تناول محلّلون كثيرون دوافع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن ونتائجها (الأسبوع الماضي)، وشملت تحليلاتهم التفصيلات الصغيرة، بما في ذلك لغة الجسد وطريقة الجلوس وملامح الوجه، وغير ذلك من الأمور التي يزداد التركيز عليها حينما تغيب الأخبار الأكثر أهمّيةً الخاصّة بماهية الموضوعات التي نُوقشت، وحقيقة التوافقات أو الخلافات التي حصلت أو تلك التي لم تُحسم بعد، والخطط التي اعتُمدت بشأن الحرب المعقّدة الهجينة مع إيران وأذرعها في المنطقة، وجهود الوساطة المستمرّة، وأساليب الضغط التي ستمارس على النظام الإيراني. في جميع الأحوال، لا يمكن تجاهل السياق الذي أتت ضمنه هذه الزيارة، بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب فشل الاتّفاق المبدئي مع النظام الإيراني، وأعقبت زيارتَي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس اللبناني جوزيف عون واشنطن، وفي أجواء تصاعد هجمات المليشيات العراقية الولائية ضدّ دول الخليج (سيّما السعودية والكويت والبحرين) والأردن وإقليم كردستان العراق. هذا إلى جانب تهديدات الحوثيين، بناءً على أوامر إيرانية، للملاحة السعودية في البحر الأحمر، والتلويح بإغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الدولية، لزيادة الضغط على الاقتصاد العالمي، خاصّة في مجال الطاقة، وتحميل إدارة ترامب مسؤوليةَ ذلك أمام الداخل الأميركي والمجتمع الدولي.
من المتوقَّع أن تتوسّع دائرة دول المنطقة التي ستدافع بقوّة عن مصالحها في مواجهة التمادي الإيراني
ولكن، ما يُستنتج من تصريحات المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، ومن تطوّرات الأحداث، هو أنّ المنطقة ستشهد المزيد من التصعيد، قبل التوصّل إلى حلّ شبه دائم (أو إلى ما يشبه الحلّ) مع النظام الإيراني الذي من الواضح أنّه يعاني صراعاً داخلياً بين أجنحته المختلفة حول الدور والمستقبل في منظومة الحكم. وما يعزّز هذا الاستنتاج التوجّه الشمشوني الذي يتصرّف النظام الإيراني بموجبه في التعامل مع دول المنطقة، فهو يخطّط ويعمل من أجل بثّ الذعر والفوضى، والتسبّب في عدم الاستقرار في المجتمعات المجاورة عبر إثارة النعرات الطائفية، وتكليف مليشياته تنفيذ أعمال هجومية تخريبية ضدّ دول المنطقة بحجّة ضرب القواعد الأميركية. وما تفعله المليشيات الولائية في العراق ضدّ السعودية ودول المنطقة، وتهديدات حزب الله في الداخل اللبناني، وضبط أسلحة ومتفجّرات كانت في طريقها إلى حزب الله عبر سورية، وما يؤدّيه الحوثي من دور، هي (وغيرها) قرائن ملموسة تؤكّد استمرارية النظام الإيراني في مساعيه القديمة الجديدة لضرب الأمن والاستقرار في المنطقة، وذلك بهدف انتزاع دور إقليمي مؤثّر يحوّل أنظار الشعب الإيراني نحو الخارج كي لا يطالب بالإصلاحات في الداخل.
