من وجود فاعل ما (المؤلف) يوظف هذه اللغة لتوصيل قصد معين. وانطلاقًا من هذه المقولة، يرى ناب وزميله بِن مايكلز أن الجدال النظري الذي وسم التراث الأنغلو ـ أميركي اتخذ في غالب الأحيان شكل النقاش حول الحالة المعرفية للمؤول أكثر من الخوض في الحالة الأنطولوجية للنص نفسه (طبيعة النص)، وبالتالي “إن كان على المشروع الأنطولوجي أن يتخيل حالة للغة سابقة على القصدية، كان على المشروع المعرفي (كيف ندرك النص) أن يتخيل حالة من المعرفة سابقة على التأويل” (ضد النظرية، ص 737).
ما يقصده الباحثان هنا هو إن هذه الإشكالية التي ابتدعها المنظرون في الفصل بين قصدية المؤلف ومعنى النص تعود أولًا إلى وجود المشروع الأنطولوجي (النص بصفته مادة لغوية) بمعزل عن القصدية، أي التعامل مع الكلمات على أنها تعني شيئًا ما حتى لو لم يكن هنالك أحد يقصد بها أي معنى كان. ثانيًا، يقدم المشروع المعرفي ما يمكن تفسيره على أنه الطريقة الصحيحة لمعرفة النص وإدراك دلالاته من دون تأويلها، أي معرفة مجموعة من القواعد، أو النظريات، التي تدل على ما يعنيه النص حتى قبل أن تقرأه. لنأخذ مثالًا بسيطًا على ذلك، لنفترض أن أحدًا ما عثر على جدار منزله علامات لها شكل محدد. في هذه الحالة، تحاول النظرية أولًا أن تقرر إن كانت هذه العلامات هي لغة لها معنى قبل أن تعرف إن كان هنالك أحد ما هو من كتبها، أو رسمها، وما هي الرسالة التي يود توصيلها. لكن إن لم يكن هنالك أحد ما كتب هذه العلامات فهي تبقى مجرد علامات لا أكثر ولا أقل. لذلك يقول الكاتبان إن الهدف من المشروع المعرفي هو تأسيس التأويل على مواجهة مباشرة مع موضوعه مع مادته الأصلية من دون التأثر بمعتقدات المؤول وأفكاره. وهذا جانبٌ آخر من إشكاليات النقد الذي يؤسس أحكامه استنادًا على أيديولوجيا، أو نظرية سابقة، الأمر الذي دفع بعدد من الباحثين إلى القول باستحالة حيادية التأويل النصي، ومن ثم الحصول على قراءة سليمة للنص. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اختلفت القراءات التي فسرت وجود الأشباح التي تراها المربية في رواية “دورة اللولب” لهنري جيمس، إذ انطلق بعضهم من التحليل النفسي للقول إن هذه الأشباح مجرد هلوسات تنتاب امرأة تعاني حالة عصابية من الكبت الجنسي، بينما ذهب آخرون للقول إن الأشباح ليست هلوسات، بل حقيقية. يضعنا هذا التفسير في صلب المقولة الشهيرة للناقد الأميركي هارولد بلوم “كل قراءة هي قراءة خاطئة”، التي تتلاقى مع النظرة التفكيكية التي تقول إن اللغة نفسها غير مستقرة، وذاتية التفكيك، مما يجعل القراءة عملية متواصلة من الخطأ التأويلي، لأنه لا يوجد معنى واحد ثابت قطعيًا، وتتوافق مع نظرية التلقي التي ترى أن المعنى ليس ثابتًا في إطار النص، بل ينشأ من تفاعل القارئ معه. وبغض النظر عن المقاربة النقدية لمعنى الأشباح في رواية هنري جيمس، لنفترض أن أحد الأمرين صحيح، أو أن كليهما خاطئ، هل يغير هذا من القيمة الجمالية للنص ومتعة قراءته؟
هل يمكن تحميل النظرية وحدها المسؤولية كاملة؟ يجيب الباحث الأميركي جون إيليز ـ وهو واحد من مناهضي النظرية ـ على هذا السؤال في كتابه “ضياع الأدب: أجندات اجتماعية وفساد العلوم الإنسانية” (جامعة ييل، 1997) عندما يقول إن المنظرّين لا يهتمون بما يجب على الأعمال الأدبية أن تقوله، بل بتطبيق نظرية بعينها على هذه الأعمال، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أنه من الخطأ القول إن النظرية هي سبب المشكلة، بل “النظرية السيئة”. وفي تبيان هذه الفكرة، يرى إيليز أنه توجد صيغتان للنظرية، واحدة قطعية جازمة، والثانية تحليلية، يجري في الصيغة الأولى طرح آراء عامة جديدة لبعض جوانب النقد، أو الأدب؛ أي للدفاع عن نظرية بعينها. أما في الصيغة الثانية فيجري فحص الأفكار وتحليلها. ويستدرك قائلًا: “لا يمكن الفصل بين الحالتين بشكل كامل، فالطروحات الجديدة بما يخص النقد قد تنشأ من التحليل مثلما قد ينشأ تحليل أفضل من الممارسة النقدية نفسها” (ص 182).
