يخطئ من يظنّ أنّ الثأر نقيض العدالة. فالثأر أسبق من العدالة تاريخياً، ويقيم في الطبقة نفسها التي خرجت منها فكرة العقاب أصلاً. اخترع الإنسان العدالة، ليس لأنّه تحرّر من الرغبة في الانتقام، وإنّما بهدف ضبطها لأنّه اكتشف أنّ هذه الرغبة كلّما تُرك لها أن تحكم بنفسها، أعادت إنتاج الجريمة بصيغ مختلفة. وليس ثمّة مكان يكشف هذه الحقيقة أكثر من المجتمعات الخارجة لتوّها من الاستبداد، فكلّ محاكمة تجري في مثل هذه اللحظات تطرح سؤالَين في الوقت نفسه. تطرح سؤالاً يتعلّق بمسؤولية المتّهم، وسؤالاً آخر يتعلّق بطبيعة المجتمع الذي يحاكمه. الأوّل يخصّ الماضي، والثاني يخصّ المستقبل. لهذا تبدو بعض مشاعر الغضب والشماتة والرغبة في الانتقام التي ترافق المحاكمات مفهومة من الناحية الإنسانية، لكنّها تفقد مشروعيتها حين تصبح جزءاً من عمل القضاء. هنا تبدأ المسافة التي تستحقّ التأمل: المسافة الفاصلة بين الثأر بوصفه خبرةً إنسانية، والعدالة بوصفها فكرةً سياسيةً وأخلاقيةً. ولهذا السبب، يصعب اختزال الثأر في انحراف أخلاقي بسيط، فهو ينتمي إلى البنية الأولى للشعور بالظلم. الإنسان الذي يرى عالمه وقد اختلَّ يبحث عن استعادة المعنى الذي انتزعته الجريمة من حياته.
كان دوستويفسكي من أكثر الروائيين قدرة على ملامسة هذه المنطقة المعقّدة في النفس البشرية. شخصياته لا تعيش هاجس العقوبة بقدر ما يحكمها هاجس الكرامة، إذ يتحوّل الجرح الداخلي إلى قوّة تدفع صاحبها نحو أفعال يعجز هو نفسه عن فهمها. لهذا تبدو الرغبة في رؤية الجاني منكسراً ومهاناً أمراً مفهوماً بذاته. إنّها استجابة تسبق التفكير، تخرج من إحساس قديم بأنّ العالم فقد توازنه. غير أنّ فهم هذه الرغبة شيء، واتخاذها معياراً للعدالة شيء آخر. هذه هي المنطقة التي يتحرّك فيها دوستويفسكي ويستكشفها في معظم أعماله. الجريمة في رواياته تمثّل تجربةً تهزّ صورة الإنسان عن نفسه والعالم أكثر منها حدثاً قانونياً. ومن هنا، فإنّ الرغبة في رؤية الجاني ذليلاً أمرٌ لا يحتاج إلى كثير من التفسير؛ إنّها أثر مباشر لذلك الاختلال العميق الناتج عن فعل المتهم وجرائمه. لكنّ هذا الأثر لا يكفي لبناء العدالة. فالمشاعر تستطيع أن تفسّر الحاجة إلى إنزال العقوبة، غير أنّها تعجز عن تحديدها بدقّة. منذ تلك اللحظة يصبح مطلوباً من القانون أن يبتعد خطوةً عن الجرح (من دون إنكاره) حتّى لا يتحوّل إلى امتداد له. ولهذا تتجاوز أهمّية المحاكمات في سورية اليوم مصير المتهمين أنفسهم. القضية الحقيقية تتعلّق بالمعيار الذي تُدار وفقه المحاسبة، وبالحاجة العميقة إلى استعادة الثقة بفكرة القانون. هذا الهدف يفقد معناه متى أصبحت إجراءات المحاكمة انعكاساً للمشاعر التي أنتجتها سنوات الصراع. السخرية من دفاع المتّهم عن نفسه، والاحتفاء بإذلاله. جميعها انفعالات يمكن فهمها ضمن التجربة الإنسانية، غير أنّها تفقد قيمتها لحظة تقترب من وظيفة القضاء ومفهوم العدالة، فحقّ الدفاع لا يُقاس بقيمة صاحبه الأخلاقية، وإنّما بقيمة المحكمة نفسها. المجتمع الذي يمنح هذا الحقّ لأشدّ خصومه إنّما يعلن بذلك أنّ القانون لم يعد أداةً في يد الغالب، وأنّ العدالة تستمدّ مشروعيتها من ذاتها لا من مقدار الكراهية التي أثارتها أفعال المتّهم في الوجدان العام.
ولعلّ الفرق الأعمق بين الثأر والعدالة يكمن في علاقتهما بالزمن. الثأر يظلّ مشدوداً إلى لحظة الجرح الأولى، يستمدّ معناه من استمرارها، فيبقى الماضي حاضراً بوصفه المصدر الدائم لكلّ حكم. العدالة تتحرّك في اتجاه مختلف؛ تبدأ بالاعتراف بالماضي ثمّ تحوّله إلى موضوع للفحص، حتّى يفقد قدرته على حكم المستقبل. لهذا تبدو المحاكمة الحقيقية حدثاً يتجاوز معاقبة شخص بعينه. إنّها إعلانُ الكيفيةِ التي يريد المجتمع أن يعيش وفقها بعد سقوط الاستبداد. أعظم وفاء للضحايا لا يتحقّق بالشماتة أو حتّى بالثأر، وإنّما بإقامة نظام يمنع إعادة إنتاج الظلم الذي لحق بالضحايا. وهنا يكتسب القانون معناه الأخلاقي. لهذا ظلّ دوستويفسكي يعود إلى الجريمة مرّة بعد أخرى، إذ كان يبحث عن اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان قدرته على النظر إلى الحقيقة من دون أن يشوّهها الجرح. من هنا تبدأ العدالة في تجاوز مجرّد العقوبة، فهي لا تزيل الألم، فليس من واجبها، ولا من حقّها أصلاً، أن تطالب بنسيانه أو تجاهله، لكنّها تمنع الألم من أن يتحوّل إلى معيار للحكم. عند هذه النقطة يبدأ المجتمع باستعادة ثقته بنفسه، لأنّ القانون يصبح قادراً على قول الحقيقة حتّى عندما يكون الجميع قد حسم موقفه منها سلفاً.