وعلى الرغم من الوعود والخطوات الإصلاحية في مجال مكافحة الفساد التي بدأها الزيدي منذ تسلّم الحُكم، وتوجّهه الانفتاحي على دول الخليج، ومساعيه من أجل ذلك، إلا أنّه اصطدم بهجمات المليشيات التي تحمل اسم بلاده على هذه الدول، وهي الهجمات التي من الواضح أنّها كانت مطلوبةً إيرانياً. وربّما الأمر الذي لم يكن في الحسبان بالنسبة إلى الحكومة العراقية والمليشيات المعنية هو الردّ السعودي القوي الموجع بالتعاون مع الولايات المتحدة على مواقع تلك المليشيات، وكانت النتيجة مقتل العديد من أفرادها، ومقتل عناصر من الحرس الثوري الإيراني. غير أنّ الرسالة السعودية كانت أقوى وأبلغ من ذاك الردّ، وفحواها أنّ السعودية جاهزة للدفاع بقوّة عن أمنها الداخلي ومصالحها، وأنّ ما أبدته خلال الفترة المنصرمة من ضبط للنفس وصبر على الانتهاكات الإيرانية لم يكن نتيجة الضعف، وإنّما بناءً على تقدير الموقف، والرغبة في إيجاد الحلول عوضاً عن التصعيد. ومن المتوقَّع أن تتوسّع دائرة دول المنطقة التي ستدافع بقوّة عن مصالحها، وهي المصالح التي تتعرّض لمخاطر حقيقية أمام إصرار النظام الإيراني على التمادي في اندفاعاته المتهوّرة التي لا تنسجم مع أبسط قواعد التعامل بين الدول التي تحترم التزاماتها الدولية.
ولعلّه ليس من المستبعَد في هذا المجال، إذا ما استمرّ الحوثيون في تهديدهم وشكّلوا خطراً فعلياً على الملاحة، أن تلتقي جهود مصر مع الجهود السعودية الرامية إلى المحافظة على الأمن الملاحي في البحر الأحمر، فهذا الأمن أمر حيوي وجودي بالنسبة إلى السعودية ومصر على صعيد التصدير والاستيراد، وهو يؤثّر بالنسبة إلى مصر على إيرادات قناة السويس.
أمّا موقع سورية في هذه اللوحة الإقليمية المضطربة فهو في قلب المعمعة، فسورية ستتأثر في جميع الأحوال بتبعات التصعيد المستقبلي بين الولايات المتحدة وإيران. وهي بحكم موقعها الجغرافي لن تكون بعيدة من تفاعلات الأحداث التي يشهدها (وسيشهدها) العراق ولبنان. فسورية، بحكم الروابط الديموغرافية والجغرافية والمصالح المشتركة، لا يمكن أن تعزل نفسها عن الجارَين المهمَّين اللذَين تحتاج إليهما ويحتاجان إليها. فالفصائل العراقية المرتبطة عضوياً بالنظام الإيراني (داخل “الحشد الشعبي” وخارجه)، إلى جانب المليشيات المسلّحة التابعة لحزب العمّال الكردستاني المتحالفة مع الفصائل المعنية في منطقة سنجار، تمثّل تهديداً مستمرّاً لسورية التي تعاني أصلاً أوضاعاً هشّةً نتيجة ما فعلته سلطة آل الأسد وراعيها الإيراني بالمجتمع السوري والدولة السورية، وبفعل عدم تمكّن الإدارة الجديدة من ضبط الأوضاع الأمنية والسيطرة على السلاح في مختلف المناطق السورية، على الرغم من كلّ ما قيل ويُقال. في حين أنّ حزب الله بعد ما فعله في لبنان وسورية، وما تعرّض له، لا يعطي أيّ إشارة توحي بأنّه مستعدّ لمراجعة ماضيه ودوره أو أنّ هناك إمكانية لتحوّله إلى تيّار أو حزب سياسي لبناني يعمل وفق قوانين الدولة اللبنانية، وتحت سيادتها التي من المفروض أنّها تجسّد إرادة كلّ اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وتوجّهاتهم.