من تكون هي تلك النظرية السيئة التي يعنيها إيليز؟ إنها تلك النظرية التي تحولت في رأيه إلى”ما يشبه الموضة” التي أدت بدورها إلى ظهور”مذهب جديد أصبح قادته من المشاهير؛ نخبة محترفة ذات هالة من المعرفة العصرية صيغت بعناية متقنة. في هذا المناخ، غدت النظرية هي الأهم، وما قبلها بات باليًا متخشبًا أكل الدهر عليه وشرب. لذلك لم يكن هذا الجهل المقصود بالنظريات السابقة أمرًا عرضيًا، بل سمة أساسية في هذا التحول الجديد” (ص 200)، أي النخبوية التي حصرت نفسها في متاهات النظرية، وأصرت على قسر العمل الأدبي ضمن مقولات تحدد قيمة النص سلفًا، ناهيك عن إضفاء حالة من القطعية الجازمة بصحة تأويلها، وخلق قطيعة تامة مع كل ما سبق من نظريات. من غير المستحسن أن نتسرع في إلصاق هذه النقيصة ’النخبوية‘ بالنظرية النقدية، لأن النقد أساسًا مجال نخبوي، بمعنى أنه لا يلقى رواجًا كبيرًا بين القراء عامة، فضلًا عن كونه ليس نصًا أدبيًا، بل عن الأدب، والتذكر دائمًا أنه خرج من عباءة الفلسفة. لكن النخبوية التي يشير إليها إيليز هي تلك الطبقة من ممارسي النظرية النقدية التي حبست النقد بين جدران المؤسسة الأكاديمية، وأدرجت كل من يقف وراء هذه الأسوار في لائحة “غير المؤهلين علميًا”، متناسية أن النقد وقبل أن يكون تخصصًا علميًا هو ذائقة تعتمد على موهبة خاصة لا تخلقها المؤسسة الأكاديمية، بل تعمل على تطويرها. هذه النخبوية الأكاديمية اشتغلت على النظرية النقدية بصفتها جدالًا فكريًا وسجالًا تنافسيًا أكثر من كونها مقاربة يمكن للناقد استخدام أدواتها في قراءة النص الأدبي، واستكناه أبعاده الجمالية، وكشف تفاصيل مضمون خطاب النص ودلالاته، وكيف نجح، أو أخفق، المؤلف في توظيف الشكل لتحقيق هذا الهدف.