ومن الناحية الأخرى، يُلاحظ أن ترامب، الذي بنى أسواراً من عدم الثقة بينه وبين الأوروبيين وفقد دعمهم في المنطقة، يحاول دفع الإدارة السورية الجديدة نحو التدخّل في لبنان من أجل الحدّ من نفوذ حزب الله، وذلك بعد إخفاق الهجمات الجوية الإسرائيلية في تحقيق الهدف الذي أعلنته الحكومة الإسرائيلية، وهو الهدف المتمثّل في التخلّص من حزب الله ودوره الإسنادي لصالح النظام الإيراني. كما يحاول ترامب في الوقت ذاته إقناع الدولة اللبنانية بضرورة عقد اتّفاق مع إسرائيل يقضي بإنهاء حالة الحرب، والالتزام بمنع حزب الله من القيام بعمليات عسكرية لمصلحة النظام الإيراني ضدّ إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ولكن من دون إعطاء ضمانات واضحة صريحة تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وعدم تهديدها مستقبلاً للسيادة اللبنانية. وفي السياق ذاته، يلاحظ وجود اهتمام تركي واضح بموضوع العلاقة المستقبلية بين لبنان وسورية، وذلك لإدراك تركيا أنّ أيّ اضطراب في لبنان سينعكس عليها عبر سورية. وبغضّ النظر عن متغيّرات وتطوّرات الأوضاع الإقليمية في الأيّام (إن لم نقل في الساعات) المقبلة، سيكون لأيّ تدخّل عسكري سوري في لبنان عواقب وخيمة على الأوضاع السورية الداخلية الهشّة المتداعية أصلاً. والجدير بالذكر أنّ مثل هذا التدخّل، الذي ما زال في دائرة الاحتمال، لا يحظى برضى سائر الأطراف اللبنانية على اختلاف مواقفها من حزب الله وارتباطه العضوي مع النظام الإيراني.
وليس بعيداً ممّا تقدّم، يُلاحَظ أنّ الإدارة الأميركية تعمل في مختلف الجبهات من أجل زيادة الضغوط على النظام الإيراني ونزع أوراقه التفاوضية. ويُشار هنا إلى إعلان ترامب التوصّل إلى اتّفاق بخصوص غزّة، الأمر الذي سيؤدّي (إذا ما تمّ الاتّفاق بالفعل) إلى حرمان النظام الإيراني من ورقة مهمّة استخدمها لتعزيز نفوذه في المنطقة والتغطية على مشروعه التوسّعي تحت شعارات المقاومة والممانعة. ولكن في المقابل، هناك توسّع استيطاني في الضفّة الغربية، وتضييق كبير على السلطة الوطنية الفلسطينية، لحسابات انتخابية تخصّ نتنياهو وحلفاءه في الحكومة اليمينيّة المتشدّدة. هذا في حين أنّ الجميع على علم وقناعة بأنّه من دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة التي نصّت عليها القرارات الأممية لن يكون هناك استقرار في المنطقة.
توحي كلّ القرائن بأنّ الأوضاع في منطقتنا في طريقها نحو المزيد من التصعيد والتصادم. وإعلان الرئيس الأميركي أنّه أوقف الضربةَ الكبيرةَ على إيران بناءً على رغبة وجهود الوسطاء (قطر والسعودية وباكستان وتركيا) هو مجرّد تهدئة آنية. ومن المعروف حتّى الآن، بناءً على التجارب التاريخية، أنّه في الحروب والأزمات تتعرّض الدول والمجتمعات الهشّة للأذى أكثر من غيرها. ولتحاشي أن تواجه سورية مزيداً من المخاطر والأزمات، سيكون من الأفضل لها أن تعطي الأولوية لترتيب وضعها الداخلي، والعمل على تحصينه عبر طمأنة سائر مكوّناتها المجتمعية في كامل الجغرافية السورية، وضمان مقوّمات العيش الكريم (ولو ضمن الحدود الدنيا) للناس، لتكون قادرةً على تحمّل تبعات العواصف والزلازل التي تسبّبها الصراعات الإقليمية والدولية، وهي صراعات لا تعطي عادةً أيَّ قيمة لتضحيات الشعوب وتطلّعاتها.