لعل من أهم المشكلات التي وقعت فيها هذه النخبوية هي تغريب المصطلح وتعقيده. فما دامت لغة الأدب هي لغة إشكالية في المقام الأول، كان يتعين على لغة النقد أن تلتفت إلى ازدواجية اللغة عندما تتناول النص الأدبي وحيله البلاغية. بيد أن النقد الحداثوي ـ على وجه التحديد ـ صيَّر نصه لغة متعالية تسعى جاهدة لأن تخلق نصًا يفوق النص الأدبي ـ قيد النقد ـ إبداعًا وجمالية وتعقيدًا بلاغيًا، وصولًا إلى تغريب المصطلح النقدي، والاستعارة من مجالات معرفية أخرى مصطلحات ومفاهيمًا لا تمت للأدب بصلة. صحيح أن التغريب (defamiliarization) مصطلح نحته الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكولوفسكي في مقالتة “الفن أداةً” عام 1917، ويبرر هذا التغريب بالقول “إن هدف الفن هو تقديم الإحساس بالأشياء بالطريقة التي تُدرك بها، وليست بالطريقة التي تُعرف عنها… عملية الإدراك والفهم هي غاية جمالية في حد ذاتها، ويجب إطالتها للاستمتاع بها”. لكن النص النقدي ـ كما سبق ذكره ـ ليس نصًا أدبيًا يحتفي بالتوظيف الجمالي للغة، بل عملًا فكريًا يستقرئ النص، ويحلل أسلوبيات تشكيله، تمهيدًا لإطلاق الحكم النقدي. هذا النوع من التغريب الاصطلاحي أضفى على النص النقدي ـ كما يرى بعضهم ـ غموضًا واستعصاءً، بل حتى إن بعض المصطلحات، وباعتراف كثير من النقاد والأكاديميين، جمعت في متونها متناقضات لا يمكن تفسيرها. منها على سبيل المثال “البوطيقيا الثقافية” (Cultural Poetics)، وهو المصطلح الذي نحته الباحث الأكاديمي والناقد الأميركي ستيفن غرينبلات مطلع الثمانينيات في إطار مدرسة التاريخية الجديدة (New Historicism). اعترض مناهضو التاريخية الجديدة على هذا المصطلح، لأن الثقافة كيان عملي تطبيقي من الصعب تحديد تفاصيله، في حين أن البوطيقا تستند على مفاهيم تجريدية جمالية لا تدخل فيها السياقات الثقافية لهذه المفاهيم، أي الجمع بين متناقضين على نحو يُخرج البوطيقا من التجريد ويضعها في صلب التداول الاجتماعي “المادي”، وفي الوقت ذاته يرفع الثقافة خارج إطار المادية البحتة، وهذا ما استحسنه مؤيدو التاريخية الجديدة وعدّوه امتيازًا لا خطيئة.
مع ظهور نظرية النقد الثقافي، ارتفعت الأصوات المطالبة بإعادة الأدب إلى محيطه الطبيعي، وهو السياق الثقافي الملتصق بحياة الناس. ومن هذا المنظور يتناول إدوارد سعيد في كتابه “العالم، والنص، والناقد” (جامعة هارفارد، 1983، ص 25) مسألة الوعي النقدي الذي “يقف بين إغراء قوتين جبارتين مترابطتيْن تستحوذان على الاهتمام النقدي. الأولى هي الثقافة التي يرتبط بها النقاد بالنسب (بالولادة، والانتماء القومي، والمهنة)، والثانية هي الطريقة، أو المنظومة، التي يكتسبها النقاد بالانتساب (القناعات الاجتماعية والسياسية، والظروف الاقتصادية والتاريخية، والجهد الشخصي، والتفكير القائم على الإرادة)” (ص 25). ويضيف “إن الوقوف بين الثقافة والمنظومة يعني الوقوف قريبًا من واقع مادي يستوجب الإدلاء بالأحكام الاجتماعية والأخلاقية والسياسية” (ص 26). لهذا السبب، يرى سعيد أن النقد بنخبويته وانعزاله في النطاق الأكاديمي استحال طلاسم اصطلاحية هدفها التمويه والتستر، وانتحى مكانًا بعيدًا عن القضايا التي تؤرق حياة الإنسان العادي. تجدر الإشارة إلى أن ما يطرحه سعيد في هذه الجزئية ينطبق على الكاتب والناقد معًا، فالمؤلف هو الآخر سليل نسبه ونتاج انتسابه واختياراته وقناعاته. إلا أن موقع الناقد يكتسي خطورة أكبر لأنه يشبه القاضي الذي يطلق الحكم، حكم القيمة. يتضح هنا أن إدوارد سعيد يشير إلى التداخل بين الأيديولوجيا والنقد، ولا تُعد هذه في حد ذاتها نقيصة إلا إذا كانت وسيلة تُستخدم لغايات لا علاقة للنقد الموضوعي بها. وهذا بدوره يقودنا إلى الخلاصة التالية، وهي إن المشكلة ليست في النظرية نفسها، بل في الوعي النقدي وفهمه لآليات إنتاج النص الأدبي اللغوية والفنية، والمخزون المعرفي والثقافي الذي يقف وراء هذه الآليات، مع التشديد على ضرورة أن يقوم هذا الوعي على مبدأ العدالة الأخلاقية، بحسب تعبير بول ريكور.